قراءة في رواية ( تسارع الخطى ) أحمد خلف

الرواية برعت في ترجمة ثيمات الواقع العراقي المأزوم والمرير , ما بعد عام 2003 . حيث هبت عواصف العبث والارهاب , لتحول حياة المواطنين الى كوابيس مرعبة  تطارد المواطن , اينما كان ووجد , ليغرق في دوامات القلق والخوف من وجوده الحياتي , فقد اصبح طعماً سهل المذاق , لعصابات الجريمة والارهاب , اذا لم تنال منه عصابات الجريمة بالاختطاف في سيطراتها الوهمية المنتشرة , التي تتصيد المواطنين عشوائياً , اما لدفع الفدية المالية , او الموت ,  من عصابات الارهاب التي تتجول بحرية , في المقاهي والاسواق الشعبية , والاماكن المزدحمة , لتحصد اكبر عدد من الابرياء , في تفجيراتها اليومية الدموية  , هكذا اصبحت حياة  العراقي بين فكي اللصوص والقتلة , في ظل الغياب الكامل للدولة ومؤسساتها الامنية , , مما جعل المواطن يتساءل بريبة وشك واتهام موجه   , عن سر  هذا الغياب الدولة ( - حسناً واين الحكومة من هذه السيطرات الارهابية الوهمية ؟ أتراها تغط في سبات عميق ؟ ومتى تستفيق من غفلتها ؟ أم تراها متواطئة مع هذه المافيات اللعينة ) ص103 .  يبقى عبثية الارهاب تلاحق الجميع , هذا المناخ السريالي العبثي , الذي خيم على الوطن والمواطن , يجد المواطن محشوراً في ماكنة الجحيم , مسحوق ومهمش ومنسي  تماماً من الدولة , لكي ينهشه مواجع الالم والمعاناة . هذه الخطوط العامة للمتن الروائي , في مسار احداث السرد الروائي , وهي تطرح جملة من  الاسئلة الملتهبة , في لوعة ضياع مكامن  الاجوبة , اي ان مسار الوضع العام يسير من سيء الى الاسوأ , انه باختصار شديد , زمن الانحطاط , طالما الواقع يتعامل بفرضية يسير عليها الواقع العبثي , في العلاقة القوي على حساب الضعيف ( مادام يوجد على الارض قوي وضعيف , والقوي يتحكم بمقدرات الضعيف , اذن نحن جميعاً ضعفاء , اذ لابد من وجود قوي اكثر قوة وهيمنة , من القوي السابق له ) ص146 , وكذلك تبرز الرواية بوضوح واهمية بارزة , العلاقة المأزومة , بين المثقف والسلطة , وتمارس هذه الاخيرة مبدأ الترهيب والترغيب , في صهر المثقف ليكون ببغاء للقوة الحاكمة والغاشمة , في الضغط والاجبار ليكون من جملة شرائح المجتمع  المضطهدة , بعامل الانسحاق والتهميش والانسلاخ والاستلاب , حتى يكون ضمن ماكنة التزييف والتحريف , التي تمارسها السلطة الغاشمة , لذا فأن محرقة الجريمة والارهاب , واقعة على رؤوس الجميع . هذه الافاق المتسعة المرسومة في تحولاتها وتنقلاتها في النص الروائي , وهي تشير بوضوح في ضياع الوطن والمواطن , في تراجيدية مأساوية , من العبث السريالي المتوحش , وقد برعت  ذهنية المتخيل عند  الروائي , في افرازها في رواية ( تسارع الخطى ) للروائي القدير ( احمد خلف ) وقد وظف تقنيات متعددة  , في الاداء الفني , والاداء التعبيري , في اشكال متنوعة من لغة السرد وحبكته الفنية , التي برع في مزج الاداء الروائي بالاداء المسرحي , في ( الدراما . المنولوج . الحوار , العقدة والمعضلة ) , وكلك استخدام ناصية الاسترجاع ( فلاش  باك ) وعملية القطع الحدث , , ليضع القارئ في دوامة الاهتمام والمتابعة حثيثات الخيوط المتسارعة في خطها في مسار السرد , الذي انتهج التنوع في ضمائر السرد , ليسلط الضوء الكاشف على الواقع التغريبي , في بشاعة العبثية السريالية  .

