مرة اخرى الأكراد يخطئون التقدير!
بقلم : د. حميد عبدالله
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

خمس دول كردية انهارت في القرن العشرين وهي لما تزل في طور  التأسيس!كل تجربة فشلت  تحتاج ،من القادة الكرد،   وقفة تامل عميقة ،  والى فحص  دقيق  يكشف بوضوح  مقومات  تاسيس الدولة الكردية  ومقوضاتها ! لنستعرض  بعجالة     اهم التجارب الكردية في الاستقلال واسباب فشلها:

اولا : مملكة كردستان

اقامها الشيخ محمود الحفيد في مدينة السليمانية عام ، 1922وعاشت سنتين فقط قبل ان تزحف القوات العراقية مدعومة من بريطانيا لاجهاضها، وبرغم نجاح الحفيد في استعادة ( دولته) من قبضة  القوات الحكومية الا ان بريطانيا ادركت ، بعد اكتشاف النفط في كركوك، ان وجود دولة كردية غير منضبطة سيشكل تهديدا لمصالحها فاسقطت دولة الحفيد ونفته الى خارجج العراق عام 1926

ثانيا: كردستان الحمراء

تاسست  عام 1923 واستمرت حتى عام 1929 واتخذت من منطقة  ناغورنو كاراباخ وطنا لها وهي منطقة هامة تقع بين أرمينيا وأذربيجان.   لقد استهدف الدعم الأذري للأكراد خلق حلف للضغط على أرمينيا، في إطار الصراع بين الأرمن والأذريين  لكن  التحالفات الإقليمية والدولية نجحت في إنهاء تلك الدولة الوليدة،  و جاء عام 1935 ليشهد تهجير الأكراد من أذربيجان وأرمينيا وجورجيا والشيشان وأبخازيا وداغستان نحو أقاصي روسيا وسيبيريا.

ثالثا: جمهورية لاجين

تاسست عام  1992   برئاسة وكيل مصطفاييف، ولكن لم يكتب لها النجاح وانهارت بسرعة فلجأ مصطفاييف إلى إيطاليا.رابعا جمهورية مهاباداسستها المعارضة الكردية  بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مستغلة ضعف الحكومة الايرانية ودعم الاتحاد السوفيتي للاكراد انهارت مهاباد سريعا بفعل تحالفات  الشاه مع بريطانيا والولايات المتحدة وتخلي ستالين عن الاكراد  مقابل صفقة نفط مع الشاه  فغرقت  مهاباد  في بحر المصالح الدولية المتشابكة من غير ان تجد دولة واحدة تقدم لها طوافة النجاة

خامسا جمهورية آرارات

انها اقرب الى الثورة منها الى الدولة  حيث اعلن احسان نوري باشا  ثورة في مناطق جبال آرارات التركية عام 1930  باسم “ثورة آغري ثم اسس حزباً سياسياً كردياً باسم “خويبون”  ليقود  ثورة عارمة في وجه الدولة التركية،  ليؤسس لاحقا دولة كردية في مناطق جبال آرارات  نجح احسان باشا في الحاق خسائر كبيرة في الجيش التركي في بداية الثورة الا ان الاتراك اعلنوا النفير العام وجهزوا الجيوش الجرارة وحاصروا الدولة الكردية ماضطر احسان باشا الى الهرب الى ايران كما فعل مصطفى البارزاني بعد  45 عاما .

تلك التجارب المرة والمريرة كانت دروسا تفرض على القيادات الكردية ان تستفيد منها قبل ان تقدم على اية تجربة تحمل من  مقوضات الزوال اكثر من مقومات الديمومة والبقاء.

غير ان القادة الكرد ظلوا يغمضون اعينهم عن تجارب الفشل ويتطلعون الى (حلم الدولة)   بصرف النظر عن فرص نجاحها واستمرارها.

معظم القيادات الكردية العراقية اقرت بان مشروع الحكم الذاتي الذي ولد بعد مفاوضات عسيرة بين صدام حسين ومصطفى البارزاني عام 1970 كان يجسد الحلم   بالنسبة للاكراد العراقيين، لكن تمسك البارزاني وفريقه السياسي بجزئيات صغيرة بدد هذا الحلم وحوله الى كابوس.

