ثورة أبهرت العالم ...

بدأت الجماهير الشعبية السودانية انتفاضتها في كانون الاول من عام ٢٠١٨ ، اثر تفاقم الوضع الاقتصادي وانعدام الخدمات وتزايد البطالة وانتشار الفساد ... حدثت محاولات عديدة لاحتواء الوضع من قبل نظام عمر البشير ، ظهرت بوضوح بصمة الاخوان المسلمين ، ودعم قطر وتركيا الطامعة في التوسع ، وتداخلات اخرى استمرت بين المد والجزر ، ولكن مؤشراً واحداً وإشارة واضحة ارسلها السودانيون للعالم ،بانهم في طريقهم لإعادة الأسس السليمة لوطن أثخنته جراح الماضي ، ولشعبٍ تلاعب بمصيره حكام أذاقوه الامرّين ... برهن السودانيون في ثورتهم السلمية انهم أمناء على سلامة الأرواح والممتلكات والمؤسسات وامن المواطنين ، بعكس ما عهدناه في الانقلابات والثورات في البلدان العربية التي تميزت معظمها بالفوضى والسطو على البنوك وتحطيم منشأت ودوائر الدولة ، وقتل واغتيالات ، وأعمال عنف متبادلة بين النظام السابق واللاحق ... وهذه بحد ذاتها تحسب ظاهرة إيجابية لصالح هذا الشعب التواق الى الحرية والعيش الكريم ...

وبعد مرور فترة بين التجاذبات بين العسكر وأقطاب المعارضة الآخرى التي أطاحت بالبشير ، تبلور الوضع في ان تكون للقيادات الوطنية كفتها الراجحة واختياراتها السليمة ،طالبت بحكومة مدنية ، وبالمساواة بين ابناء الشعب بمختلف انتماءاته الدينية والاثنية ... توضحت الصورة بتشكيل حكومة وفاق وطني لا تمت الى الطائفية بصلة ، بل أعلنت منذ اللحظة الاولى ، وعلى لسان رئيس وزرائها عبدالله حمدوك القادم من اديس ابابا ، عن فتح صفحة جديدة من المساواة ، ومنها اشراك المرأة في تشكيلة المجلس الانتقالي ، لتتولى سيدتان ( إحداهن مسيحية ) حقيبتين من أصل إحدى عشر ، ستة منهم مدنيين ، وخمسة عسكريين ...

من هو الدكتور عبدالله حمدوك ؟

باختصار ، د. عبدالله حمدوك هو سوداني من ولاية اردوفان ، من مواليد ١٩٥٦، تزامن مع ولادة السودان واستقلاله في نفس السنة ، بكلوريوس زراعة ، ماجستير ودكتوراه اقتصاد من بريطانيا ، خبير اقتصادي تقلد مناصب رفيعة في الامم المتحدة، ، وفِي منظماتها الانسانية والاقتصادية في القارة الأفريقية ، ذو خلفية شيوعية ، رفض منصب وزير المالية الذي عرضه عليه البشير سابقاً ...

في اول خطاب له ، اختار شعار المرحلة ( حرية ، سلام ، عدالة ) ركّز د. حمدوك على مجمل القضايا المزمنة ومنها العدالة الاجتماعية والمساواة ، وإنعاش الاقتصاد ومعالجة البطالة ، ومحاسبة المفسدين ، وإيقاف الحرب الأهلية ووضع نهاية لها ...

ما يعزز دور د. حمدوك ، هو الدعم الذي يقدمه له زعيم حزب الأمة الصادق المهدي الذي عُقد الاجتماع الاول للحكومة الانتقالية في منزله، وقبول الجماهير السودانية لهذه الشخصية الوطنية ...

ما يحسب إنجازاً فريداً للشعب السوداني في هذا الوقت العصيب ، انه قاد التغيير بنفسه ، وتحمل مسيرة الايام الصعبة بانضباط وروح مسؤولية عالية ، دون تدخل ، او اللجوء الى القوى الخارجية التي تفرض وجودها وشروطها ومصلحتها مثلما حدث لمعظم الانقلابات في الدول العربية ، والأمثلة كثيرة ابتداءاً من سوريا التي يتحكم في قرارها اكثر من قوة محلية ودولية ، والعراق ،وليبيا واليمن ، وغيرها في الطريق ... انها تجربة وطنية يبدو ان الشعب لن يفرط بها ، ويتضح مدى التسابق مع الزمن من قبل المجلس الانتقالي ورئيس الوزراء د. حمدوك وطاقمه ...

لقد صبر السودانيون طويلاً مثل غيرهم من الدول العربية المبتلية بسلطات دكتاتورية ، حدثت انقلابات كثيرة ، وتعاقبت عليه عهود مظلمة ، ولكن ارادته انتصرت في النهاية ، بثورة حقيقية هدفها التغير نحو الأفضل ...

لقد لاحت بوادر التقييم لهذه الثورة ، بسرعة اعتراف الكثير من الدول الغربية ، واستعداد الولايات المتحدة لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على حكومة عمر البشير الذي كان مطلوباً لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي ...

عندما يتولى قيادة البلاد ابناءها المخلصين ، المستعدين للتضحية من اجلها ،ومن اجل تقدمها ، ووضع الشعب في المكان اللائق بين الامم ، فلا بد ان تحضى تلك القيادة بالحب والتأييد والمؤازرة ، وهذا ما ستثبته الايام ، ونتمنى ذلك ، لشعب السودان الذي أبهر العالم بصبره وصموده وانضباطه وحرصه على استقلالية القرار ووضع قطار المستقبل على السكة الصحيحة ، وتفويت الفرصة للمتصيدين في الماء العكر ... عسى ان تستفيد بقية شعوب المنطقة الغارقة في الصراعات الداخلية والخارجية ، من هذه التجربة التي صنعها الشعب ، فأتقن صناعتها ...

  كتب بتأريخ :  السبت 24-08-2019     عدد القراء :  560       عدد التعليقات : 0