التهديد بالمربع الأول

 يعيش الإنسان حاضره بين ماض معلوم ومستقبل مجهول، وبين الإثنين تمضي ساعات حاضره تارة مفرحة وأخرى مبكية، وشاء أم أبى هو عمر محسوب عليه بشكل أو بآخر. وعادة مايكون مطمئنًا لأحداث الماضي وإن كانت سيئة، ذلك أن سوءها قد عُرف مداه، اما المستقبل فالتوجس منه يبقى قائما مادامت أحداثه في الغيب وإن كانت إيجابية. لذا نحن نرنو الى الماضي بسكينة رغم ما فيه من سلبيات، في الوقت الذي نتوجس من المستقبل وننظر اليه بريبة وخوف، كون أحداثه غامضة للحظة التفكير فيه، لذا نرى أحدهم ينشد:

وددت لو يسـتعيد الدهر دورتـه    

ولو لحظة من زمان الأمس تـُسترق

ماذا سأشكو على الأوراق من ألم    

أقـل شـكـواي لايقـوى لــه الورق  

 وقد تعودنا نحن العراقيين بلهجتنا حين نسرد حديثا يستهوينا، فيه من ذكريات الماضي الشيء الجميل أن نقول: (من چنـّه وچنينه). او كما أنشد مطربنا من شدة حنينه الى الماضي ورفضه واقعه الحاضر حتى قال:

علوّاه أرجع صبي    علوّاه واحبي حبي

فالقاسم المشترك بين الجميع إذن هو السكون الى اي شيء يوحي الى الماضي.

  في عراقنا الجديد، اي بعد عام 2003  حيث شهد ذاك العام الخلاص من الدكتاتور، وسياسته القمعية ونهجه المتقوقع داخل صومعات الحروب والاقتتال الخارجي فضلا عن الداخلي، ومارافق ذاك العام لدى الكثيرين من أمانٍ وأحلام في الانفتاح الى المستقبل، حاول العراقي بكل ماأوتي من مقدرة، ان يجدد حياته فيما ينسيه الماضي، لأنه لم يكن فيه غير سياسي واحد فقط، كان يضعه في مربع واحد فقط لايعرف رقمه، ولايدرك هل سينتقل الى مربع أفضل؟ أم سيتقهقر الى مربعات أسوأ وأردأ مما كان عليه!

 لكن الذي حدث في ذلك العام لم يكن بحسبان أغلب العراقيين المعروفين بطبعهم الساذج ونفوسهم الطيبة، فقد فوجئ العراقي بعبارة يذكرها الساسة والقادة (وهم كثر) عندما يختلفون -وهم دوما وأبدًا كذلك- فيتخذون من هذه العبارة (بعبع) يهددون به أبناء جلدتهم، هي عبارة (العودة الى المربع الاول). هنا خرج العراقي عن المألوف عند باقي الناس في الحنين الى الماضي. فقد اصبح الماضي يمثل له المربع الاول، بمعنى ان ساسة الحاضر، يحاصرون المواطن بين الرضوخ الى مربع محكوم به اليوم، او يزجون به الى مربعات عهد الظلم والجور.

 فهل نسي سياسيو العراق الجديد ان منصبهم الذي تسنموه هو تكليف وليس تشريفا؟ وهل نسوا أنهم عراقيون؟ أم هناك جنسيات ثانية وثالثة وعاشرة ينتمون اليها زمانا ومكانا وروحا وقلبا وقالبا؟ وإذا كانوا كذلك؛ هل هم يظنون العراق متجرا يتبضعون منه ما شاءوا ليتمموا حياتهم التي بدأوها في الدول التي منحتهم الجنسية وباتوا من أبنائها الخلص؟

 نعم، دستورنا العراقي أجاز تعدد الجنسيات، لكنه حدد المناصب التي يتسنمها من له جنسية غير العراقية، بعد أن خيره بين الوظيفة والجنسية الأخرى؟. المطلوب منكم ياساسة ان تكونوا عراقيين، وإن لم تكونوا كذلك فالعراق ليس (مول)  او (SUPERMARKET).

aliali6212g@gmail.com

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 16-07-2019     عدد القراء :  176       عدد التعليقات : 0