إكليل الشوك لم يحترق ...

نوتردام ، وما ادراك ما نوتردام ...هي الايوقونة التي ورثتها باريس واوربا والعالم من لمسات معطرة ببخور تصاعد دخانه الابيض قبل تسعة قرون ، ليتواصل عبر الازمنة ... تحكي للأجيال قصة تناغم الإلهام والعبقرية والحضارة ، ليتجسد الشموخ في ذلك الهيكل الذي ساهم فيه أساطين العمارة والفن ، مدفوعين بقوة الإيمان في كل لَبِنَةٍ ترتفع ، وكل جدارٍ يعلو ،وكل زخرفة وتمثال يظهر ، وكل نافذة زجاجية فريدة الأشكال والألوان والزوايا تضيف الى العمران المتصاعد عبر السنين ، سِحراً يكمل المشهد، ينتصب وسط پاريس ليزيدها سحراً وجمالا

، وليبقى تحفة وإرثاً مرصعاً ببصمات الماضي وعبق التاريخ ، تحول الى قبلة للناظرين في فرنسا والعالم ...

رافقتْ مسيرتها اهم المحطات التاريخية التي شهدتها باريس وفرنسا واوربا ...تحت قبابها وضعت التيجان على رؤوس الملوك والأباطرة ، ومع كل التقلبات العاصفة المتلاحقة ....

ففي الحرب والسلم ،كان لكاثدرائية نوتردام نصيب ...

لم تعد غافية على ضفاف السين فقط ، بل نشر قصتها وتعرّف اليها العالم ، من خلال فكتور هيجو في رائعته ( احدب نوتردام) ، ويكاد العالم يتراءى له احدبها ( كوازيمودو) من خلال أعمدة النيران التي التهمتها ، وهو يدقُ نواقيسها محذراً مهموماً باكيا جزعاً، ليس على الغجرية ( ازميرالدا) هذه المرة ، بل على هذا الصرح الذي بات هو الاخر جزءاً لصيقا ومعلماً من معالمه ...ومن لم يعرفها ولَم يقرأ الرواية ليتعرف على نوتردام ، وتاريخها ، فإن حريقها ، احتل عناوين كل واجهة وكل شاشة وكل قناة ...

تسابقت الاحداث والمواقف ، احدثت الكارثة هزّة في الضمير الفرنسي ، وقف الشعب مشدوهاً ، حتى الذين هجروا الإيمان ، الا انهم بكوا ، وابتهلوا مع المصلين لإنقاذ قطعة من تاريخهم ، فيما أفرزت وسائل التواصل الاجتماعي ، مواقف وتعليقات سمجة لإناس لا يدينون للقيم وللبلاد التي احتضنتهم ، ولا للأخلاق وللانسانية بصلة ...

صهرت النيران الأبراج والأقواس والتماثيل والزخرفات ، وبات الهيكل يناجي ويحكي قصته للعيون الباكية ، مثلما تجسدت فيه معانٍ اخرى لا بدّ انها ستحفّز لاعادة التوازن والثقة ومراجعة المواقف قبل فوات الاوان ...

احترق كل شيئ إلا ان رمزيتها وهويتها لم تنل منها النيران ... بقى الصليب شامخاً يتحدى الزمن مثلما تحداه الناصري يوم الجلجلة ، لم يستسلم للطغاة حتى الرمق الأخير ، بل قاد ثورة الحق والعدالة ، مناصراً المعدمين والفقراء ، وفاقدي الامل والمعاني الحقيقية للحياة ...

لم يحترق إكليل الشوك الذي أدمى هامة يسوع ، ولكن مساميره تحولت الى أغلى ماسات العالم قاطبة ... الصليب وإكليل الشوك ، هما الذخائر التي تلجأ إليهما النفوس المحطمة التائهة ، لتجد فيهما نافذة الى الحياة والخلاص ...

الصليب وإكليل الشوك واصلوا التحدي ليتواصلوا مع العالم في هذه الايام المقدسة ،مع مواكب المؤمنين في الجمعة العظيمة ، يبعثون الامل لأولئك المضطهدين ، وقوافل المهجًرين المبعثرين في ديارٍ منها لا يطيقون رؤية صليبهم ، واُخرى جعلتهم مادة للمساومة ...

الصليب وإكليل الشوك الدامي ، يذكّر المؤمنين بان الصبر والارادة ليست استسلام وخضوع ،بل الدفاع عن الحق في الحياة واحترام الاخر ومحبته وليس عبادته ...انه اكتشاف لأسرار النفس وإطلاق لكلما ينير طريق الحياة التي لا تستقيم الا بالمحبة والسلام ، ضمن العدل ونبذ القوة والتصدي للعبودية ، وإيمان لا يتقمص العبادة فقط ، بل يلبس ثوب الاخلاق الذي تحفزه وتكتشف له ثمرات العطاء ، ويشعر بوخزات الإكليل عندما تزلّ عن الطريق السوي ، وتذكره أيضاً ان الحق والحريّة لا يسودان الا بالتحمل والتحدي والارادة الصلبة ، فالابرياء والصالحين ، يحتاجون أيضاً من يدفع عنهم ظلم الاضطهاد والتسلط ، بذات القوة التي دافع فيها المسيح عن القيم في مسيرته الظافرة ، وهو يقود الى مفاهيم ناصعة رائقة تُعلِمُ الانسان ان الحياة أسمى من أن يعكرها المتزلفون وغلاظ القلوب وعديمي الرحمة والضمير ...

سيبقى الإكليل علامة الانتصار رغم الالم،

والصليب أغلى وسام تحمله الانسانية ...

مع التمنيات بأن ترتفع نوتردام شامخة بجهود العلم والمعرفة والإيمان ، ومعها كل الكنائس التي اصابها الاهمال او التناسي او النسيان ...

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 17-04-2019     عدد القراء :  1032       عدد التعليقات : 2

 
   
 


شكراً لهذه المعلومة المهمة ، تحية وتقدير



اخي الكريم : اتفهم معانيه ومقصدك ولَك الاحترام في ذلك .
ولكن : الذي قد لا يعلمه الكثيرون هو انه رجال المطافئ الفرنسيين من أمهر الرجال في العالم والخطة التي تدعوها لعدم احتراق الكنيسة ومحتوياتها برمتها ستدرس في ارقى الجامعات ! سيدي عندما علموا ان السقف الخشبي لا فائدة ولا جدوى من إنقاذه اتبعوا خطة إطفاء واخماد النار من الداخل ! تَرَكُوا السقف الملتهب واستمروا لمدة سبعه ساعات في إطفاء النار من التحت الى الأعلى ! اي حاصروا النيران من الداخل للفوق وبهذه الطريقة الذكية انقذوا الكنيسة وكل محتوياتها ومنها إكليل الشوك ! لهم كل التقدير والاحترام فلولا ذكائهم لكان قد احترق كل شيء ! تحية طيبة