أتفاق العراق – الصين

سلسلة من الحكومات العراقية المتعاقبة ما بعد 2003 اثار فيها ملف الاعمار جدلاً بعد ان ابتدأت مراسيم فتحه بشعارات ثخنت الدعايات الانتخابية و استهلاكها كممر آمن لتحقيق الاهداف السياسية .

عانى العراق بالاضافة الى سنوات الحصار و الحروب دماراً للبنى التحتية اختتمت فعاليت ذلك الدمار بحرب الخليج الاخيرة التي انتهت بسقوط نظام البعث مما شكل الاعمار شاعراً رفعته القوات الامريكية نتيجة الدمار المركب الذي خلفه تدخلهم بالعراق و ليباشر الجيش الامريكي بعدد من المشاريع لم يشكل تنفيذها واقعاً و تغيراً ملموساً في بنيته التحتية .

و نتيجة للظروف السياسية و الحرب الاهلية و الاستقرار المتذبذب و تهديدات القاعدة و داعش و التي اختتمت بسقوط الموصل و نتائج تحريرها ادى الى نتائج كارثية و شلل شبه تام في هذا الملف اي ملف الاعمار.

فلو نوقش فشل هذا الملف على مر الـ 16 عاماً لسجلنا الاسباب الاتية على الاقل لا للحصر :

- الفساد المالي

- الترهل الاداري

- الظروف السياسية الداخلية و الخارجية بالاضافة الى الحرب الاهلية و النازحين

- عزوف المتصدين بسبب الشكاوي الرقابية و استقراطية الضوابط .

- بطأ ميكانيكية عجلة تعليمات تنفيذ العقود الحكومية لأسباب تتعلق بالامكانيات الفنية .

- التعقيدات في النظام المصرفي

- ضعف اعداد وثائق المناقصة

- الضعف في الامكانيات فنية و ادارة المشاريع

- القصور في فلسفة الميزانية الاتحادية .

- غياب او ضعف عامال الجودة

اغلب هذه الاسباب ادت الى غياب المشاريع الاستراتيجية (Mega Project) التي تنعش التنمية البشرية بالاضافة الى سوء جودة المشاريع المنفذة و تلكؤ العديد منها و التي صرح بها مؤخراً رئيس مجلس الوزراء العراقي المنتهية صلاحيته خلال مناقشته لموازنة 2020 و الاتي اشار فيها الى أن المشاريع المتلكأة من هيأة الاستثمار بلغ عددها 989 مشروع قيمتها 17 مليار دولار سببت بتوقف مباشر لعمالة 61000 فرصة عمل ادت الى توقف غير مباشر للعمالة 304 فرصة عمل.

شكل تأخر ملف الاعمار عاملاً سلبياً في توفير فرص العمل و ارتفاع نسب الفقر ففي وثيقة أستراتيجية التخفيف من الفقر 2018/2022 و التي مثلت رؤية كل من الامم المتحدة و البنك الدولي و الحكومة العراقية المتمثلة بوزارة التخطيط العراقية أشار مضمونها الى أحصائية لعام 2012 أن 48% من السكان في العراق أعمارهم أقل من 18 عاما بينهم 23% فقراء، أي كل طفل من أربعة أطفال يصنف فقير، وتشير الإحصائية الدولية إلى أن 5% نسبة الأطفال الفقراء في كردستان، و50 % نسبة الأطفال الفقراء في المحافظات الجنوبية".وبحسب مصادر حكومية فإن "أعداد الموظفين في القطاع العام والمتقاعدين تبلغ أكثر من خمسة ملايين شخص يستهلكون نصف ميزانية العراق المالية سنويا كرواتب، مما يعطل توفير الأموال اللازمة للتنمية الشاملة، وأخذ الدين العام بالازدياد في العراق منذ عام 2013، اذ ارتفع من ( 73,1 ) مليار دولار، إلى (132,6 ) مليار دولار في العام 2018، في حين أن الاحتياطي النقدي أخذ بالتناقص من 77,8 مليار دولار عام 2013 حتى وصل 40,8 مليار دولار في العام 2018.

أتفاقية الصين

الشعور بالاخفاق في ملف الاعمار لم يعد كافياُ لدى الحكومتين العراقيتين بعد سقوط الموصل فهما دأبتا الى أيجاد بدائل يعمل على تقليص عدد من العقبات الآنفة الذكر لذا كان التفكير بالبنى التحتية بعيداً عن الرتابة الأدارية أمر مهم الامر الذي استوجب على الحكومة الاخيرة اعلان ما يسمى بأتفاقية الصين .

أن اتفاقية الصين اذا ما اردنا الاطلاع على ملخصها هو الاتي :

بغية النهوض بالبنية التحتية العراقية فقد حدد سقف الاتفاق مع مؤسسة ضمان الصادرات الصينية Sinosure بنحو ١٠ مليار دولار قابل للزيادة وان مدة الاتفاق هي بنحو ٢٠ عاماً ويتم تصدير نفط خام إلى الشركتين الصينيتين لأغراض تنفيذ الاتفاق بمعدل ١٠٠ ألف برميل يومياً بالأسعار العالمية، ثم تودع عوائد التصدير بالدولار في حساب مقدمة يسمى settlement account بعد تنزيل تعويضات حرب الكويت لدى البنك الاحتياطي الفيديرالي في نيويورك ثم ينقل صافي المال في النهاية بحساب يسمى حساب الاستثمار investment account لقاء فائدة للعراق في حال بقاء الودائع في ذلك الحساب دون سحب. وتقدر العوائد السنوية بنحو ٢ مليار دولار وعلى وفق معدلات اسعار النفط الحالية.

