العراقيون ولاؤهم لمن؟ ولماذا؟

صديق أكاديمي، وهو عالم لامع، وأستاذ في إحدى الجامعات الإنكليزية العريقة، ومهتم بالشأن العراقي، ومتابع لحيثياته، أرسل لي تعقيباً على مقالي الموسوم: (هل حقاً كان العهد الملكي ديمقراطياً، واعداً ومستقراً؟)(1)، ونظراً لأهميته، أنقله كاملاً:

(عزيزي... ، مقال رائع وتحليل جداً ممتع. بودي ان أرى مقال منك يضاف الى مقالاتك وتحليلاتك الرائعة حول الظاهرة العراقية التالية:

(العراقيون الملكيون ولاؤهم للملك الذي هو ليس عراقي. العراقيون الشيوعيون ولاؤهم للاتحاد السوفيتي، ورموزهم لينين وماركس وغيرهم الذين هم غير عراقيين. العراقيون القوميون ولاؤهم لجمال عبدالناصر والذي هو ليس عراقي. البعثيون ولاؤهم لميشيل عفلق الذي هو ليس عراقي. الاسلاميون العراقيون الشيعة ولاؤهم للخميني وإيران، الذي هو ليس عراقي. والإسلاميون السنة ولاؤهم للسعودية وتركيا ومصر و أردوغان، الذين هم ليسوا عراقيين. والكُرد جناح مسعود بارزاني يتحالفون مع أية حكومة أجنبية تعمل على تدمير العراق مثل السعودية وقطر، وتركية أردوغان. والمثقفون العراقيون من غير تلك الانتماءات، رموزهم أوروبية، أو غير عراقية على العموم. العراقيون  في معظمهم يصفقون للخونة والمجرمين كصدام وأمثاله، ويحاربون الوطنيين كعبدالكريم قاسم وأمثاله. يصدقون الكاذب، ويكذبون الصادق، ويفلسفون كل شي.)

ويسأل الصديق: (هل نحن امام مشكلة نفسية معقدة، أم طبيعة اجتماعية غريبة؟ ام ماذا؟ انتظر جوابك في مقال .....)

وختم تعليقه بنكتة تعكس نوعا ما بعضاً من جوانب الشخصية العراقية!

((اليابان صنعت مرآة ووضعتها في المطار، يقف أمامها المسافر فتقول له اسمه، ومتى تقلع طائرته !!!

جبار مسافر عراقي وقف أمام المرآة فقالت له :أنت جبار وطائرتك تقلع الواحدة ظهراً !! تعجب جبار وأراد ان يتحدى المرآة، فراح وغيَّر ملابسه، ولبس باروكة ونظارات و وقف أمام المرآة : فقالت له أنت جبار وطائرتك تقلع الواحدة ظهراً !! فزاد التحدي عند جبار وراح غير لونه بوضع اصباغ على وجهه، فتغير شكله ووقف امام المرآة فقالت له :كبر(قبر) لفَّك جبار طيارتك طارت... وأنت باقي تتمكيج هنا)).

ويستنتج في الختام :

((نحن العراقيين بحاجة للتغيير الفكري والاجتماعي قبل السياسي والاقتصادي. لا بد للجيل العراقي الشاب بالتحديد الفخر والاعتزاز والاقتداء بالرموز العراقية في كل المجالات العلمية والرياضية والفنية والثقافية والسياسية,,, الخ، وأن يسعوا ويسمحوا ان يكونوا رموزاً وطنية. كل شعوب العالم صنعت لنفسها رموزاً وطنية في كل المجالات، وأصبحت هذه الرموز مصدر إيحاء وافتخار وتحفيز لأجيالهم وتماسكهم. الإعلام اليهودي خلق من أينشتاين مخ وعقلية العصر، وهو لم يساهم عمليا بأي شيء سوى وضع نظرية النسبية التي ليس لها اثر عملي في حياة الناس. أنا لا اقلل من مساهماته العلمية، ولكن أثرها في حياتنا محدود، ومع ذلك جعل اليهود منه رمزاً وقمة علمية وتاريخية دون الوصول اليها!

