الطغمة السياسية الحاكمة في العراق فقدت مقوماتها الأخلاقية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية

ــ لقد فقدت الطغمة السياسية المتربعة على قيادة البلاد والعباد منذ عقد ونصف من السنين العجاف قيمها الأخلاقية فعناصرها لا يستحون ولذا فإنهم  يظِنّون أنَّ من حقهم أن يفعلوا ما يشاؤون، فقد إنغمست هذه الطغمة ومنذ توليها زمام الأمور في الفساد وسرقة المال العام والتزوير وبيع وشراء الذمم والأصوات والمناصب وإثرائهم غير المعقول ووضعهم لقانون إنتخابي تم تفصيله على مقاييسهم الخاصة بهم وترك مسقبل الأجيال مرهون بأيدي الكثير من وسطائهم وسمسارتهم الذين صاروا يَجْبون الملايين من أجل توفير فرصة عمل للآخرين ليقتاتوا بها، فلا عدالة ولا مصداقية ولا ضوابط أخلاقية لا في سلوكهم ولا في أعمالهم أو إجراءاتهم. لقد وصل الأمر بهم إلى إستسهال هذه الممارسات وإعتبارها من الأمور الطبيعيَّة وبالتالي تشجيع الآخرين على القيام بها رغم ما يترتب على ذلك من إستخفاف بالأخلاق العامة والثوابت الإجتماعية والسلم الأهلي. كما أنها لن تولي إهتماماً يذكر إلى كوادر البلاد العلمية والفنية ولم تجهد نفسها بالإرتقاء بالتعليم الأساسي والتعليم العالي وتوفير الفرص اللازمة لمن أنهوا تحصيلهم العلمي والعملي ولم تسعى لتقديم أية مبادرة لإستقبال أبناء الوطن الذين إضطرّوا للهجرة لأسباب معروفة للجميع وفيهم الكثير من الكوادر العلمية والأدبية والفنية وزجهم في مرافق الدولة والإستفادة من خبراتهم وعدم ترك الأمور إلى الجهلة والفاسدين والمنتفعين للعبث بمقدرات البلاد وأهلها. ولم تكن إجرائاتهم القمعيَّة الأخيرة بحق المشاركين في إنتفاضة أكتوبر الشعبية المباركة إلا مصادرة لمبادىء الديمقراطية ولحقوق الانسان وإنتهاك فظ لحرية التعبير وتمسك فّج بسياسة تكميم الأفواه وإخراس الأصوات المعارضة. لقد فقدوا ثقة المواطن وبالتالي ثقة الشارع بهم ولم يبق أمامهم إلا مواجهة الناقمين عليهم والذين تظاهروا بشكل سلمي مطالبين بأبسط الحقوق التي حرموا منها لسنوات طوال وبشكل متعمد وبالرصاص الحي الذي وجهوه إلى صدور شبيبة العراق ليزهقوا أرواح أكثر من 150 شاب بدم بارد وينالوا بأسلحتهم الناريَّة أجساد أكثر من 6 الاف آخرين معظمهم في مقتبل العمر محرومين من أبسط الحقوق التي نصَّت عليها الشرائع الإنسانيَّة والدولية ولا يزال عدد كبير منهم يرقدون في المستشفيات وهم في حالات خطرة وقد ذكر شهود عيان بأنَّ إطلاق النار طال حتى سيارات الإسعاف التي تنقل المصابين و المستشفيات التي إستقبلت الجرحى، وكذا إستعمالهم للقنابل المسيلة للدموع والتي تحتوي على مواد سامة لها تأثيراتها المستقبلية على صحة المبتلين بها، بالإضافة إلى حملات الإعتقال التي شملت المئات وتعرض العديد منهم إلى التعذيب الوحشي النفسي والجسدي ناهيك عن ملاحقة الصحفيين والتضييق عليهم ومهاجمة وترهيب وسائل الإعلام المعارضة من أجل إغتيال الكلمة الحرة. وهم يقومون بلا حياء بزيادة الطين بلَّة بتشكيلهم قوة إضافية لقتل المتظاهرين والتضييق عليهم يطلقون عليها لتجميل صنعتهم القبيحة "قوة حفظ القانون" تشكلها ذات القوى التي تجاوزت على القانون والنظام الغرض منها حماية مواقعهم والإيغال في إستخفافهم وتضييقهم على حقوق الآخرين دون الرجوع إلى السلطة التشريعيَّة. ولم ينتبهوا لما أشاعته إجرائاتهم من ردود أفعال دولية شديدة اللهجة وصلت إلى إلغاء عضوية العراق في المنظمة الدولية لحقوق الإنسان التي نحن الآن في أمس الحاجة إليها لكثرة ما تعرضت له حقوق المواطنين في العراق من المصادرة والتسويف والضياع. وبعد هذا كله يظهر علينا مستشار *الأمن القومي* ليكيل السباب والتهم والنيل من الشهداء والمصابين والمتظاهرين ويطالبهم بتقديم الإعتذار لأنهم تجرأوا على رفع أصواتهم بدلاً من أن يعينهم في تخفيف آلامهم ومساعدتهم في تهدئة غضبهم وإمتصاص نقمتهم وتقديم الوعود لهم بملاحقة المجرمين الذين إرتكبوا هذه البشاعات بحقهم.

