\"سفر المزامير\"

www.almohales.org

موجز:

ترجمة سفر المزامير التي بين يدينا هي من تعريب قدس الأب بيتر مدروس والأستاذ انطون يوسف الشوملي،الطبعة الثالثة،منشورات مار صفرونيوس 2001 .

الكتاب من الحجم المتوسط،231 صفحة.

يَستهل الكتاب بكلمات البطريرك الرحال يوسف بلتريتّي ومقدّمة الطبعة الثانية للأب د.بيتر مدروس وكلمة للجنة الطقوس_البطريركية اللاتينية القدس.

يقول الأب ريك فان ده واتر في كلمته ص 12 :" ما من عمل بشريّ كامل ولكنّ هذا التعريب يتوخّى الأمانة للأصل والاستخدام الطقسي الروحاني والتفسير العلمي والفائدة الراعوية. ويبقى النص الأصلي المرجع للعلم وللكنيسة وما الترجمات سوى اجتهادات تفسيرية لخير الشعب ومن لم تعجبه الترجمات فليدرسنّ اللغات الأصلية وليعودنّ إلى المخطوطات الأساسية".  

إنَّ عملية الترجمة فنّ ومهنة مضني، ومن يتقنه قليل من عديد، ومن بينهم قدس الأب د.بيتر مدروس ويتضح ذلك وهذا من ترجمته لسفر المزامير الذي نكتب عنه.

إن ترجمة الكتب الدينية مُقيّدة للمترجِم،  وحصراً لمن يؤمن أن هذه الكتب، كتب مقدّسة تحتوي على كلام الرب معبّراً عنها بلغة بني البشر،وكقول القديسة تريزا: "لو كنت كاهناً،  لدرست العبرية واليونانية لاستطيع أن اقرأ كلام الله كما تلطف وعبّر عنه بلسان البشر".

يقول قدس الأب العلامة بيتر مدروس ص 4 :" ليكون التعريب اقرب ما يمكن إلى الأصل حسب آخر الدراسات في الكتاب المقدس..وما هذا النص إلا تكملة وتحسين في مبناه حفاظا على سلامة اللغة وسلاستها ورجوعا إلى ما قصده الكاتب الملهم".

ويسهب في الشرح:" المزامير المقدّمة العامة عن كيفية تكوّن المزامير والفنون والأنواع الأدبية التي نجدها في سفر المزامير والأسلوب الشعري للمزامير واستخدام المزامير في العهد القديم والمزامير صلاة المسيح والكنيسة ويفسّر لنا قدس الأب مدروس في الفصل الرابع ص 26  " أسئلة حول المزامير" وفي مستهلّ كل مزمور يفسّر بإيجاز معنى وعصارة مضمون المزمور.

إنّ ترجمة كلمة الله مقيّدة هي،فنحن أمام كلام الربّ ولا يمكن التلاعب بالنص،مهما كانت النيّة،فلا إرضاء للناس ولا للقارئ، فكما أن الناس تسير وتنصاع حسب تعاليم الكنيسة كذلك النص يُلزم الناس وليس العبث بالنصّ أو ليّ المعنى وتحريف الترجمة لنقرّبها للقارئ.

إنّ أسلوب  الترجمة الذي توخّاه قدس الأب بيتر يشمل ويجمل كل عناصر فنّ الترجمة،فقدسه حافظ على المبنى الأصلي من الناحية الشعرية واللغوية وهذا الأسلوب في غاية الأهمية ،فقد حافظ على المبنى الأصلي وأعطى شعورا للقارئ وكأنه يقرا الأصل.

الأسلوب الشعري أسهل للحفظ والفهم منه مقارنة بالنثر،فالقافية تسهّل والسجع يقرّب الكلمة لعين القارئ ويمهّد الطريق للحفظ وقد أسهب في ذلك قدس الأب لويس شيخو.

عناصر الترجمة المستخدمة في "سفر المزامير" في غاية الدقّة،ليس بالأمر الهيّن الحفاظ على مبنى النص الأصلي وترجمته للغة الهدف{العربية هنا} فترجمة الأب بيتر تحافظ على المبنى الأصلي والمعنى والعبارات والألفاظ المستخدمة في غاية الدقّة الدلالية المعجمية.

كان من الأسهل ترجمة "معنى" ولكن في هذا العمل نفسد الهدف ألا وهو :" الحفاظ على كلمة الله" فمن الأفضل أن نجهل النص ولا نفهمه من أن نفهم كلمة الرب بشكل خاطئ.

مؤخرا قبل سنوات قليلة كانت محاولة لترجمة التوراة للغة العبرية،نعم من العبرية للعبرية تحت اسم "تناخ رام" والغاية من هذه "الترجمة المبسّطة" أن يكون في متناول الطلاب بالمدارس أي ترجمة مبسّطة لطلّاب المرحلة الابتدائية.ليس هدف قدس الأب بيتر أن"نترجم مبسّط" ونزوّر المبنى والمعنى لتكون الترجمة للطلاب في التمهيدي،بل ترجمته للكنيسة والاستخدام الليترجي الكنسي.فإن سال احدهم : هناك مفردات غير سهلة؟ أجيب وباختصار وهل كل كلام الإنجيل بكلام يسر الفهم؟إذا لنحرّف الإنجيل لهدف فهم العامّة. وليفهم من يفهم.

