لا أفهم في السياسة!!!!

في مقابلة تليفزيونية مع مدرب فريق ليفربول  سأله المراسل عن فايروس كورونا  ، فأجابه انا مختص بكرة القدم ولا افهم بهذا الموضوع، نعم انا مشهور ولكن باختصاصي ، فالمشاهير لا يفهمون بكل شيء ، كان جواباً  قاسياً وراقياً بنفس الوقت .

فهو يحترم عمله ووظيفته من جانب ، ويؤمن بالاختصاص من جانب اخر .

و من تجربتي الشخصية :

حينما كنا نعد التقارير الإخبارية  لبعض القنوات كنا نلاقي صعوبة  كبيرة في الحصول على من يتحدث بالسياسة او الاقتصاد او الدين  في الشارع    

ففي  اوربا قلما تجد من يتحدث في السياسة وهو غير سياسي، وحين تسأل أحدهم عن السياسة يجيبك على  الفور   لست سياسياً  (I am not a politician ) .

وهذا هو جزء من نجاح هذه المجتمعات وتفوقها ، ولكي يبدع كلٌ في عمله عليه ان يركِّز باختصاصه وان لا يكون مصداقاً للمثل القائل ( سبع صنايع والبخت ضايع) ، فقليلٌ ما تجد من يتمنطق بغير اختصاصه، والمثل يقول ( اللعب بغير فنه تعب ) .

فربما يكون الشخص مهندس ناجح ولكنه فنان فاشل وربما يكون طبيب متفوق ولكنه خطيب فاشل، فكم لاعب كرة متألق لكنه فاشل درسياً والعكس صحيح .

لذا حينما تبحث الدول عن الكفاءات ، تبحث حسب الاختصاص والكفاءة .

ورحم الله المتنبي  اذ يقول :

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ***مضر كوضع السيف في موضع الندى

لكن للأسفل  لم نجد هذه الثقافة في مجتمعنا اليوم  ، فأغلب المتمشدقون بالعلم والثقافة هم ( بتاع كلو) .

فليس غريباً ان تجد احزابنا هي الأخرى تبحث  عن رئيس  جامعة ليكون رئيساً للوزراء  ، ظناً منهم بأن رئيس الجامعة يفهم بكل شيء ، وما دام لديه شهادة جامعية عليا فهو خبير بالسياسة  والخضروات والسيارات وكرة القدم والموسيقى وربما بعقار كورونا  مستقبلاً  .

ربما يرقص بعض  رؤساء الجامعات فرحاً لهذا الحديث ، وان كانوا لم يمارسوا العمل السياسي ولم يدخلوا دهاليزه لكنهم تواقون للسلطة .

فمن المعيب لدى البعض  منهم ان يقول لا افهم في السياسة .

بعض ممتهنوا السياسة  لا يفرقون بين الرأي السياسي والفعل السياسي،  وما دامت السياسة شأن عام فالجميع له الحق في ابداء الرآي في الشأن العام، ولكن ليس للجميع الحق في الفعل السياسي فهو محصور في صاحب الاختصاص وعلينا ان نعترف بذلك  .  

ربما يكون الشخص  رئيس جامعة و اكاديمي ناجح ولكن ليس بالضرورة ان يفقه بالسياسة ، فللسياسة رجالها وللأكاديمية رجالها ، وهكذا في كل الاختصاصات . لكن الهوس يدفع البعض ان يكون سياسياً، طمعاً بالمنصب والسيارات المصفحة والحمايات وحياة. الـ VIP.

يوما التقيت بعالم عراقي وأستاذ جامعة في لندن وهو متفوق في اختصاصه ، وقد كرمته بريطانيا لابتكاراته العديدة في مجال اختصاصه ، لكن الرجل مهووس في السياسة وطموح في الحصول على منصب فيها  وحديثه السياسي ينسيك انه عالم كبير ،  رغم انه لا يفقه كثيرا في السياسة سوى ما يتناقله الناس في صفحات التواصل ، ورغم ذلك فهو مصر على الحديث بها .

فليس من العيب ان تقول لا  افهم ولكن العيب ان تقول افهم وانت لا تفهم ، فلو تمسك كل واحد باختصاصه لما أفرز لنا الواقع السياسي في العراق مجموعة من الأميين  والبلداء، ولما تهافت البعض على حرف الدال المزوَّر .

فعبارة لا  أفهم في السياسة  لغير السياسيين الحقيقيين  تجنبنا الكثير من الويلات .  

ففي مستنقع الأكاذيب لا تطفو سوى الأسماك الميته

  كتب بتأريخ :  الأحد 22-03-2020     عدد القراء :  168       عدد التعليقات : 0