الدوّامة ...

لا يمكن ان تطفو اية ظاهرة وتتوسع لتتحول الى امر واقع ، إلاّ إذا كان لها مقدمات وأرضية ممهدة لذلك ، وبعد ترويض العقل الباطن بعد فترات طويلة من الاحباط وفقدان الثقة بالمستقبل ...

من السهولة بمكان التعلق بالغيبيات في مجتمعات قطعت بها سبل العيش ، فُرِضَ عليها حصار فكري وآخر على قوتها اليومي ، منعت من حقوقها بعد ان تربع على مصيرها وقراراتها زُمَرٌ تسللت الى قيادة الدفّة ، مدعومة كل مرة باخطبوطات تتبدل اشكالها وأهدافها ، ولكن الشيئ الذي لم يتبدل في العراق ، ان الناس عاشت تحت مظلة الخوف والشك والفزع ، وانعدام الامل ، تبحث عّن التأقلم ، تتنفس الالم من بين قسوة الظروف ...

في هذا التراجع على كل المستويات ، بات الفرد هو الاخر متمرداً ، لا يتقيد بالنظام العام اذا كان بعيداً عن اعين الرقيب ، بدءاً في المحافظة على قواعد السير ، والنظافة ، والحرص على الممتلكات العامة ،مساهماًفي الفساد وتأخير عجلة التقدم ، غير مبالٍ لكلما يدور حوله ، تعبير ٌ عن انتقام غير معلن ...

لقد مرّت عهود تولت فيها قيادات تقمصت دور الآلهة على الارض ، دعم هذا الاتجاه ، دعوات وهتافات مزقت حناجر الجماهير ، تفديها بالأرواح والدماء ، أما بدافع الخوف ، أوبتأثير الموروث الفكري المزمن المرتبط بالعقيدة الإيمانية ، بدعوى ان الحاكم يستمد سلطته من السماء، حتى صّدق الحاكم نفسه ، وآستسهلت الغالبية الخضوع ، عدا فصائل ثورية قارعت الاصنام والدكتاتوريات المتعاقبة ...

تراجعْ مستوى التحدي ، لا يمكن تحريكه بسهولة عندما تُبذَخ الأموال والوسائل القمعية المتوفرة لدى السلطة لإخماد وخنق الانفاس ، مستخدمة آليات تمسك اطرافها ، منها الطروحات القومية العنصرية والطائفية المتطرفة ، وشحنها بمشاكل المنطقة المزمنة ، بإضفاء طابع مقدس عليها ، وواجب تضحية كل مواطن بأمواله وحياته في سبيلها، وترويضه للخضوع والاستسلام ...

وما ان رحل النظام السابق ، حتى دخلنا في دوامة اخرى ، وكغيرها ، ، أنعشت في البداية ، الامال والتطلعات الى الفرسان القادمين على صهوات احلام الجماهير ، تلك التي انتظرت ساعة الفرج بفارغ الصبر وبأية وسيلة ...فصفقت وهتفت لها أيضاً ، وانتظرت ازاحة الستار عن الواقع الجديد ، ليتضح انه سيناريو اخر أكثر خبثاً، لانه هذه المرة ، يخاطب المشاعر الإيمانية ، والولاءات المترسخة في الذاكرة الجمعية لآلاف السنين ، يترنح أمامهم حتى المثقف الذي يقف عاجزاً امام موجة كاسحة لخطاب ليس ذلك الخطاب المعتاد ، المهذب للذات ، المحب للبناء والتطور ، المتجاوب مع العلم والمعرفة ، بل انه لا يمت أساساً الى واقع الإيمان بصلة ، تأخذه الى متاهات ينفر منها العقل ...

الملوك والرؤساء في الامم المتقدمة ، ليسوا مصونين غير مسؤولين ، البرلمانيون ليسوا الا مدافعين عن حقوق الناس ، مجاهدين لتحقيق امالهم وحل مشاكلهم ، وهكذا بقية الكوادر العاملة في مفاصل القطاع العام والخاص ...وعلى العكس تماماً،هو هذا الذي يحصل في بلادنا ، فالديمقراطية هي دكتاتورية مع سبق الإصرار والتنفيذ ، والبرلماني اخر همه المواطن ، بات معروفا لدى الشعب انه يبذل قصارى جهده لا لتحقيق ما جاء في دعاياته الانتخابية ، بل لحصد الامتيازات والأموال ...وهناك فك ارتباط لكلما كان يعتبر اخلاق وممارسات وقيم وطنية ...

شعوبٌ تسحق ، اوطانٌ لم يبق فيها حجرٌ على حجر ، ولكن الصنم باقٍ...

اصنام إصابتها النرجسية الى النخاع ،ترسم دوائر مغلقة لا يمكن الإفلات منها ، لا تكترث للأرواح ولا الدماء ، ولا للمواطن الذي طالته زوبعة اقتلعته من قناعاته وأبجدياته السابقة ، انفصل عن الماضي وهجره ، ثم هاجر ليبتعد عن هذا الذي اصابه ، والذي سيطال ثقافة وفكر ذريته لاحقاً ، ومعه معظم ابناء شعبه ، الى المجهول الغامض ...

المهم ...الحاكم الواحد الذي لا يقتنع بعد هذه الدراما الكارثية ، الاّ ليكون الأهم من كل الشعب والوطن ...

في الوقت الذي باتت عبادة الفرد ، وتسلط الحاكم المطلق على مقدرات الشعوب مدعاة للسخرية ، وشبح من ماضي ما قبل ثورات التحرر العالمية ، فإن مزرعتنا تُنْبِتُ اصناماً فرادى وجماعات ، تستمد قوتها من تعميم الجهل والأوهام ، مستخدمين قراقوزات تدعي الإيمان لتتحول الى ظاهرة ، تنشر واقعاً اقرب الى الشعوذة والدجل ، تعمل على التأثير على الشباب مستفيدة من جو اليأس العام الذي تعمدت الطائفية السياسية إشاعته ، لتهجر آمالها العظيمة، وأقصى طموح لها هو حلمها بالمتطلبات اليومية الاعتيادية التي كانت بمتناول الجميع قبل اكثر من نصف قرن ، وشحتها او انعدامها كان يعتبر خللاً لا يمكن لأية حكومة ان تصمد أمامه ، او يجد طاقمها طريقهم الى السجن ...

النجاح والتقدم تخلقه شعوب عظيمة، واخطر ما تواجهه ، ان تؤمن بما هو ليس إيمان ، تنحني للزوابع ولا تقاومها ، ترى القَدَر ويغيب عنها التحدي ، وتعود للتصفيق للجلاد او الجلادين القادمين ، المتخفين وراء اقنعة اخرى ،وبعد كل الضحايا وكل الدمار والخراب ...

  كتب بتأريخ :  السبت 09-03-2019     عدد القراء :  488       عدد التعليقات : 0