عرض موجر للترجمة:  

من خلال مراجعة وقراءة التعريب ومقارنة لأكبر مرجعين للتوراة :" עולם התנ"ך " بمجلّدين أكثر من  500 صفحة من الحجم الكبير وبمشاركة أكثر من 10 أساتذة أكاديميين من ذوي شتى الاختصاصات في علوم التوراة،والمرجع الثاني " מלון התנ"ך".

ودون محاباة وبنظرة علمية لغوية أكاديمية نقول:ترجمة رائعة لغويا وليترجيا تتمشّى والنص العبري الأصلي للكتاب المقدس.

حِفاظ قدس الأب بيتر على قافية موزونة للنص العبري الأصلي في ترجمته  ليس بالأمر الهيّن هو،فان دل الأمر يدلّ على سعة معرفته باللغتين وأعمق من ذلك فهم النص المقدس.

لئلا يبقى كلامنا نظريا مجردا،نقف عند الأمثلة لنوضح ما أسلفنا ولنوضّح لعين وذهن القارئ  عمّا الحديث.

المزمور الأول :" אשרי האיש אשר לא הלך בעצת רשעים ובדרך החטאים לא עמד ובמושב לא לצים לא ישב_ طوبى لمن لم يسلك وفق مشورة الآثمين ولم يتوقّف في سبل الخاطئين ولم يجلس في مجلس الساخرين".

خير ما ترجم قدس الأب، ففي هذه الآية بعض الإشكالات اللغوية باللغة الأصلية، وهذه غير متداولة في شعر المزامير ،الأولى، تعريف "الإنسان" أي إضافة أداة التعريف "ה " باللغة العبرية {האיש} والأمر الثاني إضافة اسم الموصول {אשר} .

هاتان الصيغتان{האיש_אשר} من ميزات الأسلوب النثري بشكل عام ولكن نجده في مزمور 175 الآية 5 { 5 :175 } و {5 :45}.

الاحترام والإجلال لقدس العلامة بيتر، ففي العبرية {אשרי האיש אשר} الظاهرة اللغوية في تكرار { אש} { لن نخوض النظريات اللغوية حول الثنائية ومعناها بالساميات} وحفاظ قدس الأب بالترجمة :" مجلس ويجلس ويسلك " أي الثنائي {سل} .

النص العبري مثلّث القافية هو:"רשעים-חטאים-לצים" وعمل الأب الرائع فلم يغتصب النص ويشوّه المعنى لا بل بسلاسة لغوية دلاليّة ومعجمية حافظ على القافية شاملا كل المحسّنات اللغوية باستخدامه :" الآثمين الخاطئين الساخرين".

فمن خلال النصّ الأصلي والترجمة الدقيقة عرّف الصدّيق عن طريق وأسلوب النفي :" لم يسلك..لم يتوقّف...لم يجلس".

لزاما الوقوف عند ترجمة الأب :" يتوقّف" وليس "وقف"  للحفاظ على المعنى الدقيق واللاهوتي الصحيح فحتى لفظة "توقّف" صدفة تؤدي للحديث  والحديث مع الأشرار ولو لبرهة زمنية يُحيد عن طريق الصدّيقين فكم بالحريّ لم يجلس أي لم يمكث معهم ولم يتحدث ولم يتأثر من نهجهم.

يتّضح من الترجمة، التدريج كما في الأصل:" السير ..التوقّف.. الجلوس" التسلسل ليس من باب الصدفة،فالنهج من التشدّد نحو الأسهل :" ألاثمة الأشرار ،الخاطئين،الساخرين" والثلاثة متداخلة ببعضها البعض ومرادفة لبعضها: فما من خطاة إلا أثمة وساخرين، ما هم إلا آثمين،ففي اللغة العبرية{ לץ_עריץ} كما في اشعياء 20 :29 :" כי אפס עריץ וכלה לץ" وأمثال 24 :21 :" זד,זד יהיר לץ שמו".

فلو رجعنا لترجمة العلّامة الأب بيتر بعمله الجبّار الفردي،شمل كل التحليلات لكبار العلماء في التوراة كما ذكرنا المصادر أعلاه.

فالقافية مثلّثة الأضلع إن جاز التعبير :" الآثمين الخاطئين الساخرين" هي روعة الروائع.

إضافة لما ذكرنا أعلاه عن ترجمة" توقّف" يضيف الأب بيتر في الملاحظة الثانية في متن الكتاب  في الملاحظة الأولى عن ترجمة "איש".

المزمور:" لكنّ بشريعة الرب سروره وبشريعته يتفكّر ليله ونهاره"؟

يعرّف هنا الصدّيق عن طريق وبأسلوب الإيجاب وما يجب عليه أن يفعل،يعمل البار بحسب شريعة الله ويتفكر بها ليلا ونهارا.

