البلد ليس قطعة حلوى لتتقاسموه وانتم لستم اطفالا للتتنازعوا على هذه الحلوى
بقلم : ابتسام ابراهيم الاسدي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

"ليس مهماً أن نلقّح أبناءنا ضد الكوليرا حتى لا يموتوا وإنما نلقحهم ضد الوباء الفكري،صدقني إن الكوليرا ما فتكت بالمسلمين كما فتكت فيهم الطائفية  "الشيخ احمد الوائلي

الطائفية في الوطن العربي ليست حديث اليوم وليست وليدة شرارة اندلعت على حين غفلة بل هي اكبر من ذلك وأكثر واشمل ولها امتدادات في العالم العربي ...

يقول الأستاذ ماهر جبار الخليلي أستاذ التاريخ الحديث

الطائفية مفهوم مشتق من طاف، يطوف، طواف، فهو طائف فالبناء اللفظي يحمل معنى تحرك الجزء من الكل دون أن ينفصل عنه بل يتحرك في إطاره وربما لصالحه.والطائفية هو انتماء لطائفة معينة دينية أو اجتماعية ولكن ليست عرقية فمن الممكن أن يجتمع عدد من القوميات في طائفة واحدة بخلاف أوطانهم أو لغاتهم.إن الطائفية بهذا المعنى ليس فيها ما يضر فكل من يريد أن يعتز بطائفته أو قومه أو عرقيته فلا مشكل في ذلك ولكن المشكل أن تفضل شرار قومك على خيار غيرهم المشكل أن تتعصب لطائفتك بالقتل والتدمير للآخرين وإلغائهم وتهميشهم ومنعهم من ممارسة طقوسهم وعاداتهم .

في الواقع جذور الطائفية في لبنان تمتد إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر فقد حدثت صراعات أثنية وطائفية وسياسية بين مكونات المجتمع اللبناني الرئيسة ويعود السبب في هذه الأحداث هو السياسة العثمانية أولا وتدخلات القوى الأوربية ثانيا الأمر الذي حتم على الدولة العثمانية أن تشرع قانون خاص لإدارة لبنان بحكم خصوصية من اجل وضع حد للصراعات والتنافس السياسي بين مكوناته وطوائفه ومذاهبه ، فجاء اتفاق التاسع من حزيران 1861م بنظام متصرفية جبل لبنان ، وفيه تم تحديد القوى الطائفية والمذهبية الرئيسة وبذلك تبلورت شخصية لبنان السياسية والإدارية حسب السكن وحسب الانتماء انعكست أوضاع لبنان العامة على الحياة الفكرية التي تبلورت في اتجاهات مختلفة في النصف الأول من القرن العشرين ، وقد كان إعلان الجنرال غورو ولادة دولة لبنان الكبير عام 1920م الأثر الكبير في انقسام لبنان إلى فريقين متخاصمين ومختلفين فكريا وسياسيا واجتماعيا ودينيا ، الأمر الذي زاد من شقة الخلاف ، إلا إن هذه الاتجاهات المختلفة تقاربت مع الزمن وتوحدت في مواجهة سياسة الاحتلال الفرنسي وركزت نشاطها في المطالبة بالاستقلال وجلاء القوات الأجنبية ، وقد تحقق ذلك في تشكيل كتلة الميثاق الوطني الذي جمع كل التيارات الفكرية والسياسية العاملة على الساحة اللبنانية ، عندما اتفقوا على تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية والفئوية والعائلية .

تكلل نشاط المتفقين على الميثاق الوطني بنجاح كبير تمثل بانتزاع الاستقلال من الاحتلال الفرنسي رغما عنه في عام 1943م ، والأكثر من ذلك تحقق نجاح آخر تمثل في عودة لبنان إلى محيطه العربي عندما اتخذ قرار بجعل اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد بدلا من اللغة الفرنسية التي كانت سائدة طيلة عهد الانتداب الفرنسي ، فضلا عن تحقيق الجلاء الكامل للقوات الأجنبية على الأراضي اللبنانية عام 1946م .