ــ فقدت قيمها السياسية فهي عاجزة ولحد الآن عن تحقيق السلام في ربوع الوطن وحماية حقوق المواطنين وإشاعة مبادئ الديمقراطية والعدالة الإجتماعية وحماية كرامة الإنسان والحفاظ على السلم الإجتماعي ورعاية الحريات الفردية، فلم تتمكن هذه القوى من تقديم مشروع سياسي واضح المعالم للسير عليه وتمشية أمور البلاد وقد قادهم هذا التخبط للجوء إلى إجراءات ترقيعية لا تقوى إلا على تدوير الفشل وتأجيله وخلق أزمات جديدة متعمدة، ولم يقدموا أية حلول جذريَّة لحل الأزمات الفعلية المتراكمة بل صاروا يجتهدون لتقديم الحلول الممكنة لإطالة أمدهم والإيغال في مفاسدهم ولبؤسها صارت هذه الطبقة تنتظر خطب الجمعة وتوجيهات المرجعية التي أخذت تتعكز عليها فقط لعدم قدرتها على تنفيذ ما ورد فيها وإستيعاب محتوياتها وأخذت تتمادى في إصطفافها إلى جانب جيرانها من أبناء المذهب على مصالح أبناء الوطن ومن جانب آخر إغماضها العين وخضوعها للإبتزاز وتقديمها التنازلات أمام الكثير من القوى التي وقفت بالإمس مع أعتى القوى الإجراميَّة التي تعرض لها العراق في تأريخة الحديث ومنها ما له صلات وإرتباطات بإجندات خارجيَّة بالإضافة إلى ركوعها أمام القوى المتسلطة الفاسدة من الأحزاب الكردية التي تستحوذ على معدلات كبيرة من موارد البلاد مثل النفط والمعابر الحدودية والمطارات وبقية الخيرات المنتشرة هناك والإنفراد بها لمصالحها الخاصة وحرمان إخواننا المواطنيين من أبناء القومية الكردية منها، حيتان الفساد  الكرد السائرون على ذات السلوك السيء الصيت مثلهم مقابل حصولهم على دعم هذه القوى وعلى طريقة هذه حصتنا وهذه حصتكم (وأنعل أبو المواطنين لا أبو اليدافع عنهم).

