رفقاً بالأمة المسيحية يا كتاب المسيحيين

عندما يدخل القارىء الى شبكة الأنترنيت تحديداً الى موقع القوش نت ، يطلع على ما افرزته قرائح الكتبة المسيحيين ولا اقول ( الكلدان او السريان أو الآشوريون ) لأن تاريخياً المشار اليهم بين الأقواس ، هم امة واحدة دينياً وليس قومياً . وهذا ما لا يمكن لأي طرف من الأطراف أن ينكر او يدحض تلك الحقيقة . ومن يتصفح تاريخ الكنيسة ، يلاحظ أن المسيحية آنذاك كانت كنائسها قد تمركزت في خمس مناطق ، وهي اورشليم وانطاكيا والقسطنطينية والإسكندرية وروما. ومن هذه الكنائس ، بزغ الإشعاع التبشيري باتجاه الجهات الأربعة معلناً البشارة برسالة المسيح بافكار موحدة وبكنيسة واحدة رغم تعدد مواقعها. الا أن الخلافات كانت قد بدأت بعد صلب السيد المسيح  بسنوات قليلة . منها الخلاف حول الأرامل وخلاف حول اعتناق الوثنين للمسيحية . فسكنة الأورشليم كانوا يطالبون بتعلم اولئك الوثنيين المباديء الموسوية كشرط للقبول بالمسيحية. اما جماعة الهلينيين ، عارضوا هذه الفكرة ودعوا الى تعليم اولئك المباديء المسيحية مباشرة. واخيراً توصل الرسل في سنة 49 بعد الميلاد الى قرار موحد ، يقضي بترك تلك الأمور الى رسول الأمم ( مار بولص ) وكان هذا رأيه من البداية . وهكذا استمرت تلك الخلافات الى يومنا هذا ، وهي لا تؤدي الا لتشويه رسالة السيد المسيح ليس الاّ . فالإجتهادات استمرت بعد فترة قصيرة من يوم العنصرة الذي يعتبر بداية التاريخ العالمي للكنيسة بتعاليم ومعتقدات جديدة وانسلخت من الهيكل الموسوي كليا واصبحت رسالى قائمة بذاتها.

الحديث هنا ايها القاريء العزيز ، ليس عرض تاريخ الكنيسة وانما هو بيان لإولئك السادة الذين يكتبون وبجفاء ويعيدون الى الأذهان ما جرى في الماضي بأن الفئات المسيحية المتصارعة ، يتحدثون بعنصرية ونحن ضحية تلك العنصرية. اقول للكتبة الأعزاء رفقاً بالمسيحية ( والمقصود مسيحية الشرق ) الاّ تحاولوا الحاق مزيد من الأذى اكثر مما لحق بها. الا يكفيها ما جرى لها في العراق وسوريا ، وانتم تحاولون التذكير بالماضي الأليم وتأجيج التفرقة بأمة لم يبق منها في موطنها الا اليسير.

فقد خلت ديار الكلدان والآشوريين والسريان من اصحابها ولم يبق منهم في ارض آبائهم واجدادهم الا من لم تحن لهم الفرصة للمغادرة والهرب. فقد خلت بلداتهم وديارهم وسلبت ممتلكاتهم ودمرت دور عبادتهم وانزلت صلبانها من قبابها ، والخلافات لم تهدأ ولم نتعض جميعاً بما جرى. وارى اننا لسنا بحاجة للعودة الى بطون الكتب واثارة المشاعر السلبية التي مرت على الأمة المسيحية مهما كانت اسبابها . وكفانا تمزيقاً بتلك الجثة التي تعرضت عبر الزمن الى طعنات الخناجر وحزات السيوف ، ونأتي اليوم لنجهز بأقلامنا عليها او على ما تبقى منها ، فذاك من بتحدث عن مذبحة السريان على ايدي النساطرة اسلاف الآشوريين والكلدان على حد قول الكاتب ، والآخر يتحدث عن الإنشقاقات في الأمة الكلدانية وكأنها ليست فصيلاً من فصائل المسيحية المتخاصمة . والآخر يتحدث عن تخبط الكنائس واحزابها الكلدانية وكأن الكنيسة ليست معنية بالإنقسامات.

