اللغة والوعي القومي

ونحن نتحدث عن اللغة حيث يعتبرها البعض مقوم اساس من مقومات القومية، ويعتبرها آخرون هي هوية الشعوب، بينما لا يعيرها أهمية الآخرون، يتنصلون لها، يحاولون إلغاءها والتشبث بكلمات من لغات تعرفوا عليها قبل فترة قصيرة لمعايشتهم أهل بلادها.

لن نتكلم بالألغاز بل سأحكي لكم قصة موت لغتي الجميلة (الكلدانية) على ايدي ابنائها وبرغبتهم، ليرطنوا يكلمات لا يعرفون لفظها بالشكل الصحيح، ولا ينطقون كلماتها كما يجب، والغريب إنهم لا يتكلمون هذه اللغة مع أهل تلك البلاد بل مع أولادهم وأحفادهم، بكل أسف وألم عايشنا مثل هذه الحالات الكثير، وفي بلدان عديدة منها أمريكا والسويد والدنمارك وهولندا وغيرها الكثير.

في أحد ايام الأسبوع وتحديدا كان يوم الخميس الساعة الحادية عشرة صباحا ومن على قناة DW الفضائية كان لقاء مع عالِم آثار سوري الاصل الماني الجنسية، كان قد غادر سوريا عام 1967م وهو خريج أكاديمية الفنون الجميلة، درس الآثار في المانيا وأصبح عالم آثار هناك وما زال أسمه مأمون فنصة، لا علاقة لي به، لا أعرفه نهائياً، لكن اللقاء شدّني من حيث تمسك هذا العالم الجليل بهويته الأصلية وإعتزازه بلغته العربية، حيث كان طيلة المقابلة أو اللقاء يتحاشى التحدث بغير العربية حتى ولو بكلمة واحدة وهو الذي يتقن الألمانية إتقانا تاماً.

أحتفلت خورنة مار آبا الكبير الكلدانية في الدنمارك في مدينة أوغوص بعيد الميلاد المجيد وفي حفل صغير نظمته الخورنة جذب إنتباهي أن أكثر من نصف الحاضرين كانوا يتكلمون مع أطفالهم وأحفادهم باللغة الدنماركية بلهجة تدل بوضوح على أن متكلميها لا يجيدونها إجادة تامة، لا من ناحية اللفظ ولا من ناحية تركيب الجمل، تألمتُ كثيراً وأنا أشاهد وأسمع وأرى أبناء أمتي الكلدانية وهم يحملون معاول الهدم لطمر تاريخ أمتنا الكلدانية ولغتنا الكلدانية الجميلة، لغة الملائكة ولغة السيد المسيح نفسه، وتلك اللغة التي جاء ذكرها في الكتاب المقدس عة مرات، تألمتُ وأن أرى بعض العوائل يحاولون جاهدين لكي يستخدموا بعض الكلمات الدنماركية عند تكلمهم مع أولادهم بالكلدانية على سبيل المثال أحدهم يكلم أبنه ليقول له يا ولدي غداً عند مدرسة يقول له بالحرف الواحد ( ها أبروني "إيمون" تعني غداً، أتّوخ أسكوله)، وأخرى تقول لأبنتها بأنها أستلمت رسالة من زميل في العمل  تقول ( براتي "يعني أبنتي" ثيلا "جاءت هذ بالكلدانية" برغيو يعني رسالة بالدنماركية، من  مذ أبايدا ) والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة، بالله عليكم ماذا تبقى لنا من هويتنا ؟ وكيف نُعلّم أولادنا الكلدانية التي تصر المدارس الدنماركية على تعليم لغتنا الأم لأولادنا وهم أي المدرسة الدنماركية كفيلين بتعليم أولادنا الدنماركية بصورة صحيحة لفظاً وكتابةً وقراءة. لي حفيد وحفيدة في السويد البنت عمرها بحدود ست سنوات تتكلم الكلدانية بطلاقة هي وأخيها وتتكلم الإنگليزية بطلاقة ايضا بالإضافة إلى اللغة السويدية، والآن بدأوا يلفظون بعض الكلمات العربية مثل شلونكم و الحمد لله و زينين، وهذه تعلموها من بعض التلاميذ السريان في المدرسة، وعندما يلفظ الصغير كلمة أو كلمتين بالسويدي فإنها تهدده بأنا ستخابر بابا نزار لتشتكيه عندي، بهؤلاء سنحافظ على لغتنا وأمثالهم والحمد لله كثيرين.

في هذا المجال أو أن أسجل نقطة إعتزاز وتقدير وشكر وثناء للأخ الشمّاس أسامة ياقو والدكتور سالم داود إيشايا ( المشرفين على الحفل) لتمسكهم بلغتنا الأصيلة الكلدانية حيث خاطبوا الصغار المشاركين بالألعاب باللغة الكلدانية ولكنهم أضطروا في بعض الأحيان للتوضيح باللغة الدنماركيةوذلك بسبب أخطاء العوائل وعدم إهتمامهم بتعليم ابنائهم لغة الآباء والأجداد، كما لا يسعني إلا أن اقدم التحية للأب الفاضل فارس توما موشي لتمسكه بذلك وبذل جهوده من أجل أن يقوم الجميع بتعليم ابنائهم لغتهم الأم.

سؤالي هو أين هي جهود الجمعيات التي تحمل أسم الكلدان في عناوينها ؟

كيف يكون الوعي القومي الكلداني ؟ مرأشتا كلديثا

إلى متى نبقى إتكاليين ونستهزئ بلغتنا الكلدانية، بينما في الطرف الآخر نفتخر بغيرنا لأنهم يحافظون على لغة آبائهم وأجدادهم

أصحوا يا كلدان فالمياه سوف تغمركم وتجرفكم إن لم تتمسكوا بتاريخكم وتراثكم ولغتكم

الدكتور نزار ملاخا

  كتب بتأريخ :  الخميس 04-01-2018     عدد القراء :  1496       عدد التعليقات : 0