التداعي الاسلامي بين الحقيقة والواقع

تعتبر الديانة الاسلامية احدى اهم اربع ديانات موجودة على الصعيد العالمي، مع اليهودية والمسيحية والبوذية، وعلى الرغم من الانتشار الواسع لمعتنقي هذه الديانة التي تعد بنظرهم اخر الرسالات ونبيهم اخر الانبياء، الا انهم يعيشون منطقاً اشبه بالمنطق الطوبائي، فكل افكارهم تستند على التشريع القديم والمحصن من قبل بعض الائمة وبعض الفتاوي التي احيانا تندرج ضمن المعيقات الاجتماعية او التطرف الديني الساعي لخلق انموذج بعيد كل البعد عن التحصيلات والمدركات الوقتية التي تجتاح العالم، والامر الاكثر غرابة في هذه الامة انها تستند على القول اكثر من الفعل، فالفعل كان عندهم ما بدر من الاوائل، والانتاجية القيمة عندهم هي التي صدرت عن الاوائل، والقيم الاخلاقية التي افرزتها تجارب الاوائل هي الاساس والمصدر لكل فعل اتي، اذا فالسبقية تسيطر على مجمل الرؤى والمداخل والمسارات التي تنتهجها الامة الاسلامية بثوبها الحديث.

ومن المنطلقات الغريبة ضمن الاطر الانتاجية الضعيفة للاسلام في الوقت الحديث الاعتماد على تحريك العاطفة بدل العقول في السيطرة على مقاليد السلطة، وهذا ما اتضح في اكثر التجارب الحديثة سواء في تركيا او تونس او مصر وحتى في السودان وايران وغيرها من الدول والمناطق الاسلامية، فاغلب هذه الدول لم تستطع ان تبني لها قاعدة فعلية مساهمة ومنتجة، بل اعتمدت على تحريك عاطفة القاعدة، والعاطفة لاتستطيع الوقوف امام المد العسكري والاقتصادي والسياسي البرغماتي والميكافيلي، وهذا بالضبط ما يمكن استدراكه من حدث تاريخي اسلامي في العصر الاسلامي الاول، وذلك في مقولة الفرزدق للحسين حين سأل الاخير عن اهل الكوفة " العراق " الحالي حيث ان هولاء كانوا ارسلوا للحسين بان يأتيهم ليبايعوه، فرد الفرزدق " قلوبهم معك وسيوفهم مع بني امية.." كانت الرؤية واضحة، بان تتوقف ولاتذهب، فالسيوف هي التي تحكم وليست القلوب لان القلوب متقلبة في احوالها ضمن الرؤية الشرعية التي تؤمن انت بها، ولكن السيوف ثابتة تؤتي دائما ثمارها، والجميع يعلم النتيجة لعدم اكتراث الحسين لقول الفرزدق حيث انتهى به المطاف مذبوحاً بالسيوف التي كان اصحابها يمتلكون تلك القلوب التي تسانده، وبذلك جرت العادة في اغلب المصاغات الدينية الحداثية الاسلامية، تحريك العاطفة والاستناد على القديم الذي بنظرهم لايتغير لكونه يناسب جميع الازمنة وجميع الامكنة، فكل حدث علمي جديد مثلا نرى اصحاب الرأي الديني الاسلامي يبحثون في اتون نصوصهم ليقولوا في النهاية بان هذا الامر مذكور عندهم في النصوص الدينية التشريعية ولكن بصياغة اخرى، هذا الامر حول المسلمين الى متلقين متكئين لايبحثون الجديد الا بمنظور ضيق.. ينتظرون انتاج الاخرين ليعلقوا عليه بانه مذكور في مصدرهم التشريعي، وانه مأخوذ من تشريعهم.

الامر الاكثر غرابة هو انهم في اصقاع الخراب الارضي يعتمدون على نفس الشعاراتية التي تندد وتهدد دون حراك فعلي ضد اي تهديد يصيب بني دينيهم في ارجاء الخراب الارضي، وهذا التنديد والتهديد لم يكن عند الاوائل الذين واجهوا المخاطر بسيوفهم في البدء قبل ان تتحول مساعيهم الى قيام نظام ما يسمى الخلافة التي اشتغلت بعد قرونها الاولى بالحفاظ على الكراسي على الرغم من ادراكهم بالافة التي تتفشى في جسد امتهم، وبالتالي كان الاخ يقتل اخاه من اجل الكرسي وابن العم يتحالف مع العدو لازاحة ابن عمه، بل الاب يقتل ابنائه للبقاء على الكرسي، والامهات يتدخلن في تنصيب هذا على حساب ذاك، وبذلك تحولت المسارات في التهديد للخارج الى التهديد للداخل حيث تحولت السيوف الى قتل غير الموالين للسلطة، بدل الدفاع عن مكتسبات الامة، وهذا ما افرز  بالتالي سجون ومحاكمات تعد الاغرب في العالم البشري.

