الائمة ينسفون الجسور في اوسلو !

نتطلع نحن العراقيين المتواجدين في دول المهجر الى التآلف والمحبة وبناء جسور السلام ما بين جميع مكوناتنا القومية والعرقية والدينية والمذهبية، ونحاول التعلم من البلدان التي هاجرنا اليها فلسفة الاخاء والمحبة بعد ان اكتوينا بنار وطننا وسياسته القمعية المستندة اما على قاعدة فكرية قومية او دينية. هذه القاعدة التي عادة ما تهمش الآخر بصورة "اوتوماتيكية" لان التنظير الى قومية محددة، او الاستناد الى شريعة احد الاديان لحكم الاوطان معناه تهميش المواطن الذي يختلف في القومية، والذي يدين بدين آخر، وبالتالي الحد من حريته وفي جميع تصرفاته، وجعلها تصب لصالح فئة، وتهميش الفئات الاخرى، واقصائها، وتبعدها عن مصادر صنع القرار الذي سيظل في ويستمر بيد الحاكم، الذي سوف يتسلط، ولا يحكم.

وعراقنا كان من احد الامثلة التي عانت منها القوميات المتواجدة والاصيلة فيه من هذه السياسات، فسياسة الاقصاء والتهميش بحق المكونات كانت واضحة في مراكز ادارة الدولة، فلا يزيدي، ولا مسيحي كان يتبوأ مراكز ادارية مهمة في الدولة، واقصى ما كان يصله هو منصب المدير فقط مهما بلغت امكانياته العلمية الادارية (ارجو عدم الاجتهاد في وضع طارق عزيز). وبحسب معرفتي، كان هنالك مدير عام واحد فقط في زمن البعث، ويشغل منصب مدير عام في اسالة الماء.

ومع السقوط، استبشر العراقيون خيراً، وبكافة اطيافهم، بعهد جديد، تكون الديمقراطية الحقيقة فيه فهم جديد، وفلسفة جديدة لإعادة بناء ما اتلفه السابقون، وبناء جسور قوية ما بين العراقيين جميعا وبدون استثناء، ولكن ... جاءت الرياح بما لا تشتهي السَفن، وبدلا من بناء الجسور نسفت جسور وجسور، وهوت اشلاء المسيحين والصابئة والمسيحيين من على هذه الجسور، لتصبغ دجلة والفرات بلون دمائهم، ومحاولة لغسل العراق منهم ومن وجودهم، ولتختفي آثارهم التي سوف تسبب الارق وتُشعِر المتسببين بتأنيب الضمير، برغم  يقيننا ان من قام ويقوم بعمليات الذبح ضد اهل الارض الاصلاء لا ضمير له.

وكانت الهجرة، وحط الالاف من العراقيين في بلاد "الكفار" الذين آووهم واسكنوهم وعلموا اولادهم، ومنحوهم وبعد عدة سنوات جنسياتهم، في حين الاف من ابناء العراق الاصلاء لم يمنحوا الجنسية العراقية بسبب انتمائهم الديني والعرقي، وهذا يعرفه العراقيون جيداً، وجاءت قسمة البعض المهاجر الى النروج... بلد السلام... بلد المحبة... بلد الديمقراطية... وتفاءل القادمون الى هذا البلد بالخير، ولكنهم  اصروا على الطريقة ذاتها التي سترجعهم الى بيئة ومجتمع هربوا منه، فصاروا يصنعون القيود لأنفسهم مرة اخرى، ومن خلال مراكز دينية تبث التطرف والكره واقصاء الغير وتهميشه، ومن خلال الخطاب الديني المتطرف الذي يأبى الائمة والشيوخ تركه، وتعلم الخطاب الديني المحب والمسالم، بالإضافة الى تعلم فلسفة السلام، وبناء جسور السلام.

ففي بادرة طيبة من لدن سفارة جمهورية العراق في النروج، ومن بعض السادة الافاضل، في اوسلو، للقيام بتوطيد اواصر المحبة والسلام بين ابناء شعبنا العراقي والجالية العراقية في النروج، وبناء جسور سلام بينهم من جهة وما بين البلد الذي اكرمنا، فقد اقيم عرس ثقافي لمدة ثلاثة ايام في قلب العاصمة اوسلو، ابتدأ بندوة حوارية ما بين ممثلي الاديان في العراق، الايزيدية، والصابئة، والمسيحية، والاسلام. وبعد ان ادلى ممثلو الصابئة والايزيدية والمسيحيين بدلوهم، وفي كيفية بناء جسور المحبة، جاءنا ممثل المسلمين وهو شيخ لينسف كل الجسور من خلال خطاب استفزازي، اقصائي، يهمش الاخرين، مما شكل صدمة للحاضرين ، محبي السلام وجسوره التي ارادوا ترميمها، وزيادة دعاماتها.

ان ما يهمنا مما طرحناه اعلا هو كيفية تغير الخطاب الديني، وكيفية جعل رجال الدين يعون ان الدين جاء لبناء السلام وليس لتحطيم جسوره ؟

قبل كل شيء وقبل ان نكون متدينين، ومن رجال دين، وكهنة، وفقهاء، علينا ان نفقه اننا ابناء آدم وحواء، واننا اخوة في الانسانية،  واننا ولدنا احرار قبل ان نقيد انفسنا بالدين، وان قيود الدين جاءت لتهذبنا، وليس لتقتلنا، وان التعاليم السماوية كتبها الانسان وإن جاءت من السماء، والانسان يخطأ حتى وان كان نبياً، وان الشطحات المكتوبة في هذه الكتب هي نتيجة الانسان هذا، وبما ان للإنسان عقل، فعليه فرز الصالح من الطالح عن طريق عقله وليس بالضرورة ان يكون مكتوباً، فالقتل مثلا جريمة، ليس بالضرورة ان تذكر بانها جريمة في الكتب السماوية كي نؤمن انها جريمة، وبالمقابل ليس كل ما مذكور فيها صالح وصحيح. لذا فعلى الخطاب الديني ان يكون عقلانياً في تعامله مع بني البشر، وصاحب الخطاب عليه ان يعلم انه ليس الوحيد على هذه البسيطة، وانه ليس الوحيد الذي يمتلك ناصية الدين، وان دينه ليس فقط الحنيف، وان عليه ان لا يكره الناس كي يكونا مؤمنين "ولو شاء ربك لآمن من في الارض جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (يونس).

ولكي نبني جسور السلام من خلال الدين، علينا ان ننبذ فقه الدم، ونُعلّم ونتعلم فقه السلام، ننبذ فقه الكراهية، ونتعلم فقه المحبة، ننبذ فقه الاقصاء والتهميش "ولا تجعلوا اليهود والنصارى اولياء لكم" ونتعلم فقه المساواة "الناس سواسية كأسنان المشط"، ننبذ فقه " شعب الله المختار، وخير امة" ونتعلم اننا كلنا اولاد الله، بأنبيائه، وتابعين الانبياء، ولا فرق بين عربي واعجمي الا بالتقوى وحب الانسان بكافة اطيافه...

  كتب بتأريخ :  الخميس 31-08-2017     عدد القراء :  1160       عدد التعليقات : 0