رسالة معكوسة الى د. شاكر جواد بخصوص رسالته عن سيرة الشهيدة الدكتورة شذى مالك وزوجها

عزيزي د. شاكر جواد زميل الطبيبة المسيحية الشهيدة شذى المحترم

قرأت كلمات المؤثرة والغريبة في رثائك لزميلتك الشهيدة شذى التي تم قطع جسدها الى اوصال متعددة هي وزوجها الطبيب ثمنا للحق الذي اجرمت به ضد أبناء العراق وأطفالهم لسنين طويلة، وثمنا لأعمالها غير الإنسانية وخيانتها لسلوك الوظيفة التي شغلتها، كذلك لإعطائها الدواء الشافي للأمراض والعمليات الجراحية التي انقذت الاف المسلمين من الموت المحقق، بالأخص ضد فقراء بغداد الجديدة الكثيرين الذين عالجتهم طبيا ونفسيا وجسديا من دون مقابل تطبيقا للقسم المشهور للطبيب الاغريقي المشهور 460 ق م (ابقراط ) الذي اقسمته معكم حين تخرجها.

عزيزي دموعك حزنا عليها وعلى الزمن السعيد حقا تركت دموعي لا تسقط من حيث لا أدرى؟؟ ايمكن لأنك خالفت القاعدة من بين الاف المثقفين والأطباء والموظفين الذي يعرفون الشهيدة المجرمة والذين بقوا ساكتين، عابرين على الخبر وغير مبالين!؟. شكرا لموقفك الانساني وكلماتك الجميلة عن سيرة الشهيدة ولكن حقيقة لن تشفي غليل قلبي ولن تبلسم جروج المسيحيين الى الابد.

ام لأنني انا أرى الأمور على غير حقيقتها كالعادة؟!، فانا كنت احلم بان جريمة قتل الشهيدة مع زوجها سيقود الى اعلان ثورة مدنية تبدأ بمظاهرة شجب واستنكار يشارك فيها كل العراقيين من فاو الى زاخو، في مقدمتها الايتام والارامل وامهات الشهداء شيوخ ونساء، ففي مثل هذه الأيام كانت بذور فكرة ثورة العشرين قد غرست في ارض الرافدين، بينما انت كتبت هذه العبارات الجميلة بحق الشهيدة، شكرا لموقفك ولكن صدق انها لن تبسم حروحنا .

نعم كنت احلم ان تبدأ هذه المسيرة من مدينة فاو التي اغرقت دماء الشهداء ترابها عشرات المرات الى مدينة زاخو حيث دخلها اهل الشهيدة هربا من أولاد وجنود السلطان الأحمر قبل مئة عام الذين قتلوا بدم بارد أكثر من مليونين مسيحي لا سبب سوى انهم على دين الفرنج والانكليز والروس!

وفي مقدمة هذه المسيرة الطويلة التي تمتد لأكثر ألف كيلو ميتر اعلام عراقية ولافتة كبيرة مطرزة بعبارة التي قالها شاعر الثورة الفرنسية "ميرابو" لحاجب الملك قبل 229 عاما اثنا الثورة الفرنسية:" اذهب وقل لمولاك اننا هنا بإرادة الشعب، ولن نبرح مكاننا الا على اسنة الحراب!".

في نهاية العام الماضي كنت مكلف لألقاء محاضرة في منتدى ثقافي نادر في مدينة ملبورن تحت عنوان:"محاكمة العقل/ لماذا نجحت البربرية في القرن العشرين؟!" .

سألت نفسي مرارا وتكرارا، هل فعلا فشل العقل في الشرق الأوسط في العقود الاخيرة؟  لماذا اختار الانسان (أي اختار العقل) القرار الخاطئ في كثير مناسبات مهمة في القرن العشرين مثل الحرب العالمية الأولى والثانية؟

لماذا يختار الانسان الشرقي العبودية وتأليه الحاكم منذ قرون طويلة؟ الم يحن الوقت تغير طريقة تفكيره؟  لماذا تقبل المراة ان تكون من الممتلكات وليست صاحبة الحق ولها الإرادة بامتلاك الموجودات؟ لماذا تخاف رعية الخرفان من الذئب يأتمنون الى الراعي الذي هو القاتل الحقيقي وليس الذئب وحده؟!.

