مسجون يا ولدى بازدراء الدين أو التاريخ

مكتوب علينا السجن يا ولدى، مدخول باليمين على فتوى المشايخ، أو بالشمال على ضلال الشياطين، كادحون إليه كدحاً، زاحفون إليه زحفاً، ولسنا من الناجين منهما بالدعاء أو بالرجاء، فباب السماء دون الازدراء مفتوح، وسبيل النواب لنا مسدود وموصود. أمامنا سكتان لا ثالث لهما؛ إما سكة الملامة أو سكة الندامة، وعلى الميمنة تهمة ازدراء الأديان، وعلى الميسرة تهمة ازدراء الرموز والشخصيات التاريخية، حرب ليست متكافئة، قلم فى مواجهة سيفين وازدراءين وسجنين، قسمة ضيزى، وميزان جائر ومطفف.. لن تفلتوا جميعاً من الحبس هذه المرة عدة سنوات قبل الموت هماً وكمداً، وألوف الجنيهات مدفوعة من لحم الميت والحى. المتربصون يقفون على الأبواب، يوماً ما ستخرج من بيتك تنسى دعاء الخروج أو الركوب، فيحبسك رجال الدين ثلاث سنوات، ويوماً ستتهكم أو تسخر أو تنتقد رمزاً أو تمثالاً أو كتاباً أو مومياء أو فرعوناً أو زقاقاً سيلقاك على بابه من يحبسك من ثلاث إلى خمس سنوات. أما البخارى وأبوهريرة والصحابة والخلفاء والأمراء والفقهاء والعلماء، فسيكون الاتهام اتهامين، والعقوبة عقوبتين، فلهما فى العقوبتين والاتهامين نصيبان وافران؛ صفحة ازدراء أديان، ولو قلبتها على ظهرها نورت لك ازدراء رموز.

ماذا سنقول عن تاريخنا المزيف، الذى كتبه المؤرخون بمداد حكامه وخلفائه وأمرائه؟ وكيف نقبل أن يكون الغزو والقنص والسلب والسبى سبيلاً إلى الله، وقد نهانا عن إتيانها، وعاقب مرتكبيها فى الدنيا وفى الآخرة؟ كيف نقبل ما جاءنا به الأولون دون بحث وتدقيق، نحكّم ضمائرنا فيه، نرفض ما يتعارض معها، ونقبل ما يتوافق معها، وهى فطرة الله التى فطرنا عليها، وجعلها أساس الحكم على الخير والشر والعدل والظلم؟ كيف نرضى ونوافق على الكذبة الكبرى، والفتنة الصغرى، والفتنة الكبرى، والغزوة الصغرى، والغزوة الكبرى، ونصدّق من كذب كمن صدق، ومن ظلم كمن عدل؟ فإذا كنا قد لمسنا وقرأنا ورأينا رأى العين واليقين أن تاريخنا الحديث قد زوّره القصاصون والحكاءون والمزيفون فى عشرات السنين عشرات المرات؛ من كان ملهماً أصبح جاهلاً، ومن كان منتصراً أصبح مهزوماً، ومن كان عادلاً أصبح ظالماً، ونصدّق أن تاريخ الخلفاء والأمراء والحكام لم يكن له النصيب الأوفى من التزوير والتضليل والتزييف، وهو يحمل من أدوات القهر والتعتيم والتضليل ما سهل ويسر لصاحب الأمر أن جعل تاريخه الدامى عدلاً ورحمة، ونهب أموال الغير هو الصواب والحق، ورفعه المزيفون من المؤرخين ورجال الدين، ما جعله أرقى فى تزويره وتضليله آلاف المرات من تاريخنا الحديث، فإذا كان كل هذا يتم تحت أعيننا دون مواربة أو خجل، فكيف من كان فى الغرف المغلقة، والمحبوسة فى ظلام الجهل، وتحت سطوة مزوّرى التاريخ من الطرفين، رجال الحكم ورجال الدين؟ ومطلوب أن ندعه كما تركه الأقدمون دون بحث أو شك أو تثبيت «مخافة أن نقلبه رأساً على عقب، أو نمحوه بالكلية، وإن لم يمح أكثره محونا منه الشىء الكثير».

إن هذا القانون يسمح بثبيت أركان الكذب والتضليل والتزوير دون تعديل أو هدم، إذا كان هدمه أو تعديله هو الحق والعدل وعين الصواب، وإلا انصرف الناس عنه بالكلية، وتبرأوا منه، وبحثوا عن تاريخ غير تاريخهم، واستدانوا فخراً وعزة، عن فخر مزيف وعزة ساقطة. وما كان الانتماء للوطن والأرض إلا إيماناً بتاريخ صادق أمين شريف.. ففقدنا به الانتماء، وهى الكارثة الأولى.. وما أحب الإنسان أرضاً أو شجراً أو بيتاً أو مالاً أو خليلاً، إلا بصدق الأرض حين تؤويه من خوف، وما يعطيه الشجر من ثمر يانع طيب المذاق والطعم، وما يستظل به من سقف بيت يظله ويستره، وما يستمتع به من حلال ماله، وما يراه من وفاء الأخلاء، فإذا فقد وعدم الإنسان كل هذا الحب والمأوى، وطعم الطعام، وخلة الأخلاء، استغنى عن كل هؤلاء، وتركهم باحثاً عن أرض غير الأرض، وشجر غير الشجر، وبيت غير البيت، وخليل غير الخليل، وأعرض ونأى عن كل هؤلاء.. فعرفنا الإعراض والعزل، وهى الكارثة الثانية.. وما كان قدوة للناس سوى القوى الأمين، والمخلص الصادق النزيه، الذى يحفظ حقوق الناس فى وجه الظالم، يصبح هو المراوغ المحتال، فانصرف الناس عن الأول طواعية، فلم يشبعهم إخلاصه، ولا كسبوا ولا ربحوا من نزاهته، أما أخونا الثانى فقد جمعوا من فتاته، ومن السير فى ركابه الخير الوفير، وكانت الكارثة الثالثة.. انصراف الناس عن القدوة الصالحة إلى القدوة الفاسدة، ومن الصادق الأمين إلى الكذوب الأفاك، ومن الواثق إلى المخادع، ففسد حال الراعى والرعية، وهانت الأرض على حاميها، والعرض على صاحبه، والماء على ساقيه، أما عن نسل هؤلاء فالشجرة الخبيثة فرعها مائل منحرف، والشجرة الطيبة فرعها مستقيم إلى السماء.

أوقفوا هذا المشروع بقانون للأسباب الثلاثة والكوارث الثلاث، بناء خرب ومهجور، لا يؤوى سوى الأفاعى واللصوص وخربى الذمم والنفوس، وما خفى عنهم فهو أعظم وأقل شأناً.

adelnoman52@yahoo.com

"الوطن" القاهرية

  كتب بتأريخ :  الإثنين 20-11-2017     عدد القراء :  552       عدد التعليقات : 0