والثورة مستمرة ...

ان يكون الشارع سرير ، والسماء غطاء ... ان تتجلى الأهداف بنكران الذات ... ان ينسى الثوار أمعائهم الخاوية ، ليجدوها لذة الشراكة في تقاسم الرغيف ، كمشاركتهم الهدف والمصير ...تتراكم وتتعمق التجربة وتتوضح رؤية جديدة ، هي الانتصار الحقيقي لانتفاضة وثورة على كل شيئ، فهي تخطت ومنذ الْيوم الاول ، حواجز العقائدية المناطقية

والطائفية ، وتبنّت لها وسائل سلمية ...

تتجمع الجداول اكثر مما تتفرع ، لتصنع نهراً عظيماً ، وتتوحد الحناجر بالهتاف للوطن لتصنع هديراً يخرس كل الألسنة الماكرة ...

الذي يتقدم حتى على الأرواح ، غيرة على الوطن الممزق الذي ينزف أرواحاً ...

الذي بات مقدسا، هو هذا الحب الذي تجلى في مسيرة لاول ثورة في التاريخ لا طموح للثوار ، إلاّ ان يضعوا بلسماً على جراح كل ام وآب وشقيق وشقيقة وجدوا أحباءهم قرابين على مذبح الحرية ، أن يرفعوا الغبن المتراكم عبر السنين ، ولا تختفي عن أنظارهم مطالب الناس وطموحاتهم المشروعة ،لا يبحثون عن جاه شخصي ، ولا عن امبراطورية كتلك الفارسية والعثمانية التي سحقت كل القيم والاعراف الانسانية ، ولا طمع الاّ بذلك الذي يضع الوطن في موقعه الصحيح بين الأمم ، أن ترفع سواعدهم وترمم بقايا شعب مزّقه الحاقدون ، يضعون الشخص المناسب في المكان المناسب ، وبعد الاطمئنان على هواء الوطن النظيف ، كطهارة النفوس التي تعمذت بالتضحيات ، وغمرتها العفة والعصامية والاستقامةً ...وبعد ان يبدأ هدير المصانع ، وخرير المياه الصافية ، وتستعيد الارض حلتها الخضراء ... حينذاك يعود الطالب الى مقعده ، والعامل الى مصنعه ، والفلاح الى حقله ، والعالم الى مختبره ...وسيعيدون المساهمة في سلة العالم الغذائية مثلما كانت مصانعنا تصدر الى الدول التي هي الان غارقة في النعيم ...

سيفتحون قنوات الري التي شقّها اجدادنا لاعادة الاعتبار لبلد السواد ... وستصدح مسارحنا بسمفونيات المشاهير تتناغم مع روايات وقصص الأدباء والشعراء ، والبطولات ، تنسجم مع ملاحم كلكامش وانكيدو ، وتصفق للوحة العراق الجديدة ...

الثورة مستمرة ، ولكنها مختلفة هذه المرة عن كل الثورات ، فلا من طامع بكرسي مدى الحياة ، ولا بمكاسب شخصية ، ولا بأكثر مما يستحقه من مكانة ، ولا من يستطيع بدأً من هذه الاوقات ، ان يقود البلاد وهو يغرد خارج السرب ...

الثورة مستمرة ، تعتمد على العلم والمعرفة والتقصي ، تربي الاجيال بمفاهيم العصر،والتعود على النظام ، غير تلك العهود التي سلخت منها افكارهم وتاهت بها أنفسهم في صراع بين مخلفات الماضي ، ومستجدات الحاضر المتسارعة ...

والثورة مستمرة ، لا تهدأ ، بل تبحر في رحاب المستقبل ، تدافع عن وجودها واستمراريتها ليرى العالم حقيقية العراقيين ...

والثورة مستمرة ، متمسكة بالسلم الذي يخلق الجمال والطمأنينة ، وليس بالعنف الذي يولد العنف المضاد ، ترفع الحيف عن المظلومين ، وتنصف المغبونين ، وتعيد للقانون هيبته ، لتنشر المساواة وترسخ أسس العدالة التي يجب ان تكون سمة المرحلة القادمة ، لا ترتفع قامة زيد على عبيد ومن اية ملَّة كان ، ولا يتقدم عليه الا بالإخلاص والابداع في العمل ...

انها تفسير لحلم عراقي طالما رنّمته كل ام عراقية وهي تهزّ مهد مولودها الجديد ، ليكون هذا الجديد ما يصر عليه شابات وشباب الوطن لوضع تلك المناجاة في سياق تطبيقاتها على ارض الواقع ...

والثورة لا بدّ ان تستمر ، ولا بدّ ان لا تستسلم بعد الان لأية مؤامرة او التفاف ، ولا لأية وعود ماكرة ...

انها تحفر للأيام القادمة ملحمة أخرى تضيفها الى صفحات المجد الغابر ، تنقشها بسواعد ابنائه في لوحات ، مثلما حفرها اجدادهم في أرقامهم الطينية بتلك الخطوط المسمارية التي حيّرت العقول ...مثل رموز الحكمة والقوانين في مسلة حمورابي ...

وستبقى الثورة هذه سرا من الأسرار التي ستفتخر بها الاجيال الى ما لا نهاية في الزمن القادم ...

  كتب بتأريخ :  الخميس 12-12-2019     عدد القراء :  872       عدد التعليقات : 0