للكنيسة وجهان ... طاهر وفاسد

( وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تتقوى عليها ) " مت 16 :16"

الكنيسة التي أسسها الرب يسوع هي مؤسسة بشرية تحتوي على نعمة الله وشعبه المقدس . لها رئيس واحد وهو الرب يسوع ، وفي أسرارها المقدسة تكمل حضور المسيح على الأرض ، لهذا يجب أن تكون الكنيسة أيضاً واحدة موحدة لأن رأسها واحد ، المسيح الذي مات من أجلها . فالكنيسة هي شعب الله المختار المدعو الى الخلاص ، وهي التي تجعل لله حضوراً محسوساً في هذا العالم على مدى القرون . أنها تدعو العالم للتعرف على شخص يسوع المخلص والأيمان به وبعمل صليبه المقدس ، فهي التي تهيأ المبشرين بالأنجيل ، كما هي وسيلة لنقل الأيمان ونور الأنجيل إلى العالم ، أنها موضوع الأيمان الكامل والمطلوب . وفي الكنيسة يعلن شعبها أيمانه في قانون أيمان الرسل الأطهار ، فيعلنون أيمانهم بإله واحد ، الآب ، والأبن الوحيد ، وبالروح القدس المحي ، وبكنيسة واحدة مقدسة ، وبغفران الخطايا ، وأخيراً بقيامة الأجساد والحياة الأبدية في الدهر الآتي . لا تفرض الكنيسة على مؤمنيها بأن يعلنوا أيمانهم هذا ، بل هم مدعوون كي يعلنوا ذلك الأيمان بالكنيسة وبالله . ويجب أن لا نفصل بينهما لأن الله هو الذي أسس الكنيسة وأعطانا أياها لكي تكون بيتنا الثاني ، أنها الكنيسة المجاهدة المضطهدة ( ها أنا أرسلكم مثل الخراف بين الذئاب ... ) " مت 16:10" ، كما أنها الصورة المرئية للكنيسة السماوية الممجدة . فيها سرَين رئيسين بين أسرارها ، هما أعمدتها الروحية ، وبها ننتمي إلى جوهرها ، هما سر المعمودية التي نعلن من خلاله أيماننا بأسم الآب والأبن والروح القدس فنموت في الرب ونقوم معه ، وسر الأفخارستيا ، حيث تتهيأ الكنيسة أبنائها المؤمنين للأجتماع حول مائدة المسيح المقدسة لتناول جسده المبارك ودمه الغافر للخطايا ، فمن خلال المعمودية والأفخارستيا يصبح الشعب كله جسداً واحداً مع جسد يسوع السري فيربطه في عهد الحب وسر الوحدة . فالكنيسة التي لا تقدم لشعبها هذه الأسرار ليست كنيسة رسولية . لأن الكنيسة الحقيقية تقدم لشعبها جسد المسيح المكسور للعالم كطعام روحي أبدي ولكل الأجيال إلى يوم مجيئه . لكن رغم ذلك فأن لتلك الكنيسة الطاهرة التي هي عروس المسيح والذي غسلها بالماء  وأخذها لنفسه عروساً ( ليقدسها مُطَهِراً أياها بغسل الماء بالكلمة ) " أفس 26:5 ". للكنيسة أيضاً وجه فاسد ، فيها ابناء قديسين وآخرين خاطئين يرتكبون الخطايا المميتة بسبب ضعفهم في مقاومة التجارب المستمرة التي يدفعهم اليها قائد الشهوة ، والطمع ، والحسد ، والكراهية ، وحب الأنتقام ، والمال الذي هو أساس لكل الشرور، وهو الإله المنافس لألهنا الحقيقي ، فلا نستطيع أن نخدم سيدين ( مت 24:6 ) .

من بين الخاطئين نجد بعض آبائنا الروحيين الذين يشوهون صورة الكنيسة المقدسة ، فبسبب حبهم للمال يبيعون أسرار الكنيسة المقدسة بالمال ، بل يحددوها بأسعار ، وكلام المسيح واضح ( مجاناً أخذتم ، مجاناً أعطوا ) " مت 8:10 " . أو يشوهون وجه الكنيسة أمام العالم بسبب أعمالهم المشينة كالتحرش بالأطفال مما يضعون المراجع الكنسية أمام المحاكم لتدفع الثمن ، أو تواجدهم في أماكن واللهو والقمار . وهكذا تشَوّه صورة الكنيسة في الأعلام العام بسببهم. والى غير ذلك من الأعمال التي تعكس سلباً على الكنيسة المقدسة .