((هكذا تعمل الشعوب، ونحن العراقيين نذبح صقورنا، ونخون رموزنا الوطنية. لا بد لهذه السلبية العراقية ان تتحول الى شعور إيجابي تجاه الرموز العراقية. وظيفة الكتّاب الوطنيين والمثقفين المتنورين هو إبراز الايجابيات بالحقائق، وليس بالتملق والتهويل. انا متأكد انت عندك  الكثير من الخبرة والأمثلة لكتابة مقالات في هذا الموضوع المهم. احد أسباب العقلية السلبية للشخصية العراقية هو كثرة الاحتلالات التي تعرض لها العراق على مر العصور، والتي أدت الى ذوبان الشعور الوطني، وظهور طبقة العملاء والخونة والانتهازيين والمتملقين... الخ.)) أنتهى

*******

شكراً للصديق العالم الجليل، على حسه الوطني، وملاحظاته القيمة، أتفق معه في كل ما قال. فقبل عشر سنوات نشرت مقالاً مطولاً بأربع حلقات، ثم أعدتُ نشره بحلقتين، بعنوان: (الخراب البشري في العراق)(2 و3)، حول هذه الظاهرة الخطيرة. كما تطرق كثيرون من علماء الاجتماع إلى هذا المرض العراقي الوبيل، مثل أستاذنا الراحل علي الوردي الذي قال ما مؤداه (وأنقل من الذاكرة)، أن العراق كان مصدراً للأديان ومهبط الوحي للعديد من الأنبياء والأئمة والمصلحين، فظهرت فيه أغلب المذاهب الإسلامية مثل الشيعة، وأهل السنة الأشعرية، والحنبلية، و الحنفية، ومذاهب فكرية، كالمعتزلة، وأخوان الصفا، وغيرهما. ولكن بعد الدمار الذي أصاب العراق منذ غزو هولاكو عام 1258م، ومن ثم الاستعمار التركي العثماني لأربعة قرون، أصيب العراق بالعقم، والشلل الفكري في انتاج المفكرين والقادة السياسيين الكبار، فقام العراقيون في القرن العشرين باستيراد المذاهب والمدارس الفكرية من الخارج بدلاً من إنتاجها محلياً، وراحوا يعتنقونها، ويتعصبون لها، بل ويتقاتلون في سبيلها على حساب وطنهم، ويستعينون بالأجانب لقتال من يختلف عنهم من أبناء جلدتهم. وقد تجلّى ذلك خلال المائة سنة الماضية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وإلى الآن. وعلى سبيل المثال لا الحصر، اندلع  الصراع الدموي بين القوميين العروبيين، الناصريين والبعثيين من جهة، وبين الوطنيين واليساريين من جهة أخرى بعد ثورة 14 تموز 1958 مباشرة. العروبيون أرادوا إلغاء الجمهورية العراقية، فرفعوا شعار الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة (مصر)، بينما الشيوعيون رفعوا شعار (اتحاد فدرالي..صداقة سوفيتية). وراح الزعيم قاسم يتوسل بهم لوقف صراعاتهم، وحماية جمهوريتهم من المؤامرات التي تحاك ضد العراق، فوقعت توسلاته على أذنٍ صماء. (صم بكم عميٌ فهم لا يفقهون)، إلى أن حصلت الكارثة في 8 شباط 1963 الأسود.

ولعل الملك فيصل الأول هو أول من شخَّص هذا المرض العراقي العضال (عدم الولاء للعراق)، فالرجل رغم أنه هو الآخر كان مستورداً من الخارج (الحجاز)، إلا إنه أحب العراق، وأخلص له، وأراد أن يؤسس مملكة عصرية ديمقراطية متماسكة، فعمم مذكرة على النخبة الحاكمة المقربة منه عام 1932، جاء فيها:

(الموقف خطر في هذا الصدد وقلبي ملآن أسى، انه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية، خالية من أية فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة ، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتقاض على اية حكومة كانت..الخ)(3)

ووضع الملك برنامجاً لمعالجة هذه المشكلة، ولكن لسوء حظ الشعب العراقي أنه مات في ظروف غامضة في سويسرا بعد أشهر قليلة من كتابة تلك المذكرة. والذين حكموا العراق من بعده عملوا على تعميق هذه الانقسامات والولاءات للخارج. فما الذي تغيّر منذ كتابة تلك المذكرة قبل 85 عاماً وإلى الآن؟ لا شيء إن لم نقل نحو الأسوأ.. لماذا؟ الجواب واضح، وهو غياب الولاء للعراق، وتقزيم أبطالنا وتعظيم أقزامنا.

