تناقضات الازمنة الحديثة...

لا املك تفسيراً في ان تستبدل شعارات رنانة كبيرة امتدت على مساحة اجيال مثل ادانة الاستعمار والاستغلال والاستكبار ، للارتماء باحضان اخر، لم يحاول على الأقل ، وضع لبنة في السلّم الثقافي او نبش باطن الارض بحثاً عن ثروات نامت الأقوام عليها مئات القرون ، او أسس مدرسة او جامعة او مشفى، ولو من باب المصالح ...

لا يمكن ان يكون للاحتلال الّا معنىً واحد رغم اختلاف العهود والزمان والمكان ....

الاحتلال تحت عباءة الخليفة العثماني ، والى وقت قريب كان يلقى القبول ، على انه طاعة وواجب ، بالرغم من استعباده للعالم العربي لقرون طويلة ، نهب وسلب وصادر قراراته وثرواته ... شبابه لم يكونوا سوى جنود إلزاميين في ماكنته الحربيةً، دفعوا حياتهم لغزو ونهب الشعوب الاخرى لتُتخِمُ خزائن السلطان ،وتكتظّ قصوره بالجواري والغلمان...

وهل يكون الولاء المطلق لايران له معنىً اخر غير التبعية والغاء معالم الدولة العراقية ، واذلال الناس ونسف المجتمع وتقسيمه.... ؟

هل هناك في معاجم اللغة وفقهها ، تفسيراً غير الذي عرفناه عندما ينقلب الانسان الى عامل مطيع لأسياده الجدد ، في وقت لم ينشف ريقه من سب وشتم الاستغلال والاستعلاء العالمي؟ ....

في القرن الحادي والعشرين ، للفرد في دولٍ ، حقوقاً لا يستطيع رئيس دولة من ان يجرده منها لان صلاحياته ليست فوق القانون ، ولا علاقة له بما يعبد والى اية قبلة يتجه؟ .... وفي اخرى ، يُقتل الآخر في سبيل الله !!! ... ولماذا انت تقتل في سبيل الله طالما ان الذي ذبحته سيكون مصيره النار في اعتقادك؟ وفِي احسن الأحوال ، يعطفون على المختلفين عقائدياً ، ويضعهم (دستور دار الفقه ) ، في خانة الرقيق ، او ان يتم تصنيفهم بكائنات تختلف عن البشر حتى في التركيبة الجسدية ، لتبقى راسخة في مجتمعات لا تقبل النقاش ، او أنّ أماكن عبادتهم ليست سوى مقاصف ليلية ، في هدف مدروس لخلق اجيال شوفينية جامدة الفكر تحتقر وتقزّم وتتعالى على اولئك المختلفين عنهم، الذين حفروا للوطن تاريخاً يسطع بماضٍ يضعه دائماً في المقامات الاولى بين الأمم، علميا وثقافيا وحضارياً...

أم أنّ المجاهرة بدستور مادته الاولى بالاعلان عن هوية الدولة الدينية ، في إشارة الى إلغاء حقوق كل الديانات والمذاهب الاخرى ، والعودة بهم الى ازمنة الأسياد والعبيد ...وعندما يجاهر الآخرون بنفس المنهج يتهمونهم بالعنصرية ...

هذه التداعيات جاءت كامتداد طبيعي لبيئة أنجبت قادة ، حقنت شعوبها بمخدر التطرّف الديني او القومي ،يطلقون شعارات كبيرة دون التفكير في الاليات والأدوات والامكانات ، شعارات خيالات الفوانيس السحرية ، تفتقر الى الواقع منها مثلاً رمي اليهود في البحر ( عبد الناصر في حرب الايام الستة ) ، واُخرى تقول ان راعي الغنم وبحفنة تراب يسقط طائرة الشبح ( صدام حسين في حرب الخليج ) وعندما كانت النتائج فقدان الشعوب ابناءها في تلك الحروب ، وتدمير البنى التحتية ، والفوقية للأوطان ، لم تترك فرصة لان تستعيد كرامتها ، بل خلفت اثار سلبية مستديمة ...وعوض عن ذلك ، وجدت نفسها تفدي قادتها المغامرين الخاسرين, بالروح وبالدم ، ولا زالوا ...