×× احداث الرواية :

الرواية تدور وتلاحق واقع الحال للشخصية المحورية في الرواية ( عبدالله ) يمارس مهنة التمثيل وكتابة للمسرح , ولا يعرف مهنة اخرى , يحلم ان يؤدي دور ( هاملت ) يتعرض الى حادثة اختطاف من عصابات الجريمة والاختطاف  , التي تعمل وتنشط بكل حرية , وهدفها الفدية المالية واذا لم يدفع ذوي اهل المختطوف , يكون نصيبه الموت , تعرض في احدى الصباحات المشؤومة , وهو في طريقه الى كلية التربية في ( باب المعظم ) لمقابلة ( رياض ) الشاب الجامعي المتهور ابن احد تجار سوق الشورجة , بأنه خداع ابنة شقيقته  ( هند ) الفتاة ذوالسن العشرين عاماً ,  الطالبة الجامعية , التي انجرفت الى علاقة الحب المخادعة , التي استدرجها الى احد البيوت بحجة  التعارف على معارفه , وهناك مارس عملية الاغتصاب , وتلطيخ ( هند ) في فضيحة فقدان عذريتها , وحاولت اقناعه بأن ينقذها من هذه الورطة , قبل انتشار الفضيحة على الملا , لكنه رفض وظل يلعب على المراوغة والتملص وعدم المبالاة  , ووجدت خير وسيط في محنتها , ان يحاول ان ينقذها من ورطتها ,  هو خالها  ( عبدالله ) لعله يفلح في اقناع حبيبها الغادر , , في الموافقة على الزواج , ليستر العار الذي وقت في فخه , قبل ان تصبح مشكلة كبيرة  بين عائلتين , لكن الحظ السيء لم يسعف ( عبدالله ) في  المقابلة , فقد اصبح ضحية الاختطاف ساعة اقترابه من  الموعد المقرر , ونقله الى مكان بعيد نائي , وعرف بأن الخاطفين يطالبون منه بفدية مالية , لانهم وصلت اخبار اليهم , تشير , ان ( عبدالله ) تاجر من تجار الشورجة , وانه وسيط بين التجار المحليين ,  والتجار خارج العراق , مقابل اخذ عمولة مالية من الطرفين . ويحاول ( عبدالله ) ان يفند بطلان  هذه الافتراءات الكاذبة , بأنه ممثل وكاتب مسرحي فقير , ليس له علاقة بالتجارة ولا يملك المال , لكن هذه صراحته تجابه بالتعنت والرفض بحجة بأنه يضحك ويمارس الخداع عليهم , وقد هددوه بالقتل اذا لم يدفع الفدية المالية , تيقن ( عبدالله ) انه في طريق القتل والموت لا محالة , بعدما فشلت كل محاولات الاقناع , وهم يزدادون بشعة ووحشية في معاملتهم القاسية , وراح تنهشه الهواجس السوداوية , بأن شبح الموت يلوح له عن قرب  . وراح يفكر في وضع ابنة اخته ( هند ) كيف تعالج ورطتها طالما يرفض ( رياض ) ويتملص منها بعدما غرر بها  , , انها واقعة في محنة مأساوية , بعدما فقدت ابيها في احدى المقاهي , التي اصبحت نصيب من  تفجيرات العشوائية ,  وتحولت جثته الى اشلاء متناثرة  مع بقية زبائن الموجدين في  المقهى في تلك الساعة المشؤومة  , وفقدت العائلة معيلها , وحلت امها محل الاب الضحية   , في اعالة العائلة وتربية اطفالها , وكذلك راح يفكر بأنه كان يروم   كتابة مسرحية ( الصرة ) بأنها تستند الى حادثة واقعية ,  حدثت في السوق الشعبي في مدينة ( البياع ) حين جاء احد الشباب الى البائعة في السوق الشعبي  ( أم عباس ) التي فقدت ابنها الوحيد في عمليات الخطف من احدى السيطرات الوهمية , التي انتشرت في الشوارع والطرقات  من عصابات الجريمة , فجاء هذا الشاب مدعياً بأنه صديق ابنها المفقود ( عباس ) ليرجوها ان تحفظ ( الصرة ) حتى ينجز معاملة البناء العقاري ويرجع لاخذ ( الثرة ) , فوضت ( الصرة ) الثقيلة تحت السلال الفواكه والخضروات ) . ولكن هذا الشاب تأخر كثيراً عن المجيء , وفكرت بحمل ( الصرة ) الى بيتها , لكنها وجدتها ثقيلة , ودست يدها لمعرفة محتويات ( الصرة ) , وفجأة هز انفجار مدوي هز المكان , وحصد المتسوقين بما فيهم ( ام عباس ) اذ تحولوا الى اشلاء متناثرة ومتفحمة . وهو في دوامة القلق والرعب , اقترب اليه شبح انسان وفك وثاقه وازال العصابة عن عينيه , انها الشابة فاطمة من اهل بيت الخاطفين . ربما رق قلبها لحالته المسكينة, وربما من المعاملة الوحشية في اجباره على دفع الفدية المالية , وهو لايملكها ولا يصدقون في محاولة اقناعهم بحقيقة وضعه المالي  ,  بأنه ممثل وكاتب مسرحي فقير لا يملك المال , حثته في الاسراع في الهرب والنجاة  , قبل ان يعثروا عليه وهي تحذره من العاقبة  , لكي يسرع , وقالت له ( الويل لك لو قبضوا عليك , حتى مبلغ الفدية النقدي لن ينفعك , هيا اهرب يا مسكين) وصرحت بأسمها  . وفعل في الاسراع في النجاة , رغم انه شاهدهم من بعيد يبحثون عنه , فاسرع بالهرب بما يملك من جهد وقوة , حتى وصل الى بناية المسرح الوطني , وفرحوا زملائه بهذه المفاجأة السارة , بسلامته من المختطفين , وذهبوا الى احدى الحانات في الاحتفال بسلامته من الموت من عصابات القتلة , . وتبدأ من الحانة فصول العبث السريالي في مسرحيات العبث , في الدراما المسرحية , بأن الحانة محاصرة من عصابة الاختطاف , وكذلك من رجال الشرطة , للقبض عليه , في شكاوي التلاعب والاغتصاب , يعني الطرفين ( الخاطفون والشرطة ) مطلوب رأسه , حياً او ميتاً , وعليه ان يختار اي الموت اهون له . وفي هذه الاثناء يدخل الرجل الكبير , انيق المظهر وحسن الهندام , يساومه بين الحياة والموت , وانه مستعد ايصاله الى بيته سالماً معافى مع منحة مالية  سخية  تدفع له  , اذا وافق على شروطه , وان يكون صاحب مال وجاه ومن المقربين  الى الرجل الكبير , وهي ان يوافق على مشروع كتابة , بشكل رواية او مسرحية  , عن السيرة التاريخية الحياتية  للرجل الكبير , لان تاريخ عائلته مخزي وغير مشرف , او نكرة ومضحك وهزلي لايشرف مقامه العالي الحالي  , وعليه ان يكتب السيرة , بصفحات من المجد والعظمة المشرقة له ولعائلته , بأن يجعل حياتها مكتوبة بصفحات من النور والاعمال المشرفة والصالحة , بالخير والتمجيد في تاريخها المجيد  . يعني محاولة تزوير التاريخ , وهي اشارة رمزية بليغة لكثير من الرجال , هم في  السلطة والنفوذ والمال , وهم نكرة مجهولين  من  عامة الناس , هذه الحثالات فطاحل الفساد , تحاول تزوير وتحريف التاريخ , بجعل نكرتهم , قمم عالية من المجد المشرق   , الى معالم من المآثر البطولية في الجهاد ومآثر التاريخ العائلي , المطرز بالمجد واعمال الخير , ومن الطبقات الغنية الثرية المعروفة في ألقابها اللامعة بالشهرة والتعظيم , في تاريخه المشرف . يجد ( عبدالله ) امام مساومة مصيرية , مثلما صرخ ( هاملت ) في حنجرته المدوية ( ان نكون او لا نكون )

×× رواية ( تسارع الخطى ) للروائي القدير أحمد خلف

×× الناشر : دار المدى

×× الطبعة الاولى : عام 2014

جمعة عبدالله

  كتب بتأريخ :  الخميس 07-12-2017     عدد القراء :  904       عدد التعليقات : 0