إِحْدَى الْأُمَمِ

كانت دراستنا بجميع مراحلها في حقبة حكم البعث المقيت، تشرح لنا معنى الأمة بشكل مخالف للواقع؛ بالتأكيد فإن سياسة الدولة كانت ترسم سياستها في وضع المناهج الدراسية، فكان درس الوطنية والذي يتحول في مرحلة الدراسة الجامعية الى درس القومية، يتمحور حول مفهوم الأمة ولكن بشكلها المغلوط كما تبين لنا لاحقاً...

  الدرسان (الوطنية والقومية) يؤديان الى نفس المعنى، فالوطنية كانت تشرح لنا معنى الوطن العربي، وفي درس القومية كانوا يشرحون لنا القومية العربية، وكنا لا نعرف ولا نسأل، حتى وقعت حرب عاصفة الصحراء فصدام دخل الشقيقة الكويت! وقامت الانتفاضة الشعبانية، بعدها قمنا بطرح كثير من التساؤلات التي أدت الى قطع لسان قائلها أو عنقه، والحمد لله على سلامتنا...

  فللأمةِ عدة معانٍ منها: الجيل الذي عاش فترة معينة من الزمن؛ كذلك الرجل الجامع لخصال الخير؛ وفي هذين المعنيين لا نجد أي ترابط مع ما كنا ندرسه في الدرسين المذكورين، لكن بقي معنى ثالث لعل فيهِ بعض التطابق فلابد من التطرق إليهِ وهو أن معنى الأمة:  جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ تَجْمَعُهُمْ رَوَابِطُ تَارِيخِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ ، قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَا هُوَ لُغَوِيٌّ أوْ دِينِيٌّ أوِ اقْتِصَادِيٌّ وَلَهُمْ أهْدَافٌ مُشْتَرَكَةٌ فِي العَقِيدَةِ أَوِ السِّيَاسَةِ أَوِ الاقْتِصَادِ مثل الأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ أو الأُمَّةُ الإسْلاَمِيَّةُ.

  لم نجد أي واقع للأمة العربية خصوصاً نحن العراقيين، فلم تكن لنا اهداف سياسية او اقتصادية مشتركة مع البلدان العربية وكذلك هم، ابداً بل ان حتى عملتنا مختلفة في الشكل والاسم والقيمة، أما عن اللغة فقد أكون انا العراقي لا افهم الموريتاني الا إذا تكلم الفصحى والعكس صحيح، وهو ليس متيسر للجميع؛ فعن أية أمة تتحدثون؟!

  كذلك لم نجد للوطن العربي أي تطبيق على ارض الواقع، فالحدود مرسومة بدقة، والرايات والاعلام مختلفة، وأما السفر من دولة عربية الى أخرى فقد تجد فيه من الصعوبة ما لا تجده مع بلد اخر؛ فكان كلام الدرسين السابقين عبارة عن وهم او حلم لا يمكن تحقيقه البتة.

  يمكننا القول الآن بل يتضح لنا جلياً ومن التعريف أعلاه اننا في العراق نشكل أُمة (وكذلك كل الدول عربية او اجنبية)، بالرغم من تعدد العرق واللغة والدين وذلك لعدة عوامل: فنحن نقع ضمن حدود واحدة (وحدة الأرض)، كذلك نسير ضمن سياسة اقتصادية واحدة، بل وعسكرية وعادات وتقاليد واحدة، واما اللغة والمعتقد فهي أمور ثانوية نستطيع تجاوزها بسهولة، كما تجاوزتها الهند وغيرها...

بقي شيء...

كما يقال ففي الصراحة راحة، وانا اليوم كنتُ صريحاً مع نفسي ومع القارئ، وهو ان العراق ليس دولة فقط إنما أُمة متعددة الاعراق والاديان. فحينما تخلص الشعب من الديكتاتورية ظهر خلاف مكوناته واختلافها، وعدم اتفاق أي مكونين ولو على مصطلح واحد، فوجدنا من يبرر الظلم الصدامي! بالرغم من أن ثمة أطراف نزفت قلوبها دماً، كذلك الارهاب ومثله السلاح خارج نطاق أجهزة الدولة الرسمية، حتى وصلت الامور للسيادة والعلاقات الخارجية. اذن العراق ليس دولة إنما أمة (كما أسلفنا) إذا لم تتفق مكوناتهُ على عوامل مشتركة، فالأفضل أن يذهب كُلٌّ إلى شانه. (عبارة مؤلمة لكن لابد من قولها)

.................................................................................................

حيدر حسين سويري

كاتب وأديب وإعلامي

عضو المركز العراقي لحرية الإعلام

البريد الإلكتروني: [email protected] موبايل: 07705379145

  كتب بتأريخ :  الخميس 05-03-2020     عدد القراء :  272       عدد التعليقات : 0