من أطلق الرصاص على علم العراق

من تحت أكوام الركام الوطني المتكون من الآلاف من أطفال الشوارع الذين يهيمون صيفاً تحت العواطف الترابية وشتاءاً تحت زخات المطر ، والذي إختلط فيه اللون الأصفر والأسود ، الأصفر لون جفاف الأراضي الزراعية العراقية والأسود لون التلوث البيئي الذي نشر الأوبئة والأمراض المستعصية بين المواطنين ، من تحت هذا الركام بزغت نبتة مضيئة لم تستطع العواصف أن تقتلعها ولا ( الصبات الكونكريتية ) أن تحتجزها . لقد إختص السادة أنفسهم باللون الأخضر وكما رُفع اللون الأخضر من الأرض العراقية رُفع أيضاً من علمها وخصصوا لأنفسهم بقعة خضراء تخصهم وحدهم ثم جعلوا من أنفسهم أولياء وسادة لا يأكلون ما يأكل الناس ولا يستشعرون البرد أو القيظ ، يبدلون وجوههم ويصبغونها كل يوم بلون حتى أصبحوا كالحرباء وحتى لم نعد نعلم من هم وكيف هم ، يجلسون على عجز في الميزانية يقدر بأكثر من ٢٤ مليار دولار وعلى مئات المليارات من الدولارات من السرقات في الوقت الذي يتسول فيه آلاف النساء والأطفال والشيوخ ، ثم نسمع منهم بأن السلة العراقية قد أشبعت الشعب العراقي كله . تُرى إذا كانت قد أشبعت فلِم يخرج الشباب الغاضب إلى الشوارع عراة لا يملكون سوى جلودهم التي تنضح عرقاً حاملين علم العراق ومنشدين نشيداً وطنياً كان هو أول ما تعلموه في مدارسهم ، فتستقبلهم رشاشات الأمن المحلي وأحدث أنواع التكنلوجيا العسكرية ، مثل الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي والمطاطي والقنابل الصوتية ، لم يُحرق هؤلاء مدرسة أو مستشفى أو بنك ، ولم يهدروا المال العام  كما أهدر السادة ، ولم يُسرقوا جيوب الأرامل والأيتام ، لم يسخروا من شعبهم بجعلهم العلاج والتعليم والعمل والماء والكهرباء والخدمات العامة سلعة تُصرف لها مليارات الدولارات لكنها تخرج من الجيب الأيمن لتسقط في الجيب الأيسر ، فلا تُصرف لعلاج الفقراء ولا على محطات الكهرباء أو محطات تصفية المياه ، ولا لخلق فرص عمل جديدة من خلال المؤسسات الإنتاجية بل تتحول إلى رواتب ميلشيات وأسلحة خفيفة وثقيلة تتوجه لصدور أبنائنا الذين ملوا من الجلوس على المقاهي ومن التجوال بين مؤسسات الدولة بحثاً عن عمل وهم لا يمتلكون الوساطات أو أثمان الرشاوي . يحدث هذا في بلد يُعد من أسوأ دول العالم في الفساد الإجتماعي والإقتصادي والإداري .

بعد أيام من المظاهرات وبعد سقوط أكثر من  ٦٠ قتيلاً  وأكثر من ١٦٠٠ جريح حسب مفوضية حقوق الإنسان في العراق ، يخرج علينا رئيس الوزراء ليمجد قوات الأمن فيقول ( نحيي قواتنا المسلحة الأبطال الذين أظهروا قدراً عالياً من المسؤولية وضبط النفس بوجه - المعتدين غير السلميين - وتسببوا عمداً بسقوط ضحايا من المتظاهرين ) . ثم أكتفى رئيس مجلس النواب ( نواب الشعب ) للتحقيق في الأمر .

تُرى من هم المعتدون  ، أهم هؤلاء الشباب العُزل ، وكيف يُعقل أن يتقدم أحدهم بسكين أمام رجل أمن مدجج بالسلاح وبواقي الرصاص ولا يستطيع أو يبادر رجل الأمن بطرحه أرضاً برصاصة واحدة . من الواضح بأن هؤلاء الشباب الذين لا يملكون قوت يومهم لا يملكون حتماً أثمان السلاح ، بل هم البذره النقية التي نبتت من تحت الركام ، ومن المؤكد بأن هؤلاء لن ينالوا ( بركة ) السيد رئيس الوزراء .

إن تصريح المتحدث بلسان الخارجية الأمريكية قد أكد على أن المظاهرات هي ظاهرة طبيعية في الديمقراطيات ولكن بلا عنف . ونحن لم نجد أي دولة ديمقراطية تعامل المتظاهرين أو تقابلهم بالرصاص الحي كما حدث في مظاهرات الستر الصفراء في فرنسا أو المظاهرات الحادثة في الولايات الأمريكية  أو آستراليا ، وأقصى ما يستخدم في هذه المظاهرات هو خراطيم المياه أو الغاز المسيل للدموع .

إن إستخدام العنف الدموي ضد المتظاهرين يُخرج النظام من حيز الديمقراطية إلى حيز الديكتاتورية . إن الشباب الذين إستقبلوا بصدورهم وسقطوا صرعى قد سقطوا وبأيديهم علم العراق وأعطوا لهذا العلم معنى لألوانه ، فكان اللون الأسود قد قلب حقيقة أرض السواد إلى حقيقة أخرى جعلت في كل بيت عراقي سواداً ، وأعطوا اللون الأبيض للضمير الحي لأبناء العراق ، ثم أعطوا اللون الأحمر لدمائهم التي سالت على جباههم .

لقد رفع هؤلاء الشباب وشاح الأولياء من على ظهور السادة ووضعوه على ظهورهم ، فهم قد رفضوا قوانين السماسرة الذين لا يرون ولا يسمعون ولا يتكلمون ، لكن هؤلاء الشباب لا يملكون ولا يخسرون وقد جعلوا أجسادهم علماً للوطن العراقي الذي لا يموت .

  كتب بتأريخ :  الأحد 06-10-2019     عدد القراء :  144       عدد التعليقات : 0