إن دور وتأثير الميثاق الوطني كان كبير جدا وفيه دروس وعبر بان الشعب يستطيع إن يقول كلمته بوجه الطغاة والمحتلين عندما تجتمع كلمتهم برأي واحد وموقف واحد فيصبح قوة لا يستهان بها لم يستثمر الساسة اللبنانيون هذا النجاح والنصر الكبير بعد أن انغمسوا بمغريات السلطة والغرور الشخصي والاستئثار بالرأي والعودة الى السند الطائفي وطغيان العلاقات العائلية والعشائرية على التوجهات الوطنية ، فأخذت النزعة الطائفية والمذهبية تتصدر الواجهة السياسية لاسيما بين أعضاء الكتلة الدستورية الذين راهنوا على الدعم الطائفي والعائلي للاستمرار على رأس السلطة وتعزيز نفوذهم

ما هو رأي أبناء البلد وكيف عاشوا تلك الفترة..؟

تتذكر نينا شقير تفاصيل صغيرة عن الحرب الأهلية في لبنان أما الباقي فهو ما يرويه لها والديها وكيف تركوا بيتهم وأثاثهم ليسلموا بأرواحهم

تقول نينا نحن رجعنا 200 سنة إلى الوراء وأصبحنا نخاف حتى من ذكر أسمائنا ونكتفي بالاسم الأول ونترك اسم العائلة عن ماذا سأتكلم عن حرب المدن والعصابات أم عن القتال الذي أنتقل إلى الجبل وخوفنا المستمر من التنقل في الشوارع خشية تعرضنا لمسلحين من أتباع فرنجية أو الكتائب أو شلة من ميليشيات شمعون لقد بيع الوطن بالقطعة مقابل الدماء التي سالت وصرنا مشردين في الدول أكثر من 15 عشر مليون لبناني مهاجرين مابين البرازيل والأرجنتين وأمريكا وغيرها وهذا شيء بسيط مقابل ما خلفته تلك المآسي !!

مصر ام الدنيا بدأت تنال حصتها من الطائفية رغم أنها تكتب ولبنان تطبع والعراق يقرأ فقد حصد هذا الثلاثي زرعاً ليس لهم فيه ناقة و لا جمل

حدثنا الكاتب والتشكيلي سعد الدين عبد السلام البابلي -سكرتير نادي الأدب بقصر ثقافة عين حلوان بمصر قائلاً:

الوضع في مصر فهو كالبركان الخامد و قد ظهرت بوادر ثورانه بعد ثورة 25 يناير و ما خلفته بعض الأحداث الفردية بسبب الانفلات ألامني و ظهور أكثر من فصيل له مرجعية دينية مثل السلفيين و الجهاديين و أقدمهم الإخوان المسلمين و هم أكثر الفصائل علما بالسياسة و من ناحية أخرى و بطرق معلنة و غير معلنة تظهر جماعات أخرى ليس لها أيدلوجية محددة مثل مجلس الحكماء أولا و البلاك بلوك أخيرا و هو مزيج من قوى سياسية معارضة لحكم الإخوان و أساليبهم في المعارضة غير مقبولة لأنها قائمة على التخريب و ليس التظاهر السلمي كما حدث في الأيام الأخيرة وبعدها أدرك الجميع أن ( الحرية ثمنها غالى ) أما دورنا كمثقفين و أقول المثقفين الحقيقيين , أقصد الغير مأجورين من الأيادي الخارجية فنحن نريد السلام و الاستقرار للوطن مسلمين و مسيحيين و نقوم بمحاضرات خاصة في الأدب و العلوم السياسية و إقامة المعارض الفنية و العروض المسرحية للحفاظ على الهوية المصرية و أنا اردد دائما قول الله تعالى هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ أعني أننا مسلمين و لسنا سلفيين أو إخوان أو غير ذلك من المسميات.