ومن نتائج هذه الولاءات لشخصيات ومذاهب أجنبية، أنه عندما ظهرت شخصيات عراقية بارزة في مختلف المجالات، تستحق أن تكون رموزاً وطنية يعتز بها، مثل جعفر أبو التمن، رائد الوطنية العراقية، وعبدالكريم قاسم مؤسس الجمهورية العراقية، واستشهد في سبيلها، وعلي الوردي، مؤسس علم الاجتماع في العراق، كرس حياته لدراسة المجتمع العراقي، ومعالجة أمراضه الاجتماعية، و محمد مهدي الجواهري، شاعر العرب الأكبر، ونزيهة الدليمي أول وزيرة في العالم العربي، وصبيحة الشيخ داود أول حقوقية، وأول قاضية في البلاد العربية، وعبدالجبار عبدالله عالم كبير، وأول رئيس لجامعة بغداد، وهو من أبناء الأقلية الصابئة المندائية، كدليل على عدم التفرقة بين أبناء الأمة في المناصب العليا، ونازك الملائكة صاحبة مدرسة في الشعر الحديث، والشيخ محمد رضا الشبيبي، من نوابغ الشعراء المتأخرىن، وزعيم وطني، ومصلح اجتماعي، ومحمد حديد أول عراقي تخرج من مدرسة لندن للاقتصاد (LSE) ورجل صناعي ناجح، وقائد سياسي، و وزير مالية في عهد حكومة عبدالكريم قاسم، وأنجح وزير مالية في تاريخ العراق، و الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، المعروف بمواقفه الوطنية إضافة إلى كونه زعيم ديني عراقي عربي معروف، والسيد محمد سعيد الحبوبي احد قادة ثورة العشرين، والشهيد السيد محمد باقر الصدر، المفكر الاسلامي المعروف، والدكتور الشيخ احمد الوائلي الباحث في التاريخ الاسلامي والخطيب الذي كان يحذر دائماً في خطاباته التنويرية من الطائفية وشرورها. وكذلك السياسي الدكتور أحمد عبدالهادي الجلبي الذي نجح بجهوده الشخصية بتكوين لوبي لنصرة العراق في واشنطن لإقناع أمريكا بتحرير الشعب العراقي من أبشع نظام دكتاتوري همجي في التاريخ. والعراق غني برموز في الطب كفرحان باقر، ومحمود الجليلي، وتحرير الكيلاني وآخرون، وفي الفن عندنا الرسام والنحات جواد سليم، والمعماري محمد مكية، والمعمارية العالمية الشهيرة زهى حديد التي طبقت شهرتها الآفاق. كذلك هناك رموز في الغناء مثل محمد القبنجي، وناظم الغزالي وفؤاد سالم، ورضا علي، وكاظم الساهر الذي أكسب الغناء العراقي شعبية واسعة في البلاد العربية. أما في الرياضة فعندنا علي كاظم، وفلاح حسن، وغيرهما، والقائمة تطول، ومعذرة لمن فاتتني أسماؤهم، فالعراق غني بأصحاب الكفاءات التي تستحق أن تكون رموزاً وطنية يفتخر بها الشعب العراقي، تعمل على تماسك وحدته الوطنية، وتعزيز الشعور بالانتماء الوطني للعراق. ولكن كل هؤلاء في طي النسيان لأنهم عراقيون، ولأن الولاءات الأيديولوجية ليست للعراق، ولعب التمييز الطائفي والعنصري دوراً رئيسياً في هذا الإهمال.

ولمن لم يسمع بجعفر أبو التمن من الجيل الجديد، فهو أحد مؤسسي الوطنية العراقية، وأحد قادة ثورة العشرين، ومؤسس الحزب الوطني العراقي في العهد الملكي، جمع حوله شخصيات وطنية بارزة مثل: كامل الجادرجي، ومحمد مهدي كبة، وعبدالحميد البستاني، وغيرهم كثيرون على أساس الولاء للعراق، وبناء دولة المواطنة بلا تمييز عرقي، ديني، مذهبي. فيشبِّه حنا بطاطو أبو التمن بجذع شجرة، وهذه الشخصيات فروعها، ومن بعده صار كل واحد منهم زعيماً وطنياً اتبع نهجاً سياسياً مختلفاً، فالسيد محمد مهدي كبة  صار زعيماً لحزب الاستقلال، وهو حزب قومي عروبي، وكامل الجادرجي أسس الحزب الوطني الديمقراطي، وهو ليبرالي، أما عبدالحميد البستاني فاتجه نحو اليسار (الشيوعي).

ويشبِّه الدكتور خالد التميمي في كتاب له (رسالة دكتوراه) عن الراحل أبو التمن، دوره في العراق بدور عبدالكريم الخطابي في المغرب، والأمير عبدالقادر الجزائري في الجزائر، وعمر المختار في ليبيا، وقد خلَّدت شعوب هذه البلدان في شمال أفريقيا رموزها، بينما أهمل العراقيون مؤسس الوطنية العراقية وبقية رموزهم.

