شوق وحنين وثناء لجبل القوش

أرغمني الحنين إليك يا جبلي للكتابة عنك ثانية وبعد بضعة سنوات. عندما تمتثل أنت أمام مخيلتي تتضاءل عندي أهمية الجبال الشهيرة مثل الهمالايا وروكي والألب وطوروز وجبل كارا وقنديل ومتينا وأخرى. اعتبرك يا جبلنا عماد قوتنا وثباتنا وديمومة عزتنا وكبرياءنا وأنت معين لصون كرامتنا عبر الدهور.

امتلءى فخرا وأنا اتحدث عن الوادي الفسيح عند جناحك الشرقي والذي احتضن المعقل الحصين للرهبنة ومنار نشر المسيحية على يد النسر الخالد الراهب المتزهد هرمزد عندما حط رحاله هناك بمعية اخرين في القرون الأولى لنشر التبشير. نقر هؤلاء النساك صوامع في صخورك مكنتهم من مقاومة شداءد الزمن ومن نثر بذور أينعت واعطت حصادا وفيرا وزادا فكريا لرواساءنا الروحانيين الاحقين والذين لا زالت أضرحتهم هناك شهودا أمناء.

أدير وجهي إلى الوادي عند جناحك الغربي حيث ينساب ذلك النهير الخالد أمام قرية بندواي حاملا الخير ومنذ الأزل لابناء أشور والأقوام من بعدهم. قد أكون مصيبا إذا قلت ان لهذا النهير دورا في امتلاء وتأطير جوانب من شخصيتنا.

لقد شاركتنا يا جبلنا مصاءبنا وحملت قسطا من همومنا على كتفيك ومع ذلك ترفعت ولم تشعرنا بفضلك علينا ولم توبخنا لو نحن أخطاءنا واضهرنا نواقصنا وضعفاتنا البشرية. اعجبتني حياديتك سواء انتسبنا إلى النسطورية أو أعلنا جهارا انتماءنا إلى الكثلكة. وأنت لم تبد أي اعتراض لو قلنا ان اصولنا آشورية أو كلدانية أو بابلية. أتمنى يا جبلي الا تكون قد سخرة من اجتهاداتنا السياسية ومن انخراطنا في الأحزاب ومن من احدها إلى الآخر.

استميحك العذر يا جبل واستفسر منك بما يخص التاريخ وعما جرى لتلك القوافل من اخوتنا الاثوريين الذين كنت أشاهدهم يوميا في طفولتي وهم ينحدرون من قممك إلى سوق القوش. كان الزي الشعبي لهولاء القوم وغطاء رأسهم يزيدك رونقا وبهاء. لماذا اختفى هؤلاء كليا؟ هل حصل تغير ديمغرافي أم هجرة جماعية لسبب م؟.

أتاملك ليلا يا جبلي وأحسبك ذلك الحارس اليقظ ولسان حالك يقول يا إحباءي أخلدو للنوم أنا هنا. أنت تبعث الأمان في نفوس رعاة أغنامنا وتجعلهم يلقون بأجسادهم على صخورك وهم متلفحين بمعاطفهم السميكة التي تحيكها الأيدي بطريقة بدائية لكنها راءعة. هل أنت على علم يا جبلنا باءن الأمهات يذكرنك عندما يهزن مهد الأطفال ويهدهدن لهم كي يناموا بسرعة؟ وهل تعلم ان حكايات جداتنا تحوي قصصا شهدتها سفوحك ووديانك ويصل البعض منها إلى مستوى السطورة المثيرة؟. من دون الحصول على إذن منك يذكرنك في أحزاننا وماتمنا النساء الباكيات الناءحات على فقدان المغدورين وتنساب من افواههن كلمات لها وقع موءثر ولمسة عاطفية.

أبوح لك سرا يا جبلنا عندما كنا نحن الصغار نقف على قممك كنا نشعر بالزهو وبأننا اطول قامة واشد قوة ونحن نرمي بأبصارنا على السهل الفسيح الذي يصل أطراف مدينة الموصل.

اثبتت التجارب يا جبل القوش بانك خوذتنا ودرعنا وحصنوا. كنت كريما بتقديم وديانك وكهوفك ملاذا وينابيعك الشحيحة ماءا عذبا لرجال فضلوا الاستبسال واثبات التميز بالشجاعة والفروسية ورفض المذلة. وكم من مرة استنجد بك الهاربون من سطوة الحكام وصاحوا وا جبلاه وا جبلاه. لا تستغرب يا جبلي ان قلت ان العاشقين اتخذوك مصدر ثقة وافشًوا لك وحدك سرهم الذي حفظته في أعماقك.

اشتاق يا جبل القوش إلى روءية منظرك شتاءا وأنت احيانا متوج بالثلج وأحيانا أخرى قممك تعلوها السحب ووديانك غارقة في الضباب أو تتدفق منها سيول تجرف معها الأحجار والصخور. راءع هو عندما يقف المغني الشعبي في احد وديانك ويعود اليه صدى صوته ويشعر بالنشوة ويزداد اجادة في الغناء. هل تعلم بان هواة الصيد من اهلنا يستثمرونك لإثبات مهارتهم وإغناء مجالسهم بأحاديث جذابة عن صيد أرنب أو ثعلب أو طير القطا والدراج والحمام وغيرها؟.

اسمح لي يا جبلي استخدامي اللغة المجازية واختارك موءرخا صادقا لتوثيق احداث شاهدتها أنت  في ستينيات وسبعينات القرن الماضي. حينها تسلقك ذلك الفهد ابن القوش الأصيل والفريد والمتميز ومعه اخرين متسلحين بالنوايا الطيبة وحالمين بسماء مطرزة بنجمات لامعات وبقمر منير وبنهار بهيج تهديه الشمس شعاعاتها بسخاء. حمل ذلك الفهد الآمال التي كانت حينها تتجاوب مع ما تتطلع اليه واسعة من  رافظي الاستبداد ومن المقهورين. تحولت تلك القامة لذلك الفهد بجدارة إلى أيقونة ورمز في مناطقنا وابعد لان صاحبها جسد الشجاعة والنبل وسمو الأخلاق والترفع عن الصغائر.

يا جبلنا يا جبل القوش تبقى دوما ماثلا أمام اعيننا وحاضرا في وجداننا مهما ابتعدنا عنك. تبقى وديانك تعكس صدى رنات النواقيس وأصوات اناشيد وترانيم القساوسة والشممامسة.

نجيب اسطيفانا. /ألمانيا

  كتب بتأريخ :  الأحد 25-08-2019     عدد القراء :  704       عدد التعليقات : 1

 
   
 

يونس كوكي

حوار شخصي جميل للأستاذ نجيب مع جبل القوش الذي هو الظهير المتين لالقوش عبر الزمن ، لكن يعتب علينا الجبل رغم مرور سنين لا باس بها لو كل من يسكن بحماية الجبل ان يساهم بإضافة ولو شجيرة معمرة فيه او عمل مدرج ما على احد سفوحه او استثمار او إيجاد كهوف جديدة فيه بدلا من التفكير في الهجرة الى المجهول ، مجرد راي .