استخدام الترجمة" لكنّ" للنص :" כי אם "في غاية الدقة وحسنا ترجم قدس الأب بيتر هكذا.

"لكنّ" تبين التناقض كما في النص الأصلي العبري،لولا فهم قدسه النص الأصلي لما ترجم "لكنّ" فلغويا تترجم عادة اللفظة العبرية " إلا إذا أو ولكن" أما استخدام "لكنّ" يدلّ على سعة فهم المترجم للنص الأصلي .

انشغل العديد من المفسّرين بتكرار " תורה" في شطري البيت والتكرار غير محبّذ لغويا أدبيا {قارن قض 23و21 _20 و19 و11 :5 } ويهوشع 8 :1 الخ.

استخدام قدس الأب "شريعة وشريعته"فقد كسر التكرار لعين وأذن السامع والقارئ على حدّ سواء.

في المزمور الثالث استخدام المترجم قدس الأب بيتر:" يؤتى ثمره في أوانه" يفسرها في كامل الدقة قدسه، فالنص الأصلي"בעתו" أي يأتي بثمر وفير وهذا التشبيه الصديق _الشجر مثل ارميا 8 :17 .

"في أوانه" أي لا يبكّر ولا يتاخّر وباللغة العبرية التعبير الزراعي :" מבכיר מאפיל"روعة هي الترجمة.

نوجز باختصار لئلا يملّ القارئ من العرض فنقول ما شرح قدسه:

+ ص 34 ملاحظة 1 :" تجنبنا تكرار الباء في الشعوب بالباطل".

+ص 34 ملاحظة 3 :" مليكي أفضل من ملكي للإنشاد ع "جبل قدسي.

+ص 58 ملاحظة 13 :" النص العبري لا يمكن فهمه يفسره البعض كما يلي:" كالأسد  حاصروا يديّ ورجليّ _النص اليوناني ثقبوا يقترح ا تورنيه كأنهم يريدون تمزيق يدي ورجليّ يذكرنا النص بما ورد في سفر اشعيا عن المسيح المتألم اشعيا 5 :53 غير انّ الإنجيليين لا يستشهدون به عند روايتهم للآلام".

+مزمور 109 :"لأني فقير وقير"لمن يتقن اللغة العبرية ترجمة في غاية الدقة دلاليا وحفاظه على القافية في غاية الروعة اللغوية.

يمكن لمن يرغب بالتوسع بالمقارنة مراجعة المصادر أعلاه وترجمة الأب بيتر ،ونضرب بعض الأمثلة:

+ ترجمة "لكنّ "ومعناها مقارنة مع النص العبري " כי אם".

+ يتفكّر_ הוגה יהגה.

+المزمور الثاني "أنجب _ילד".

+ المزمور الثالث "هشّمت _שברת".

+ المزمور الخامس:" ليس المقصود اسجد في هيكل قدسك بل نحوه إذ اعتاد الشعب لأداء فريضة الصلاة أن ينحني باتجاه الهيكل جاعلا إياه قبلته،راجع مزمور 28_29 تبيّن العلاقة مع الله_قرب الله نقيض الأشرار ويتضح ذلك باستخدام "אני" والانحناء نحو الهيكل".

+المزمور السادس" عشيت _עששה".

+المزمور السابع" مجنّي_מגני".

+ المزمور 22 وملاحظة 8 :" كرب قريب".

+مزمور 22 :"له يسجد في الأرض رمادا" ويفسر قدسه ملاحظة 19:" دشني _ _سمان" كما تعني رماد والمعنى الثاني هو المقصود هنا". أضيف هنا بتواضع أن التعبير اللغويي العبري " לדשני ארץ" تعبير لغوي ورد لمرة واحدة في التوراة وما يسمى علميا " Hapax Legomenon " واستخدام " לדשני ארץ" أكلوا وهم شباع! ولذا اقترح أغلبية الباحثين {راجع المصادر أعلاه} المقابلة مع "יורדי עפר" والربط مع الراقدين ليبين إلوهية الله الواحد على الأحياء ،وعبارة " ישני ארץ" قارن مع دانيال 2 :12 الخ

+ مزمور 73 وملاحظة رقم 10 :" عير لا تعني هنا مدينة بل يقظة" روعة قدس الأب.

+مزمور 119 : شنئت_שנאתי".

نوجز ونختم باختصار،روعة التراجم المتداولة اليوم في المكتبات من الناحية اللغوية وإيصال المعنى الدلالي للألفاظ وليترجيا والاهم من كل هذا الحفاظ على المعنى اللاهوتي للألفاظ وترجمتها بألفاظ صحيحة جدا مؤدية الهدف اللاهوتي والليترجي على حد سواء.

كثّر الرب أمثال قدس الأب الورع بيتر مدروس ومنحه الصحّة والعافية للمزيد من العطاء وإثراء المكتبة المسيحية باللغة العربية التي تفتقر لمؤلفات باللغة العربية في الأرض المقدسة خاصة.

  كتب بتأريخ :  الخميس 19-04-2018     عدد القراء :  672       عدد التعليقات : 0