وضمن المسارات نفسها تحولت الدول الاسلامية الى مجرد ارقام لاتقدم ولاتؤخر في الحركة الدولية او لنقل في دائرة النظام العالمي الجديد، فليس هناك دولة اسلامية ضمن هيكلة مجلس الامن الدائمي العضوية، وليس هناك دولة اسلامية قادرة على فرض قراراتها على المجلس والامم المتحدة وليس هناك قوة اسلامية يمكنها ان تصدر اوامر لمثيلاتها للقيام بتحدي للتهديدات التي يواجهها المسلمون في العالم، ولعل ما يحدث الان في" ميانمار" بورما ضد مسلمي "الروهنجيا "وهم قومية عرقية تنتمي الى عائلة الشعوب الهندية وتقطن في ولاية أراكان غربي بورما أو ميانمار. فحسب التقديرات الرسمية لسنة 2012 يوجد 800,000 روهينجي في أراكان، وتعدهم الأمم المتحدة أكثر الأقليات اضطهادا في العالم، خير دليل على ما اقول، فعلى الرغم من وجود ما يقارب "59" دولة اسلامية (5) منها تعد من حيث المساحة والسكان من الدول الكبرى في العالم الا ان الامر كله لاقيمة له على ارض الواقع لانه ليس فيها انظمة يمكنها ان تتحرك دون الانصياع لمنطق المصالح الدولية والحفاظ على الكراسي، وهذا بالتالي يجعلنا ننظر اليها كدول لاقيمة لها على المستوى الدولي، على الرغم من كون بعضها لها قيمة دينية كبيرة عند المسلمين، وكما سبق وان نوهت فما يحدث في بورما كمثال يمكن قياسه على باقي الامور حيث الابادة الجماعية التي يتعرض لها مسلموا بورما لم يجد لحد الان الا اعلاميا تنديداً وترهيباً اسلامياً وفي الواقع لايوجد اي حراك تجاه عمل منظم ورد فعل قوي تجاه تلك الانتهاكات الانسانية ضد الابرياء في تلك الدولة، بل بالعكس ربما يصفق العالم الاسلامي لرئيسة وزرائها بعد تسلمها جائرة نوبل.

الامر كله متعلق بالمعطيات السبقية التي تنتهجها الامة الاسلامية في قضاياها الحالية، التي تعتمد على بعض الانفلاتات الفقهية غير المنتجة، بل المعيقة للحرية ولحرية التطور والاندماج الكلي في المنظومة الدولية لكي تستطيع ان تجد لنفسها مكانة يمكنها من ذلك المكان ان تتحرك وتصدر قرارات تنفع الامة الاسلامية، ولكن الغريب انها مستعدة للاجتماع الف مرة وتنظيم الف مؤتمر اسلامي في شتى اصقاع الخراب الارضي واصدار الف قرار وتصريح وتنديد وتهديد الا انها لاتستطيع ان تتحرك للقيام لاي فعل منتج يخدم الاسلام والمسلمين بصورة عامة، ناهيك عن قدراتهم الفذة في التخاصم مع بعضهم البعض، وفي اتهام بعضهم البعض، لاسيما الدول التي لاتنتمي الى نفس المذهب، كالشيعة والسنة، والمذاهب الاخرى، فضلاً عن تناقضهم المقيت تجاه القوميات غير العربية والمذاهب غير الاسلامية بالاخص في منطقة الشرق الاوسط كاليهود والكورد المسلمين وغير المسلمين " الزردشتيين" والدروز والاشوريين وغيرهم فقد لايجتمع المسلم السني والشيعي على شيء الا اذا ما حاولت احدى هذه القوميات ان  تطالب باستقلالها مثلاً او ان تجد لنفسها ادارة ذاتية، ناهيك عن تخاذلها بشأن القضايا الاسلامية العامة وبنظرة سريعة سنجد ان اغلب الدول الاسلامية تعيش في حالة فوضى سياسية لامثيل لها على الصعيد العالمي، وسيجد المتتبع لقضايا هذه الدول منفذاَ ومبرراً واحداً لدى قادتها وهي نظرية المؤامرة وان الصهيونية العالمية والدول الصليبية والى غير ذلك هي التي وراء هذا التدهور الحاصل في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمذهبية داخل الدول الاسلامية.