  كذلك العلمانيون ، فكل مسيحي معمد ومثبت بمسحة الميرون هو كاهن ، فعليه واجبات كهنوتية يقدمها في حياته وأعماله كذبائح روحية والشهادة للمسيح الرب في كل مكان  ، لكن هناك أعداد كبيرة من المؤمنون الضعفاء يشوهون صورة الكنيسة بأفعالهم الخاطئة والتي بسببها يبقون بعيدين عنها زمناً طويلاً ، وهكذا يفسدون صورة وجه الكنيسة أمام العالم . وقد يعود البعض إلى قطيع الرب بعد التوبة والمصالحة كما فعل الأبن الشاطر .

كتب المونسيور الدكتور بولس الفغالي في كتابه ( رؤيا القديس يوحنا ص262) ما يلي :

الكنيسة في وضعها الحالي مسلّمة إلى الأمم ، وترتبط في الوقت عينه بعالم السماء والملائكة كما بعالم الأرض . أجل هناك وجهان للكنيسة : نراها بوجه المجد والأمان إن نظرنا اليها على ضوء مخطط الله . بينما نجدها مذلولة ومتألمة وفي خطر قتال غير متكافىء إن تطلعنا فقط الى ظروف حياتها الحاضرة . والكتاب المقدس يقول لنا ، الكنيسة هي هنا وهناك . هي الكنيسة عينها ، وهذه الأزدواجية التي تصلها هي جزء مكمل وضروري لكيانها في زمن النبؤة هذا . هذا هو وضعها الحالي.

إذن علينا أن نعترف بما مكتوب لنا عن هذا الموضوع في الكتاب المقدس ولا نخاف لأن وكما تقول الآية ( حيث كثرت الخطيئة ، تتوافر النعمة أكثر جداً ) " رو 20:5" . فحيث تكون الوعود مكسورة مراراً يقف وعد الرب ثابتاً لكي ينقذ المؤمن الضعيف ويدعوه الى المشاركة بالمائدة وبأستحقاق . علينا أن نغفر للخاطىء وحتى وإن كان أباً روحياُ ، الكنيسة هي مؤسسة بشرية ، لهذا ليست معصومة عن الخطأ ، وهي بحاجة إلى مغفرة مستمرة ، والمسيح الحي فيها يقبل المغفرة وكلنا ضعفاء وليس هناك طاهراً كما قال الرسول في " رو 10:3 " ( أنه ليس بار ولا واحد ) ونحن جزء من أؤلئك الذين نلتقيهم وبهم نلتقي مع المخلص بمغفرتنا لهم ومساعدتهم للعودة الى طريق الصواب . فإذا كان بيننا كاهن خاطىء فعلينا أن لا نتحداه ، بل علينا أن نتحمله ونسمع أقواله المأخوذة من تعليم الكنيسة ، لا ندينه ونشهره لكي لا ندان ، بل تحدينا له يكمن في تحمل أخطائه وأعطائنا له الصورة المسيحية الحية الحقيقية في حياتنا . المسيح كان يعلم بخطايا يهودا الأسخريوطي وبكل أعماله لكنه تحمله ولم يطرده رغم علمه بخيانته .

من خلال السلطة الدينية قد نجد من يجرحنا في كلماته أو أفعاله أو في طلباته ،  ونحن لدينا حساسية عالية لكي ننقد ونهاجم ونتأثر سلباً على خدام الكنيسة فنتظاهر بالتحدي ، والعناد ، والتمرد ، والرفض ، فننسى المحبة والمغفرة والمصالحة والعمل من أجل وحدة الصفوف ، كما ينبغي لمن لديه سلطة في الكنيسة أن يكون حكيماً ورحوماً ومحباً وغافراً من أجل ردم كل هِوة تظهر بين الجماعة .

ختاماً نقول ، للكنيسة وجهان ، وجه يصلي ويعلم ويبشر ويدعوا إلى التوبة والمصالحة والأعتراف من أجل التطهير والأستعداد للمشاركة في مائدة الأفخارستيا فيرتبطون مع الجماعة في عهد المصالحة والوحدة , وكذلك الكنيسة ترسل المؤمنين في خدمة وتعطي لهم الأسرار المقدسة لكي يكونوا دائماً مستعدين لملاقاة العريس .

أما إذا كان هناك أعضاء خارجين من حرية الأيمان الصادق إلى العبودية من أجل ممارسة الخطيئة فعلينا أن لا نحسبهم أعداء ، بل أخوة ، فنعمل من أجل أعادتهم الى أحضان الكنيسة لكي يكونوا من نصيب الرب لا من نصيب الشرير الذي يسعى الى هلاكهم . هكذا نحصل للسماء فرحاً عندما نعيد خاطىء إلى التوبة والمصالحة والوحدة مع جماعة الكنيسة المقدسة . لنتذكر قول الرب ( ثقوا ، أنا قد غلبت العالم ) " يو 33:16" .

ولراعيها الصالح يسوع المسيح المجد دائما

  كتب بتأريخ :  السبت 17-02-2018     عدد القراء :  392       عدد التعليقات : 0