كل هذه الأسئلة تقودين الان الى السؤال الأهم، هل كل ما يحدث معقول ونحن المسيحيون مجرمون واغبياء؟؟!، لهذا تستحق بناتنا الاغتصاب وشبابنا قطع الاعناق بالفأس والساطور ونساء الإهانة والذل واجبارهم على الهجرة او الدخول في الإسلام لأنهم مسيحيون؟! هل يجب ان يكون ثمن الانسانية المتعالية في المسيحي الشرقي هو الموت بالسكين او رصاص او الساطور او الهجرة؟ ماذا يملك العرب ولم يكن للمسيحيين الفضل فيه؟! هل البيئة المحيطة بينا ترفضنا؟ ما هو الشر الذي فينا كي ترفضنا؟.

صحيح كان قديما في طبيعة الانسان غرائز وحشية (انكيدو)، لكن بمرور الزمن تحضر الانسان وتعلم وتهذب. وكان اجدادنا العراقيين الاصلاء اسسوا دويلات صغيرة في جنوب العراق ذات قانون محلي الان جاء سركون الاكدي وحدهم في اول امبراطورية في العالم ومن جاء حمورابي البابلي ليشرع اول قانون مدني شمولي يعطي حق لكل انسان، للمرأة وحتى حيوانات والانسان من دون ربطه بالدين.

ما يحصل في العراق الان كأنه كل شيء يسير بالمقلوب، عكس المنطق، والفلسفة التجريبية التي هي مبنية على التعلم من الأخطاء، عكس معطيات الطبيعة وعمل العقل.

الناس في العراق تؤمن ليس لها اي حق ولا تريد الحرية، وليس لها الامكانية للتغير، فكأنهم احجار منذ ملايين السنيين وسيبقون احجار لان بعض رجال عقيدتهم تعلمهم هكذا؟

الغريب في الامر ان العراقيين لمدة 1500 سنة سنة الأخيرة لم يستطيعوا ان يتعلموا من الطبيعة ومن المجتمعات المجاورة ولا حتى الحضارة الحالية التي قصفت جدران قلاعهم بوسائل التكنولوجيا، فلم تنتج الحضارة العربية مفكر واحد يقف ضد هذا التوجه الا وقتل قبل ان يعلو صوته. 1500 لا انتقاد للتعليمات الخاطئة التي لا تقدس الحياة ولا تضعها فوق كل اعتبار.

اخي العزيز الدكتور شاكر لا تظن انا من المتعصبين، لكنني اسال هل حقا رجعنا الى زمن الغابة والجاهلية والقبلية التي عفى عليها الزمن وشرب! هل ان سعادة المجتمع اليوم أكبر مما كانت قبل؟ هل شيخ القبلية له الحكمة أكثر من المحامي او القاضي او المثقف كي يكون قراره أكثر مقبلو ومعقول وملزم.

بلا شك انت منصدم من الجريمة التي سمعت بها، لكن بالنسبة لي وغيري هو الم جرح فوق جرح، فانا قضيت سنوات طويلة بالبحث والتقصي عن شهداء المسيحيين اثناء جرائم العثمانيين جمعية الاتحاد والترقي ومن قبلهم السلطان عبد الحميد الثاني الذي حكم سنين طويلة، فانا لم أرى شعرة واحدة من الاختلاف بين ما حدث في جريمة قتل شهدائنا في الأسبوع الماضي وبين ما حصل في مجازر ومذابح "سفر برلك" ولا ما عمله سمكوا لشكاكي وبدرخان ومير كور او نادر شاه او السلطان ياووز او عباس الصفوي.

فرسالتك كانت صدمة لي، حينما أجد شخص عادي يتأسف على مقتل زميلة له في الجامعة لمدة ست سنوات لم يسألها ديانتها؟!، الصدمة جاءت لماذا انت الوحيد؟ لماذا لم يفعل مثلك ملايين العراقيين الذين يعيشون نفس البؤس.

