ثلاثة أشهر هزّت العراق والعالم !
بقلم : عبد الحليم الرهيمي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

مع نهاية شهر ديسمبر – كانون الأول الجاري وبدء العام الجديد 2020 تكون حركة الاحتجاجات التي انطلقت في الأول من اكتوبر ثم ارتقت الى مستوى الانتفاضة الشعبية الواسعة ،

قد دخلت شهرها الرابع وأنهت ثلاثة أشهر من مسارها الصعب الذي تعمد بدماء آلاف الشهداء والضحايا .. فهل كان وقوع هذا الحراك الشعبي – الانتفاضة بمثابة زلزال مدوٍ هزّ العراق والعالم ستترتب عليه آثار ونتائج تاريخية مهمة في وجهة ومضامين الأحداث لترسخ تشكيل مرحلة جديدة من تاريخ العراق هي غيرها ما قبل الأول من اكتوبر ؟

لقد أصدر الصحفي الأميركي (جون ريد) في كانون الثاني عام 1919 كتابه الشهير (عشرة أيام هزّت العالم) والذي رصد فيه ووصف أحداث (الثورة البلشفية) في روسيا التي اندلعت في 25 أكتوبر عام 1917 بعد معايشته المباشرة وتسجيله لأحداث أيامها ولحظاتها الصاخبة والتي وصفها في مقدمة الكتاب بأنها واحدة من أعظم أحداث التاريخ الإنساني وإن أيامها العشرة الأولى قد هزّت العالم ، وهو الوصف الذي اتخذه عنواناً معبراً لمضمون كتابة .

لاشك أن ظروف وأسباب وأهداف اندلاع حركة الاحتجاجات – الانتفاضة ونتائجها في العراق هي غيرها في ظروف وسياقات ثورة اكتوبر الروسية البلشفية ، لكنها وفق ظروفها الخاصة ومقدماتها وأهدافها وشعاراتها وتضحياتها وطروحاتها الوطنية والتنويرية ، وكذلك تصميمها على إحداث التغيير والإصلاح الحقيقيين لإقامة دولة عراقية جديدة عادلة ورائدة لا دولة (حضارية حديثة) زائفة مستنسخة من الإسلام السياسي قد مثلت حدثاً أو زلزالاً هزّ العراق والمنطقة والعالم ، بما أنجزته هذه الانتفاضة حتى الآن وبما سيترتب على اتساعها وصمودها وأهدافها من نتائج ومخرجات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية على صعيد الداخل العراقي وعلى صعيد علاقاته الإقليمية والدولية المتوازنة ، وكذلك بما يعزز الولاء والإخلاص للعراق وشعبه والتي يقام في ضوئها أفضل علاقات التعاون المتكافئ والمصالح المشتركة مع الدول الاقليمية ودول العالم الأخرى وبما يضمن تعزيز السيادة والاستقلال بعيداً عن التبعية المدمرة والولاء للآخر على حساب الولاء الوطني المطلوب للعراق وشعبه .

وهكذا يمكن القول ، إنه مثلما شكّلت الثورة الفرنسية العام 1789 وكومونة (عامية) باريس العام 1871 وثورة اكتوبر البلشفية العام 1917 والثورة الايرانية العام 1979 أحداثاً مهمة عاصفة في التاريخ الانساني ، فأن حركة الاحتجاجات – الانتفاضة المندلعة منذ ثلاثة أشهر يمكن إدخالها بجدارة ، ودون مبالغة ، في دائرة أو مكانة تلك الأحداث التاريخية التي هزّت العالم . ذلك أن هذه الانتفاضة التي يطلق عليها البعض صفة (الثورة) قد هزّت فعلاً وجدان الشعب العراقي وضميره ووعيه والتي عبّر عنها برغبته العارمة للتغيير والإصلاح والتخلص من سلطة الفساد وانعدام العدالة والمساواة وإنفاذ القوانين وانعدام الخدمات والتنمية والتردي المروع للنظامين التعليمي والصحي وافتقاد الممسكين بزمام الأمور للولاء للشعب والوطن .. لقد كانت هذه الأسباب والمبررات وغيرها كافية لأن تهز الانتفاضة غالبية العراقيين من مختلف المحافظات ومن مختلف الفئات العمرية والانتماءات الدينية والمذهبية والمناطقية والفكرية . كذلك ومثلما هزّت هذه الانتفاضة الوضع الشعبي وأربكت الطبقة السياسية المهيمنة ، التي لم يدر في خلدها يوماً أن الرفض الشعبي لها بهذا الاتساع والغضب ، فقد هزّت هذه الانتفاضة أيضاً دول الاقليم التي أربكت الانتفاضة حساباتها ومشاريعها غير المنصفة في العراق فأصيبت بالحيرة والاحباط اللذين دفعا تلك الدول للتخبط في مواقفها إزاء الانتفاضة .

أما الاهتزاز الذي احدثته الانتفاضة في العالم فقد تجلى في المتابعة الدائمة والمتوترة لأحداث الانتفاضة وتضحياتها وما تقوم به الأجهزة الأمنية تجاهها فضلاً عما تقوم به عصابات (الطرف الثالث) المجهول المعلوم من قنص وقتل للمحتجين . لقد عبّرت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية الإنسانية المعنية بحقوق الإنسان عن تأييد الانتفاضة وأهدافها المشروعة وأدانت بقوة مواجهتها بالقوة وبالعنف الأكثر من مفرط . وبذلك هزّت الانتفاضة ضمائر العالم بشعوبه ودوله لمشروعية وشجاعة وصمود المنتفضين وعزمهم على الانتصار وتحقيق أهدافهم .. إنها حقاً ثلاثة أشهر هزّت العراق والعالم .

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 01-01-2020     عدد القراء :  168       عدد التعليقات : 0