ــ فقدت قيمها الإقتصادية فقد إنهارت جميع مشاريعها الوهمية وذهبت المبالغ الكبيرة والمقدرة بمليارات الدولارات المخصصة لهذه المشاريع إلى جيوب حيتان الفساد من قادة أحزاب المحاصصة المذهبية والقومية وقادة الميليشيات الطائفية الذين تعمدوا سرقة أموال وممتلكات الدولة وحتى المواطنين وبظلهم إنهار المنتج المحلي الزراعي والصناعي والخدمي حيث جفت المزارع والحقول والبساتين وتعطلت المصانع وتوقفت الخدمات في الكثير من المرافق العامة للبلاد وأصبحت نسبة المواد التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية تتجاوز ال 80% تعتمد على المواد المستوردة وتشكل المواد الغذائية النسبة الأعظم فيها. في ظلِّهم إنهار الإحتياطي المركزي للبلاد وتدهورت العملة الوطنية أمام العملات الأخرى، كل هذا رغم زيادة الصادرات وما ترتب عليها من الحصول على الملياردات بالإضافة إلى تنوع المصادر الأخرى.

ــ فقدت قيمها الإجتماعية فقد بذلت هذه القوى كل الجهود من أجل تفتيت اللحمة الوطنية وتقديم مفردات العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب والقومية على عنوان الهوية الوطنية الأكبر، وهو الإنتماء إلى العراق، وتحايلوا على القوانين وأهملوها أو سيَّروها لأهوائهم ومنحوا شيوخ العشائر فضاء واسع للتلاعب بمقدرات المواطنين حتى أصبح سلطانهم كما هو سلطان المليشيات التي تحميهم فوق القانون. وإتباعهم سياسة التفاضل بين أبناء المجتمع والإغداق على مناصريهم من العائلة والمذهب والقبيلة وإهمال من خالفهم، وكثرت في المجتمع حالات الخطف والتغييب والفساد الجنسي وتفشى تعاطي المخدرات وشيوع أخلاقيات غريبة عن المجتمع ناهيك عن الكوارث اللإنسانيَّة التي أفرزتها حالات البطالة وما ترتب عليها من فقر وجوع ومرض بين نسبة كبيرة في بلد الخيرات الوفيرة. كما تماهت هذه القوى في عدم إحترام مبادئ المساواة بين المواطنين وطمس حقوق المرأة وإستأسدت بإضعاف دورها في المجتمع وضيَّقت عليها الفرص حتى جعلت منها عبداً مطيعاً لزوجها ليس إلا.

ـــ نعم نأمل ونتمنى أن تتسع وتنتظم التظاهرات ويشاركون فيها من أصابتهم الأوجاع ولهبت صدورهم نيران الفساد المستشري وتتظافر جهود التنسيقيات وتتوحد الشعارات ويتم التضييق على خناق المتربصين ومتحيني الفرص والعابثين واللاهثين لركب الموجة وحرف هذه التظاهرات عن الطريق السليم والغايات الصحيحة التي إنبثقت من أجلها وعدم إحتوائها وإفراغها من مضامينها والمحافظة على أرواح المواطنين وممتلكاتهم العامة والخاصة. كما نأمل وقفة وطنية شجاعة من قبل القوى المكلفة بحماية المتظاهرين من أبناء القوات المسلحة بتأدية واجبهم الوطني والإنساني والقانوني بحماية المواطنين وعدم الإعتداء عليهم.

ـــ العراق وأهله وتاريخه ومستقبله يستحقون من هو أفضل من هذه الطغمة وما هو أفضل مما قدَّموه، وببساطة فقد لفظ  الشارع هذه الوجوه الكالحة كما لفض من سبقهم فليرحلوا قبل أن تحترق البلاد فلم يبقى للمواطنين ما يفقدونه ويأسفون عليه في مواجهتم والخلاص منهم وبلا رجعة، وليتخذوا من التطورات الجارية في لبنان درساً لهم ويكون المشهد اللبناني شاخصاً أمامهم. المجد للعراق، الأمن والأمان لأهل العراق، الخير كل الخير لمستقبل العراق بأيدي أبنائه البررة.

  كتب بتأريخ :  السبت 19-10-2019     عدد القراء :  160       عدد التعليقات : 0