الأطفال جيل المستقبل لهم نصيب من زوبعات القتل

تقول وفاء ألصفدي باحثة اجتماعية من الأردن..في الصراعات المسلحة يعتبر الأطفال من أكثر الفئات تعرضا للخطر

وآثار الحروب الأهلية ..فهم إما يتعرضون للقتل أو الإعاقة أو التشريد عن منازلهم أو الانفصال عن ذويهم حيث في النتيجة إعاقات وتشوهات وأمراض شتى وبالتالي استنزاف لثروة بشرية مستقبلية اغتيلت براءتها من الداخل لتصبح شخصية عدوانية لا تعبأ بالموت مصابة بخوف دائم وهزات عصبية لا تنقطع . ووفقا لدراسة قامت بها منظمة اليونيسيف عام 1990تبين إن الأطفال الذين يتعرضون في طفولتهم لمأساة إنسانية كالتعذيب أو العنف الجسدي الحاد أو الاغتصاب وغيرها من المآسي كالتهجير ألقسري أو المجازر ,تنشأ لديهم رغبة قوية في أن يصبحوا جنوداً فهذا يشعرهم بأنهم يكملون المسيرة التي بدأها أقرباؤهم الذين قتلوا بالإضافة إلى أن نمط الحياة العسكرية يخولهم أن يحلموا بالانتقام ويعطيهم انطباعا بأنهم يتحكمون بزمام الأمور

أما الأستاذ صفاء جاسم -العراق فقد قدم لنا حلاً منطقياً لتلافي نزوات الطائفية والملوحين بها في يوم عاصف

في مجتمعٍ عشائريّ كالمجتمعِ العراق يا سيدتي لا تغُـرّكِ المظاهرُ الكلاميةِ للعراقيين. إنّـنا نفرٌ متعب جدا لأنّـنا لا منـتمين أصلا.. ولكن لاشيء مستحيلٌ أمامَ الإنسانِ الصّادِق والجاد. سبَـقَ في الحقيقة أن طُـرَحَ عـلـيّ أنا شخـصـيّـا مثل هكذا سؤال، وكانَ جوابي، و لا يزال طبعا أن أرفعوا حقلَ الديانةِ من الوثائق الشخصية للعراقي ( الجنسية + شهادة الجنسية ). بهذه الآلية سوف تـتّـجه أنظارُ العراقي لعراقيّـته أكثـرَ من توجّـهِـها أو توجّـهِ الدولةِ كنظامٍ خدماتي، للأمورِ الشخصية للفرد. دعَـمتُ وقتها مقترحي هذا ولازلت أيضا طبعا بالتبرير التالي: الدولةُ هي كيانٌ جامدٌ لا حياةَ و لا فكرَ و لا حركة ولا نمو فيه ( أي هي ليست بإنسان )، بقدر ما هي نظامٌ قانونيٌ وخدماتيٌ جامدٌ يخدمُ الإنسان، أي كأيّ جهازٍ أو موظّـفٍ مسخّـرٍ لخدمةِ الناس ( طائرة، كـنّـاس، ثلاجة، فرّاش، عربة، معلّــم، تلفاز، مهندســة.. ). إذن لا يمكن أن يكون الجهازُ متديّـنا، أو اشتراط التّـديّــنِ عنـدَ التوظــيف. ولا معنى أيضا أن يُعرَفَ ديـنُ راكب السيارة أو مشاهد التلفاز. باختصار، فإن الدولةَ يجبُ أن تكونَ مدنيّـةً، ومواطن هذه الدولةِ مواطنٌ. هذا لا يعني أننا نمحو الدين،،، إطلاقا لا، ولكن تصوري أن عائلةً توفّـي ربّــها، فذهب أفرادُ هذه العائلةِ لمحكمةِ هذه الدولةِ المدنية ليستلموا الإرث. سيستلمونه بالتساوي تماما، لأنهم مواطنون، والدولة ( الجهاز الأصَـم الأبكم ) ستنظرُ إليهم كمواطنين فقط، لا متـديّـنـيـن. فإذا كانوا هؤلاء الورثةِ متديّـنونَ بدينٍ ما، سيرجعون لبيتهم ويُـقسـمون الإرثَ من جديدٍ حسب قوانين المعتَقد الذي يؤمنون به. وهذا ما يُسمى بالدولةِ المدنية. بهذه الطريقة ستكون الدولةُ محايدةً، والمواطنُ حراً محترماً مسالماً طيّباً محباً هادئاً، وبالتالي ستدور عجلاتُ التطور كلّـها وبكل قوةٍ وأمان. إن أعجبتك فكرتي أو مقترحي هذا، فإنّــكِ ستحتاجين لأناسٍ تتوفر فيهم الشروط التالية ( العلمانيّة أو الحيادية + الصّـدق ( الوعد دَيْـــن ) + الجرأة + اللباقة + قوةُ الشخصية + المظهر الخارجي الجيد والذي يتناسب مع الفكرة + السمعة الحسنة ). أما الشروط التي يجب أن تتوفّـرَ في فريقِــكِ ومشروعِـكِ الشريـفِ هذا، فهي ( نساءٌ ورجال + جهودٌ إعلاميةٌ وإعلانـيّـةٌ جبّـارة + أموال معلومةُ ومكشوفةُ المصدرِ 100% + نشاطاتٌ مماثلةٌ في المحافظاتِ كلّـها + نشاطاتٌ مسرحية + الإعلان عن النيةِ من الإعلاء من قيمة القرآن والإنجيل و ألزبور وتخليصها من براثن السياسة + تعدد مرجعيّات وأعراق أعضاء الفريق " مسلمين، صابئة، ملحدين، مسيح.." + استحضار تجاربِ ماليزيــا، تركيـا ). أختي الكريمة . عملُـكِم هذا يشبه تلقينَ نظريةَ آينشتاين لتلاميذ الابتدائية.. تذكّري التأكيد على أن الهدفَ من المسعى هو احترام الدين وتخليصه من كذب السياسة،