أما الزعيم عبدالكريم قاسم، مؤسس الجمهورية العراقية، فمازال المسؤولون في الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003 وإلى الآن يجادلون جدلاً بيزنطياً سخيفاً فيما إذا كان عبدالكريم قاسم يعتبر شهيداً أم لا؟؟!!! فهؤلاء وغيرهم من الرموز الوطنية العراقية لم ينل أي منهم أي تقدير، لأسباب طائفية، وسياسية حاقدة، ما عدا الجواهري الذي أقام الكُرد له تمثالاً في أربيل وآخر في السليمانية، لأنه ناصر الحركة الكردية.

نعم، الشعوب الحية تعظّم رموزها، وتجعل منها مفاخر وطنية (National prides)، من أجل تقوية اللحمة الوطنية و تماسك أبناء الشعب، واعتزازهم بوطنهم، ويكونوا مصدر إلهام للأجيال القادمة في خدمة الشعب والوطن. ففي بريطانيا، اطلقوا اسم المغني جون لنون (John Lennon) من فريق البيتلز على مطار ليفربول الدولي، وكذلك أطلقت حكومة أيرلندة الشمالية اسم جورج بَست الأيرلندي، النجم الرياضي في لعبة كرة القدم على مطارها الدولي. فرنسا أطلقت اسم الجنرال شارل ديغول على مطارها الدولي في بارس، والجزائر أطلقت اسم زعيمه هواري بو مدين على مطارها الدولي في العاصمة، وهناك مئات الأمثلة الأخرى حول تقييم الرموز الوطنية.

ولو قارنا هذا بذاك، هل هناك شارع، أو مطار أو أي نصب تذكاري في العراق باسم أي من الرموز العراقية المذكورة أسماؤهم أعلاه؟ نعم هناك تمثال للزعيم قاسم في رأس القرية بشارع الرشيد المهجور الآن، أقمته له الجماهير المحبة له بعد سقوط حكم البعث الصدامي. ولكن هل هذا كل ما يستحقه الرجل الذي قدم الكثير لهذا الشعب وضحى بالكثير بما فيه حياته. ألا يستحق أن يطلق اسمه على مطار بغداد مثلاً، وهو مؤسس الجمهورية العراقية، والذي بنى مدينة الثورة وعشرات المدن والأحياء السكنية الأخرى، وميناء أم قصر العميق وغيرها كثير، ولم يطلق اسمه على أي منها. فجاء مقتدى الصدر وأطلق اسم عائلته على مدينة الثورة، فأسماها (مدينة الصدر) دون وجه حق. ماذا قدم مقتدى الصدر للعراق حتى يستحق هذا التكريم على حساب من قدموا حياتهم للعراق مثل عبدالكريم قاسم الذي لم يتركوا له حتى قبراً ليضم جثته الممزقة برصاص الغدر والخيانة؟

مقتدى الصدر دشن نشاطه السياسي بقتل السيد عبدالمجيد الخوئي، وصحبه في صحن الإمام علي في النجف في اليوم الثاني من سقوط الفاشية، وبمنتهى الوحشية. مقتدى الصدر ألحق أشد الأضرار بالعراق منذ سقوط صنم الطاغية ونظامه الجائر إلى الآن. ومعروف بتقلباته و تغيير ولاءاته، فتارة يردد الشعار الإيراني : (كلا كلا أمريكا)، ثم انقلب على إيران ليردد أتباعه (إيران برة برة، بغداد صارت حرة)، وهي نفس الأهزوجة التي كان يرددها البعثيون الدواعش في ساحات الاعتصامات والتي مهدت لتسليم مناطقهم لداعش. وبعد أن قام مقتدى بزيارة السعودية، شاهدنا أتباعه في فيديو يرددون (كل العجم فدوى للسعودية). أما لهذه المهزلة أن تنتهي؟

نعم، أتفق مع صديقي الأكاديمي الجليل، أن الأزمة العراقية ناتجة من أزمة ولاءات قياداته السياسية للخارج على حساب الولاء للوطن العراقي. وطالما لم تتم معالجة هذا المرض الوبيل، فإن العراق مازال مهدداً بالمزيد من الكوارث.

ــــــــــــــــــــــــ

روابط ذات صلة

1- د.عبدالخالق حسين: هل حقاً كان العهد الملكي ديمقراطياً، واعداً ومستقراً؟

http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=916

2- د.عبدالخالق حسين: الخراب البشري في العراق (القسم الأول)

http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=441

3- الخراب البشري في العراق (القسم الثاني)

http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=78

4- مذكرة الملك فيصل الاول

http://i3aq.yoo7.com/montada-f4/topic-t14.htm

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 08-08-2017     عدد القراء :  480       عدد التعليقات : 0