الجولان وسياسة الخطوة خطوة ...

في حرب الايام الستة التي دارت رحاها في الخامس من حزيران ١٩٦٧، خسرت مصر كل جزيرة سيناء وشرم الشيخ وطابا ،وخسرت سوريا هضبة الجولان والقنيطرة ومزارع شبعا ...

تسارعت الاحداث ، ونشطت الدبلوماسية الاميركية بقيادة عرّاب خارجيتها هنري كسينغر الذي تبنى سياسة الخطوة خطوة ، في واحدة من أدهى قراءة للواقع العربي الذي تحددت ملامحه بما تمليه الانظمة الحاكمة ، وذهب ضحية مغامراتها ، ابناء الطبقات المسحوقة ...

لقد بدأت رحلاته المكوكية الشبه يومية، بمحاولة تحييد كل دولة اثناء مفاوضات فك الاشتباك ، في اول محاولة لدق اسفين بين اي مجهود عربي للتضامن لإيجاد مخرج من هذه الكارثة ، كانت نتيجتها خلق نوع من الفتور بين الانظمة العربية ، ليتحول تدريجياً الى الصراع القادم ...

إستعرت فيها الحرب الإعلامية ،بين مصر والعراق وسوريا ، وسوريا والعراق ، وأسقطت اسرائيل من حساباتها ،وتطورت الاحداث ،ولَم تكن باحسن منها في حرب أيلول ١٩٧٣، رغم عبور القوات المصرية خط بارليف ،وحصول نوع من الدعم من العراق الذي دعى الى قطع إمدادات النفط ، ولكن سرعان ما تحول الموقف اذ تم محاصرة الجيش الثاني المصري، والالتفاف حول بحيرات الدفرسوار في محاولةلقوة ارييل شارون للوصول الى القاهرة ، اضطرت مصر للتوقيع على الهدنة ...

مرة ثانية لعبت دبلوماسية كسينغر دورها ، لتكون نتيجة مفاوضات تطبيع العلاقات المصرية الاسرائيلية ، اعادة سيناء ،وبعدها شرم الشيخ وطابا (نتيجة التحكيم الدولي ) فيما بقيت هضبة الجولان تحت السيطرة الاسرائلية ، ولَم يلتقط نظام الأسد الإشارة في إعادتها سلمياً ، وبمقدار التقارب بين اسرائيل ومصر ، والتطبيع بين الكثير من الدول العربية ( تحت العباءة) كان الشرخ بين سوريا ومصر يزداد يوما بعد اخر، ولم تعد القضية الفلسطينية ما تعنيه للدول العربية الا لاستخدامها كشماعة لتعليق مشاكلها ، وتخدير شعوبهالاحقاً ...

دخلت ايران خميني على الخط ، والحرب مع العراق ، وتطورت الاحداث بصورة كارثية بعد حرب الخليج الثانية ،وإسقاط نظام صدام ، لتظهر في الأفق بوادر الربيع القادم ، لتنقسم الدولة الواحدة الى بؤر وجماعات تنفذ اجندات خارجية ، ولتتسارع الخطوات الكارثية مدشنة حروباً طائفية ، وإرهاب اجتاح المنطقة ، من الشمال الى الجنوب ومن المحيط الى الخليج ، ولَم تكن فلسطين باحسن منها ، حيث الصراع بين فتح وحماس وغيرها من المنظمات هناك، وباتت ادوات بأيادي الدول الرئيسية في المنطقة ...

أثمرت سياسة كسينجر، الخطوة خطوة ، او بالأحرى ، قطعة قطعة ، ولَم تعد العلاقات بين اسرائيل ومعظم الدول العربية والإسلامية خافية على احد ، فيما لم تحضى القضية الفلسطينية بأكثر من كلام ،وحروب إعلامية ...

من هنا ،وبعد قراءة لنتائج الكثير من مؤتمرات القمم العربية التي خرجت بالخلافات والقطيعة العربية العربية ، والحروب الإقليمية والطائفية في المنطقة ،وآحدثهاالتي انعقدت قبل أيام ( حيث كان بعض القادة يستسلمون لنوم العافية وهم يتناولون موضوع الجولان ) وانعدام اية رؤيا للحفاظ على الحد الأدنى من التوافق بين العرب ، (هذا ما شاهدناه من انحسار الحرب واقتصارها بين اسرائيل وحزب الله مدعوماً من قبل ايران في حرب حزيران ٢٠٠٦)باتت الظروف مناسبة يوماً بعد اخر ،للإعلان عن الحلم الاسرائيلي لإعلان القدس عاصمة لإسرائيل ، ونقل السفارة الاميركية ، وسفارات دول اخرى اليها ، ولَم تكن هناك غير مناورات وخطب نارية هنا وهناك ، تدفعها اليه جهات ذات اجندات معينة ، وهي الخطوة المكملة للانفراد الممنهج بالقرارات من الجانب الاسرائيلي ، لتقفز بخطوات مدروسة ومدعومة ، لا توقفها بعض التهديدات التي تلوح في الأفق ...

وفيما الانظمة العربية بلعت الطعم كالعادة ، وهي منهمكة في الحفاظ على مواقعها وسيطرتها على شعوبها ، لم يقرأ بشار الأسد الموقف جيداً ، ولَم يكن لطبيب العيون بعد نظر بأن يرى سوريا لم تعد غير كونتونات اجتمعت على أراضيها كل الاطياف والطوائف ، ولَم يبق فيها حجر على حجر في كل المدن والقرى ، بل ان الجولان لا تمثل لديه كابوساً في الوقت الحاضر ، لان الأولوية عنده الحفاظ على ماتبقى من ارض سورية تكفيه لان يكون استمراراً لحكمه ، مع الإبقاء على جو الشعارات المزمنة ، كإلقاء اليهودفي البحر في زمن عبد الناصر ، وازالة اسرائيل من الوجود، الإعلان الإيراني الذي لا يتوقف ...هذه التي خلقت أجواءاً لعبت فيها اسرائيل دور الضحية امام المجتمع الدولي، وأعطت لنفسها العذر بكلما قامت به لاحقاً ...

عندما تُغيّب قرارات الشعوب ، وتتعود على سلطات دكتاتورية متعاقبة مختفية وراء شعارات جديدة ، منسوخة عن الدكتاتوريات السابقة ، وباقنعة تناسب المرحلة ، فإن الازمنة القادمة ليست سوى اطالة معاناتها وأهوالها ، تلك التي أثخنتها الجراح ، وخيبت امالها الوعود ...فما لم تقرره برلماناتها المنتخبة من صلب الجماهير ، والتي تعكس ارادتها الحقيقية ، فإن كل محطاتها القادمة تزدحم بمغامرات القائد الضرورة ، وبطل الأمة ، والرئيس الملتصق على كرسي يطوف فوق الدماء ...

لنصل الى نتيجة لا تحتمل أي تفسير ...ففي ظل الدكتاتورية خسرت سوريا الجولان...

وفِي ظل غياب قرارات الشعوب سنخسر كل الاوطان ...

  كتب بتأريخ :  الأحد 07-04-2019     عدد القراء :  1168       عدد التعليقات : 0