الحروب هي تسلية الزعماء الوحيدة والتي يسمح للشعب المشاركة فيها

يختتم الدكتور ماهر الخليلي تحقيقنا بقوله....

من أهم الأمور التي توضحت من خلال الدراسة إن منابع الطائفية في العالم العربي تعود إلى حقبة القرن التاسع عشر ، ومازالت آثارها إلى الوقت الحاضر لذلك فان الأمم التي تريد أن تتخذ من التعصب الديني أو المذهبي طريقا للحكم عليها أن تدرك بان ذلك يكلفها مئات السنيين من حضارتها وعمرها دون أن تحقق هدفها في بناء دولة حقيقية .وإني في هذا المجال أتطلع على أبناء شعبنا

العراقي أن يأخذوا من التجربة اللبنانية عِبَرْ ودروس لإبعاد مستقبلهُ السياسي والاجتماعي عن الطروحات الإثنية والطائفية والمذهبية لأنها تقود البلاد إلى منزلقات خطيرة قد تعصف بوحدة العراق أرضاً وشعباً ، وأتطلع إلى اليوم الذي ترتقي فيه المكونات السياسية والفكرية إلى تجسيد الوحدة الوطنية بين مكونات الشعب والحرص على مستقبل العراق في أية قوانين وتشريعات قادمة لكي تغلق الأبواب أمام محاولات القوى الإقليمية والدولية الرامية إلى تفتيت وطننا العراق على أسس عرقية وطائفية ومذهبية ، إن وعي أبناء شعبنا بكل أطيافه كفيل بتحقيق طموحات العراقيين في بناء وطن آمن ومستقر يأخذ بأسباب الرقي والتقدم الحضاري ويعيد مجده التليد من جديد .

تحقيق:ابتسام ابراهيم الاسدي \ العراق

  كتب بتأريخ :  الخميس 31-08-2017     عدد القراء :  2800       عدد التعليقات : 0