عجيب غريب يا اخوان .. لماذا يجري التعلق بهذه المواضيع الآن ، والأمة قد تفرقت اشتاتاً واجيالها سوف تنسى كل شيء عن تاريخها لا محال ، وهذا ما هو محزن. لذا نحن احوج ما  نكون الى لمِّ الشمل ، وبعده نداوي جراحاتنا ونواسي نفوسنا لما حل بالمسيحية ونحن لم نزل نتحدث بانتماءات مختلفة من آشوريين وكلدان وسريان . وللسادة القراء واخص المسيحيين منهم ، اقول ماذا يمكننا أن نقدم لهذه التسميات التي اصبحت جزءاً من الماضي مع كل احترامي وتقديري لها ولأبنائها وأنا منهم ... ماذا بمقدورنا أن نقدم لأرض آبائنا واجدادنا وانتماءاتنا بعد أن هجرناها مرغمين تاركين ليس الأرض فحسب ، بل التاريخ وكل ما يمت اليه بصلة ... هائمين في بلاد الغربة . وحتى الذين تخلفوا عن الهجرة ومكثوا ساكنين ارض الآباء ، ليسوا الا طوائف وجماعات مختلفة ، كل منها تحت توجيه او سيطرة جهة معنية لها افكارها ومآربها. وما كنا نخشاه قد حصل ، ذلك هو اقتتال الفصائل المسيحية مع بعضها . وهذا لا يبشر بخير بل تجعل نهايتنا قريبة وضياع كل ما هو مسيحي ارضاً وامةً وتاريخاً . أراني اتساءل هل ازحتم العدو الأشرس لكم حتى تعودوا الى خصاماتكم..؟ اعلموا جيداً بأن مستقبلكم قاتم وانتم في الحالة المتهالكة التي تجعلكم ــ ووضعكم هذا ــ لقمة سائغة لأعدائكم.

فالمسيحية الآن ليست بحاجة الى الإمتثال ولا لتهديد الآخرين ، بل هي في امس الحاجة الى الإتحاد لتكونوا مستعدين لمقاومة كل ما يهدف الى نهايتكم والإساءة الى تاريخكم. فالإقتتال لا يجدي نفعاً وجراحنا لا تندمل وليس من يداويها الا نحن بأيدينا ، وذلك بدعوتنا الى التقارب والـتآخي ووحدة الصف والخطاب الموحد وخاصة دعوتنا الجادة الى وحدة كنائسنا . وهذا هو المهم لأن بوحدتنا ، نستطيع أن نقدم شيئاً للأمة المريضة والتي كانت سبب جميع الأمراض والأوبئة التي طغت على تركيبها التارخي بسبب انقساماتها وخلافاتها العقادية بالرغم كون العقيدة واحدة . ومع هذا ، نحن لانخاصمها بل ندعو الى وحدتها لتلمَّ شمل ابنائها وتكون اماً عطوفة وحنونة علىيهم وتكف عن التعامل الطائفي والعنصري كما يحدث بين المعتقدات الأخرى ، ونتائج ذلك ، سوف لا تكون الا العداء وضياع ما تبقى من الأوطان.

إذاً المطلوب منكم ايها الأخوة الأعزاء اصحاب الأقلام البناءة ، هو نسيان الماضي باخطائه وجراحاته ، كما ندعوكم جميعاً ـ  وتحت راية مسيحية موحدة ـ  الى التسامح وتجاوز انقسامات الماضي ، لأن اوطاننا في ذلك الماضي المؤلم حتمت علينا أن نعيش الامنا في الحاضر كمشردين ـ كما ذكرت في احدى كتاباتي تحت عنوان ( بلا هوية ) وما علينا الا السعي في الحصول على العيش موحدين . وعلى ضوء ذلك ، عسانا أن نبعث وجودنا كأمة مسيحية على ارض اجدادنا ، كما انبعث غيرنا من الأمم .

أما من يتكلم باسم الأمة والوطن من زعماء الكنائس واتباعهم وهم في ارض المهجر ، ما عليهم الا العودة الى ارض آبائهم واجدادهم ، حينذاك يحق لهم الكلام . وفي ذلك نقول لهم حياكم وقلوبنا تخفق للعودة واللحاق بكم ايها الأجلاء المحترمون.

حبي وتقديري لكتابنا الأعزاء.

  كتب بتأريخ :  الأحد 05-03-2017     عدد القراء :  1376       عدد التعليقات : 0