في الختام احييك على روح الإنسانية المتجذرة فيك. لكن صدق مادام الشعب ساكت الراعي والذئب يتهنؤون بلحم الخراف الرعية.

المجد والخلود لكل شهداء العراق الابرار

ملاحظة المرفق هي رسالة الدكتور شاكر جواد التي قراتها في فيسبوك

طلعت مسيحية !!!

(شاكر جواد)

بمرحلتنا الي دخلنا كلية الطب عام 1975 و تخرجنا عام 1981 كان اكواثنين بس اسمائهم تبدأ بحرف الشين .. شاكر و شذى.

و بما انه كلية الطب كانت تتبع طريقة المجاميع الصغيرة في التدريب (كنا نسميها كروبات) فكانت الاسماء تتقسم حسب التسلسل الابجدي و الشخص الي اسمه يبدي بنفس حرف اسمك يلزك بيك بنفس الكروب لمدة 6 سنوات.

و طبعا صار واضح الكم انه بسبب هذا كضيت 6 سنوات ويه شذى بنفس الكروب، بالمختبرات و بالتدريبات السريرية و بالزيارات الميدانية وغيرها ..

شذى كانت طالبة متميزة جدا في دورتنا و تميزها كان في انها كانت غاية في الرقة و لم يكن لها مثيل في هدوئها و خفرها و خجلها و صوتها ذو النبرة المنخفضة ، كانت نسمة هادئة تبرد اعصاب مجموعتنا من يصيبنا التوتر بسبب ضغط الدروس، كانت الوحيدة التي لا تنفعل ولا تتأثر بالظروف و المحن الي يمر بيها الطلاب بشكل كان يثير استغرابي بل و يجعلني احسدها بسبب هذا الصفاء و الهدوء الداخلي المزمن..

انقطعت اخبار شذى الحلاوية منذ التخرج قبل 37 سنة و لم اسمع بها و لا باخبارها الى ان ظهرت صور سيدة لم استطع تمييزها على صفحات الانترنت اسمها شذى.. لم تثر الصورة انتباهي اول الامر و حتى بعد انتشار الخبر المؤسف بمقتل عائلة عراقية مسيحية في بغداد طعنا بالسكاكين لم اربط بين صورة الطبيبة ضحية هذه الجريمة البشعة و بين زميلتي شذى ببساطة لأني و خلال ست سنوات من علاقة الزمالة الوثيقة بشذى مالك حنتوش لم اعرف انها كانت مسيحية..

نعم .. تخيلوا لم اعرف الا الان بعد مقتلها انها كانت مسيحية .. عرفت بعد ان اصبحنا نصنف العراقيين حسب اديانهم و مذاهبهم في هذا الزمن العاهر..

لروحك الجميلة عزيزتي شذى و لروح عائلتك الشهيدة كل المحبة و لتنعم هذه الروح الملائكية بالسلام الابدي و الراحة الدائمة بعيدا عن قذارة هذا العالم التعس.. اكتب هذا الرثاء و عيناي دامعتان و ما ازال غير مصدق بأن شذى الوديعة الطيبة الجميلة تطعن بسكين و تموت .. شذى التي جعلني موتها بهذا الشكل الدراماتيكي فقط اعرف انها مسيحية بعد ان انقطعت اخبارها 37 عاما ..

و أرجو ان تبريني الذمة عزيزتي شذى فطالما قلدت صوتك المنخفض و حركاتك البريئة لاضحاك طلاب مجموعتنا و لكنك كنت تفاجئيني دائما بانك اكثرهم ضحكا على ما افعل و ليتني ما فعلت فلربما جرحت مشاعرك بتصرفاتي الخرقاء تلك و لكني لم اكن فاهما لمشاعر الناس كما انا الان... فعذراً

الوداع

#ابرونا_الذمة

  كتب بتأريخ :  الجمعة 16-03-2018     عدد القراء :  304       عدد التعليقات : 0