وامثالهم ، نماذج اخرى ، ومن المحيط الهادر الى الخليج الثائر ، دفعوا شعوبهم في المتوسط طعاما للأسماك ، وهم بيادق بأيادي خفية تحقيقاً لطموحات قديمة لم تكتمل فيها صورة العالم كما رسمتها خيالاتهم المريضة ...

كيف يمكن لمن يدّعي الوطنية ان يستبدل طوق الدكتاتورية بآخر يتحكم فيه ليس في الدنيا ، بل وبالآخرة أيضاً ؟ وتنقلب كل سمفونيات الحياة الجميلة الى صدى أدوات التعذيب ، وكل اللوحات الزاهية الى سواد حالك ...أوليس من السخرية ان تغزو أبصارنا ومسامعنا ، مفردات بذيئة ينطق بها معمم يحلل كلما حرمه الله ، يصنف الناس ، يحرض على القتل واستباحة ألاعراض، يغالط كل نظريات العلم ، ويلغي جهود العلماء في جلسة سطو على العقول من فوق منبر وثير ، وحيثما واينما تواجدوا ، دون اي حساب محلّي او دولي ...

ثم أين المثقف والمعتدل الذي كان شريكا في المدرسة والجامعة والعمل ، وسالت دماء شهداؤنا معاً في الدفاع عن الحق والحقيقية والوطن ... كيف لهم السكوت على تشويه النظريات والحقائق العلمية التي ربما ستصبح المصدر الوحيد المعترف به لاحقاً، ان استمرت هذه الزمر العابثة بنشر افكارها من المواقع العليا، الا ينبغي إعطاء الأولية لوقف هذا الزلزال المدمر على كل أولويات الكهرباء والماء ورغيف الخبز ، فحرية الفكر أغلى منها مجتمعة ...أليس من صلب المأساة ان يتحرر الشعب ويفصل الدين عن الدولة في الوقت الذي بدأنا العودة الى تلك البدايات المظلمة ....

العالم يعيش تناقضات مفزعة ، تناحر في القيم ، وتغيير لا يمكن لجمه ، خاصة ان كانت الأهداف البعيدة المدى للبعض ، ليس كيفية التطوير نحو الاحسن ، بل الباحث عن الماضي والرافض للحاضر ...

في أميركا مثلاً ، يتنافس مرشحون لمناصب في الكونغرس والبرلمان وحكام الولايات وهم من أصول وديانات مختلفة، فازت مرشحتين مسلمتين ، وفِي بريطانيا عمدة اعرق عاصمة في العالم مسلم باكستاني ، وكذلك وزير داخليتها، وقِس على ذلك الكثير في الدول الغربية ،وهم في اغلب الأحيان لا يدينون بالولاء لتلك المجتمعات ، بل لديهم اجندة يصرحون بها علناً ،(من منطق حرية الرأي ) ، يريدون فرضها ، وستكشف الايام ذلك ، بينما لا يمكن للمنحدرين من الاقوام الأصيلة التي يطلق عليها البعض ( اقليات او جاليات ) في بلدانهم ، ان يتولى اي منصب هام او سيادي ، حتى ان جعل باب بيت وسرير كل مواطن من ذهب...

كثيرة هي الامم التي لم تتوقف عند مجدها الغابر ، ولَم تنَم على أحلامها الجميلة ،وحتى التي وقفت على اقدامها من بين أنقاض نزاعات وحروب حديثة ، تمكنت من قطع فراسخ بعيدة في تلبية متطلبات شعوبها وتبوأت مكانةمتقدمة لابنائها بين الامم رغم شحة الموارد والثروات ...

الوباء يستفحل وينخر في الاجساد اذا لم يُشخص ، واذا لم يُكتشف له الدواء ، كذلك المجتمعات والشعوب ، لا يمكنها مجابهة الواقع اذا أصرّت على تجاهل الحاضر والعيش مع مشاعر تكدّست فوقها اضغاث احلام، لتصحو منها على نيران وقد التهمت كل شيئ ، اكثر ما يستطيعونه النجاة من سعيرها اذا حالفهم الحظ ، ليروا ان الأشطر منهم قد سرق حتى كسرة خبزهم اليومي ...

  كتب بتأريخ :  الإثنين 11-03-2019     عدد القراء :  576       عدد التعليقات : 1

 
   
 


رابي جلال مقالة رائعة والا مالذي جاء بنا الى ديار الغربة .