منطق الاشياء ، وهرم الاولويات يفرض على السياسي الحصيف ان يتمسك  بحلم منقوص او مثلوم  اذا كان الخيار الآخر يمثل عودة الى نقطة الصفر ، كان على اكراد العراق ان يستلهموا شيئا من حصافة الرئيس التونسي الحبيب بوركيبه فياخذون المتاح ليطالبوا بما هو ابعد منه..  الم يكن قانون  (خذ وطالب) هو الاصح في لحظات معينة من التاريخ الانساني؟!

دخل اكراد العراق في مشاجرات ومعارك غير محسوبة مع جميع الحكومات العراقية وفي جميع العهود ، حتى نظام الرئيس عبد الرحمن عارف الاكثر هدوءا وتفهما في التعامل مع التحديات الداخلية بعيدا عن لغة العنف والتطرف لم ينجح بان يجنب نفسه المواجهة العسكرية مع الكرد !

راهن  الاكراد العراقيون في موجهاتهم السياسية والعسكرية مع بغداد على حلفاء احترفوا مهنة البيع والشراء بقضايا الشعوب وكان شاه ايران نموذجا لذلك!

روى لي   قيادي كردي  انه كان في طهران  ضمن وفد كردي رفيع برئاسة الملا مصطفى البارزاني في آذار 1975  كانت المعارك مستعرة بين الجيش العراقي والقوات الكردية بعد فشل تطبيق قانون الحكم الذاتي المقرر تنفيذه في آذار 1974, الوفد الكردي طلب مقابلة الشاه الذي كان يقدم للاكراد الدعم بكل اشكاله ومستوياته نكاية بنظام البعث الذي يأوي الامام الخميني غريم الشاه وخصمة التقليدي اللدود. مكتب الشاه اخبر اعضاء الوفد الكردي ان جلالة الشاه اجل  الاجتماع بهم  لحين عودته من زيارة قصيرة الى الجزائر, وها هو الامبراطور الايراني يعود من الجزائر ظافرا بمعاهدة تنازل فيها العراق عن نصف شط العرب لإيران ليستقبل الوفد الكردي في طهران ولكن بوجه آخر ولغة اخرى مختلفة تماما عن اللغة  الناعمة المشحونة بالعهود والوعود كان الشاه ينظر من زاوية عينه الى مصطفى البارزاني ورفاقه ليقول لهم بتجاهل: نحن وقعنا اتفاقية مع صدام وهذه الاتفاقية تضعكم  امام  ثلاثة خيارات

• ان تلقوا السلاح وتسلموا انفسكم لحكومة بغداد ونحن نضمن لكم مصيرا آمنا

• ان تستمروا بالقتال من غير دعم ايران وبعيدا عن اراضيها وحدودها

• ان تنتقلوا الى  الى الاراضي الايرانية  لاجئين من غير سلاح

بهذه الخيارات تبددت احلام الكرد بحكم ذاتي منصف  ، وانتهت آمالهم بارغام بغداد على تحقيق اي مطلب مهما كانت مشروعيته!

فشلت الثورة الكردية بطريقة دراماتيكية غير مسبوقة ورغم ذلك لم يستفد القادة الكرد من تلك التجربة المرة اليوم ، وبعد كل تلك المحطات الموجعة والمؤلمة والمخيبة يعود القادة الكرد لينسجوا حلما  لافرصة لتحقيقه حتى   على الورق!

نعم ثمة تحديات كبيرة تواجه الفريق الكردي الحاكم في اربيل والسليمانية ودهوك ،  هناك احتقان شعبي في كردستان لا احد يعرف متى ينتهي الى انفجار مدو  لكن نافذة  الهروب من  الازمات   لاتنحصر بالضرورة باللجوء الى تحشيد الشارع الكردي حول حلم قومي وجداني,    المواطن الكردي الجائع العاطل عن العمل المهمش سيندفع وراء حلم الدولة الكردية  بكل قواه ظنا انه سيكون الحلم الوردي الامثل لكن اذا نسف الواقع الشائك هذا الحلم ، وسينسفه،  فان ردة الفعل ستكون ادهى وامر واكثر هولا!

الجبال  اتعظت من تجارب الماضي  فهل سيتعظ ساكنوها؟!.

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 19-09-2017     عدد القراء :  920       عدد التعليقات : 0