ومن جملة المتعارضات الحاصلة في البنية الواقعية للعالم الاسلامي انه في كل مؤتمر وكل حادث وكل تهديد وخطر يرفع من القيمة الشعاراتية الاعلامية لديه، بوتيرة تصاعدية تدهشك من حيث الانفاق المالي، في حين لو ان نصف تلك المبالغ ارسلت لاماكن الحدث ربما لحلت ثلاثة ارباع المشاكل فيها لاسيما مشاكل الفقر والتهجير والتخييم واللاجيئين والى غير ذلك من المسائل الانسانية المهمة التي يحتاجها الناس في المناطق المنكوبة بالذات، ولكن لان القدرة الانتاجية متوقفة لديهم ولانهم يعيشون فقط على الانتصارات المبهرة لديهم في زمن الاوائل، وكيف فتحوا العالم شرقاً وغرباً وكيف اوصلوا رسالتهم الى العالم في ظروف الصراع المحتدم على الصلبيين، فانهم لايخرجون من دائرة الماضي وتلك المصوغات الشعاراتية القديمة التي سميت عندهم بالفتوحات ووصفها العالم المقابل بالاحتلال والاضطهاد، وكما يقول عبدالرزاق الجبران حين ينقل مقولة المرأة العجوز السمرقندية التي سألت فقيه جيش المسلمين الذي فتح" احتل" بلادها، بعد سلب ونهب.. مالذي جاء بكم الينا..؟ رد الفقيه: الله ارسلنا اليكم .. العجوز: لم اكن اعلم من قبل ان لله لصوصاً ، وحتى" الفتوحات"بالمصوغات الحديثة لاترتقي الى المسؤوليات التي ترتبت علىيهاـ فعندما توصل رسالتك الى اقصى الشرق يجب ان تكون كتشريع توحيدي  اهلاً لتقديم اي شيء ممكن لتدراك التدهور الحاصل في الجسد الاسلامي، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً او مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، والعالم الاسلامي الان يتداعى لنفسه بالسهر على مقت بعضهم البعض والتربص ببعضهم البعض واتهام وتكفير من لاينتمي اليهم كقومية او كمذهب او كدين، ولايفعل ولاينتج غير الجماعات الارهابية التي تهدد الامن العالمي وذلك عبر فتاوي بعض المحسوبين على العلم والفقه الديني، الذين بفتاويهم بثوا الغواية والفتنة بين الاوساط الاسلامية، ناهيك عن دعم فتاويهم للجماعيات الارهابية التي تقدم اسوأ انموذج للدين الاسلامي بلا منازع.

ان الواقع الحالي للعالم الاسلامي برهان على ان التدهور قد اصيب البنيان المرصوص ولم يعد هناك ما يشد بعضه البعض الا اعلامياً او ضمن صياغات ومقررات المؤتمرات الاسلامية العالمية، وفي الواقع ليس هناك اصلا بنيان الذي تهاوى منذ قرون، ولم يتبقى منه الا الصورة الظاهرية التي تتمسك ببعض الخيوط الواهنة كبيت العنكبوت، حيث ان اية ريح مهما كانت عادية تمزقها وتفرقها وتقسمها وتجعلها تذبح بعضها البعض باسم الدين نفسه، فضلا عن ذبحها لمن لاينتمي اليها، وهذا ما انتج ردة فعل قوية من اللامنتمين اليه، فاصبحت الثورات تفكك ما تبقى من هذا العالم المتداعي المتدهور، ومهما قال ويقول المتعصبون والمتطرفين منهم بان الامة باقية طالما مصدر التشريع الاساسي باقي، فان الامر لايغدو الا شعاراً غير ممول واقعياً وغير مقنع تداولياً، فالقيمة ليست في التصريح انما القيمة في التفعيل الواقعي للرؤية والنص عبر العمل الوحودي وهذا ما لن يحدث ابداً في العالم الاسلامي، وعلى هذا الاساس لايمكن الاعتماد على العالم في حل القضايا الحساسة والمهمة التي تعصف بالعالم ضمن الداوئر الاخرى غير المنتمية، فاذا كانت لاتستطيع ان تساهم في حل قضاياه فكيف بقضايا الاخرين، وتلك هي الصفة الرسمية التي من المفترض ان يعتمدها المسلمون انفسهم ضمن جغرافيتهم المنوعة والمقسمة ناهيك عن القوميات الاخرى المتداخلة ضمن تلك الجغرافيات فالمسلمون غير قادرين على احداث اي تغيير واقعي بعيد عن التصريح والتنديد، لانهم باختصار حتى في رؤيتهم للعودة الى الواجهة يعتمدون فقط على المقولات والمصوغات الموجودة ضمن تشريعهم بانهم سيتسيدون العالم مرة اخرى، وقياساً بالقيمة الموجودة ضمن هيكلة الواقع العياني فان الامر بعيد جداً وغير محتمل في هذا الوقت ربما في هذا القرن.

  كتب بتأريخ :  الخميس 07-09-2017     عدد القراء :  1056       عدد التعليقات : 0