ان هذه الاتفاقية هي مجموعة من مذكرات تفاهم على جميع المجالات و اذا ما اردنا وصفها فهي مجرد اتفاق على بروتوكول مالي ليس الا , من خلاله سيتم طرح عدة مشاريع من قبل الحكومة العراقية في الموازنة الاتحادية وفق الاولوية لذا لكي نناقش هذا الاتفاق لابد من تسليط الضوء على تحدياته بعيداً عن الارقام الاقتصادية و الضمانات القانونية كوننا سنفرض ان الاتفاقية محكمة قانونياً و فيها من الضمانات ما لم تسبب اخفاق في الحقوق المالية للطرف العراقي.

التحديات

ان جميع الدول النامية لم تكن لتحقق نموها الملحوظ و الاعمار التي تشهده الان الا من خلال انعاش القطاع الخاص و التوجه الى طرق بديلة يمنحها حرية الحركة تحت سقف قانوني بعيداً عن الاجراءات التي تهدر الزمن, لذا فأن هذا الاتفاق ايجابي جداً و قد يكون هو الحل الامثل اذا ما تنوعت الاتفاقيات مع بقية البلدان الصناعية الاخرى لان الاعتماد على القطاع العام هو شلل ثلاثي الابعاد يصيب الزمن و الجودة و الفساد الاداري الا ان هذه الاتفاقية و بتحدياتها المدرجة ادناه ستكون معرضة للفشل في أهدافها ما لم يتم أجراء الآتي:

- أنشاء مكاتب أدارة المشاريع  (Project Management Office PMO) يتكون من الخبرات الاجنبية من خارج العراق تشترك فيها الخبرات العراقية من الوزارات الخدمية بنسبة لا تزيد عن 35% و لا تقل عن 20% في كل محافظة مرتبط بمؤسسة داخل رئاسة الوزراء تعمل بمنعزل عن ادارة الوزارات الخدمية.

- انشاء منطقة امنة لمكاتب PMO

- الاستعانة بالوزارات المستفيدة لأستحصال الاحصائيات و خرائط الواقع الحال للمدن و أحتياجاتها لغرض أنضاجها من قبل PMO

- وضع استراتيجية من قبل PMO تختزل في محفظة PORTFOLIO للمشاريع لتحقيق الهدف لتجاوز التقاطع بين برامج المشاريع و بنيتها التحتية.

- يتولى POM مسؤولية كتابة وثائق المناقصة وفق النظم الادارية الحديثة كالمعتمدة من مؤسسة FIDIC و غيرها.

- أعتماد نظام عقود Engineering Procurement Construction Commissioning EPCC .

- قيام PMO بالتعاقد مع الشركات الاستشارية PROJECT MANAGEMENT CONSULTATION PMC و أشراك نسبة من الخبرات العراقية بنسبة لا تزيد عن 35% لتوأمة الخبرات العراقية مع الخبرات الخارجية.

- التأكيد على مناشئ المعدات الحاكمة و استيراده من الدول الرصينة بدل الصين .

- تأهيل شركات القطاع الخاص و اعادة النظر بتصنيفها وفق معايير عالمية.

- أعادة النظر بأدوات تخمين كلف المشروع كون المشاريع ستكون مكلفة حيث سيضاف الى  كلفها عامل الامان Security و الذي يقدر بنسبة 0,05% من كلفة المشروع و عامل الضمان و الذي يبلغ تقريباً 0,03% من كلفة المشروع لذا ستكون تلك المشاريع مكلفة مقارنة بتخمين الكلف المحلية.

حقيقة المؤسسات الحكومية هي انها غير قادرة على ادارة ملف الاعمار لأنها تفتقر الى ادوات ادارة المشاريع الحديثة بالاضافة الى أن ترهل القطاع العام سيشكل عاملاً سلبياً اذا ما تم تدخله بشكل أساسي في هذا الملف لذا كان لزاماً على الحكومات ان تفكر بأنشاء شركات أعمار كشركات الاعمار الموجودة حالياً في الخليج مع منحها صلاحيات تتجاوز البيروقراطية في الدوائر بالاضافة الى كون تلك الشركات ستكون رشيقة و ذات مهارات تحترم عامل الزمن

الخلاصة

ان اتفاق العراق – الصين هو مجرد تفاهمات انتهت بوضع اربع اضلاع لأطار لوحة لم ترسم في داخلها ملامح ملحمة الاعمار و أدواتها و ألوانها بشكل صريح و هي اذا ما طبقت اليوم بأهمال اغلب التحديات التي تم ذكرها ستكون جزء من المشاريع المتلكأه بل و سيترتب عليها كلف اضافية بسبب التوقفات التي ستتعرض لها المشاريع نتيجة لترهل المؤسسات و بطأ تفاعلاها مع فعاليات المشاريع.

يبقى مفهوم الاتفاق هو عامل ايجابي و هو خطوة بالاتجاه الصحيح كونها ستمثل مساراً معبداُ لتحقيق الهدف بدل من الطرق النيسمية التي سلكتها المؤسسات الحكومية لتنفيذ مشاريعها خلال جميع الحكومات السابقة و الحالية .

  كتب بتأريخ :  الأحد 19-01-2020     عدد القراء :  136       عدد التعليقات : 0