معضلات العملية السياسية
بقلم : د. اثير ناظم الجاسور
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

عندما أرادت الولايات المتحدة أن تصنع نموذجها الفريد من نوعه بهذه المنطقة الحساسة والمعقدة كانت تركز على عاملين الأول هو تخليص العراق من الدكتاتورية ، والثاني إعادة إعمار العراق الذي تم صرف مبالغ كبيرة ورصدها دون فائدة تذكر بعد الحجج غير القانونية التي ساعدت على القيام بالغزو،

ففي 22 / كانون الثاني 2004 نشرت مجموعة الأزمات الدولية تقريرها تحت عنوان " ماذا بإمكان الولايات المتحدة أن تفعل للعراق" وشدد هذا التقرير على أن الأخيرة ركزت على أن تجعل من العراق نموذجاً للمنطقة حكومة ديمقراطية ذات توجه للسوق الحر ومتعاطفة مع الولايات المتحدة ومصالحها وغير معادية لإسرائيل، إلى جانب القواعد العسكرية الطويلة الأجل، لكن هذا التقرير وغيره من التقارير لم يشدد على مضمون الحكومة التي تريدها الولايات المتحدة على اعتبار أن الأحزاب التي جاءت مع الاحتلال هي نفسها التي ستشكل تلك الحكومة، وهذا يعني وهو ليس بجديد أن الأحزاب الحالية صاحبة الولاءات المتعددة بشقيها السنّي والشيعي هي نتاج ذلك الاحتلال الذي مازلنا نعيش تجلياته لغاية اللحظة.

الكارثة التي كانت سبب كل هذه الازمات هو اضمحلال الدولة وغياب الهوية الوطنية كل هذا تم بعد أن أسهمت الأحزاب من خلال سلوكها وتوجهاتها من تحجيم دور الدولة وإضعاف مؤسساتها والتركيز على إضعاف الهوية العراقية لإعلاء الهويات الفرعية الطائفية والقومية والدينية وتسيدها المشاهد العراقية، ولتجعل المواطن العراقي فريسة لهذه التوجهات غير المنطقية لاسيما وإن هذه الهويات صارت تتغذى على الصراعات المدعومة من خارج الحدود برعاية أميركية، فالولايات المتحدة كانت على علم ودراية بالصراع الإقليمي على أرض العراق والتنافس في الهيمنة على القرار السياسي العراقي من خلال فواعلهم في الداخل وشهدت على كل الخطط الموضوعة من قبل القوى الإقليمية التي أرادت وبشتى الطرق أن تهيمن ليس على القرار السياسي وإنما الاقتصادي والاجتماعي وحتى الثقافي من خلال محاربة كل الأفكار التي تعارضها في الداخل، بالتالي فإن صراع الهويات الطائفية والدينية لعب دوراً في تحطيم المشتركات والتقاليد والقيم بين أبناء الشعب الواحد بعد أن تم تحديد الصراع بين " نحن" و " هم" حتى بات السؤال المحير للمواطن العراقي في الشارع من هم الـ( نحن) ومن هم الـ( هم) ؟.

المعضلة الأخرى هي الإرهاب الذي تم السماح له أن يتكاثر على أرض العراق بالرغم من تحذير العديد من المختصين والعسكريين والامنيين فكانت الحدود العراقية تستقبل كل دقيقة أفواجاً من الإرهابيين القادمين من دول الجوار بعددهم وعدتهم حتى باتوا هم أهل البلد بعد أن أصبحت لهم معسكرات وثكنات وأصبحوا الآمرين الناهين من خلال استحصال المال من الأتاوات والترهيب، عزز كل هذا خطاب الكراهية المتبادل على منابر رجال الدين الذين لم ينفكوا أن يصدروا كل ما هو قاسٍ ومرعب من فتواهم التي ساعدت على إهدار الدم العراقي الذي أصبح ملقى على قارعة الطريق، وكل هذا والأحزاب التزمت الصمت لأنها بكل بساطة كانت هي المغذي الأساس لهذه الفتاوى والداعمة لهذه الجماعات من كل الأطراف، والخلل الذي نتحدث عنه كان واضحاً للجميع إلا أن ما حدث في العراق لم يكن يتصوره العراقي ولا حتى في أحلامه، إلى أن جاء يوم الكارثة بعد أن ساعد فساد حكومي وتنافس حزبي على ضياع ثلث العراق بيد ثلة من الإرهابيين لنفتح صفحة جديدة من الإرهاب لكن هذه المرة احتلال مدن الذي شكل صدمة كبرى لكل العالم، فقد كان نتاج ثماني سنوات من تبديد الأموال وضياع موازنات انفجارية وفساد والانشغال ببناء دولة عميقة ، أن يكون العراق محتلاً للمرة الثانية لكن هذه المرة من جماعة إرهابية استباحت كل شيء، والمشكلة أيضاً لم تتم محاسبة المقصرين على هذه الجريمة التي راح ضحيتها الآلاف من الشباب سواء من شباب معسكر سبايكر أو في جبهات القتال.

وكشيء بديهي كلما كانت المقدمات صحيحة ومنسجمة مع الواقع السياسي والاجتماعي العراقي كلما كانت النتائج مستقرة ومتوازنة لكن ما حصل في العراق خطط له عكس ذلك تماماً لابل تم التأكيد على إضعاف العراق كي لا يكون قوة يهدد جيرانه كما كان في السابق، لكن المقدمات الخاطئة أدت لحصد المئات بل آلاف الارواح من العراقيين وتدمير البنية التحتية، وهذا يدل على الأخطاء الستراتيجية التي ارتكبتها الولايات المتحدة في العراق فهي أرادت أن تحقق مصالحها وتشرع في تطبيق مشاريعها في المنطقة لكنها بالنهاية دمّرت الدولة العراقية والمواطن العراقي، ومن جراء ذلك وجد العراقي نفسه بين ليلة وضحاها يعيش في ظل فوضى عارمة اكتسحت كل شيء ولا تزال هذه الفوضى صاحبة المشهد مع أي أزمة عالمية أو إقليمية، بالتالي فإن ما يحدث في العراق لم يعد شأناً داخلياً محضاً إنما تجاوز إلى المحيط الإقليمي والدولي بعد أن أصبح العراق بفضل جملة من المشاريع منتج لعدم الاستقرار في المنطقة، وبات متأثراً بكل مخرجات البيئتين المذكورتين على اعتباره نقطة انطلاق ستراتيجية ما بين الشرق والغرب، فكانت النتائج تدهور في كل القطاعات الزراعية والصناعية والخدمات والاهم الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء إلى جانب تدني مستويات التعليم التي تخرج سنوياً آلاف العاطلين من شهادات أولية وعليا والطاقة والتخطيط والاقتصاد الذي لا يعرف له مدرسة أكان اشتراكياً ام رأسمالياً أم ماذا، أيضاً الواقع الصحي المتدني الذي أسس له في الفترات السابقة وحجم الفساد الذي يرتكب في هذه المؤسسة الحساسة من صفقات مشبوهة وحصص وبيع اختصاصات طبية وشركات وهمية ورشاوى وملايين الدولارات تم صرفها على الورق فقط لأن ما نشهده اليوم من تدهور بعيد عن المبالغ التي تم انفاقها في تلك الفترة والتي ندفع ثمنها اليوم، إلى جانب الحروب التي اشعلتها الأحزاب بالتعاون مع شركائهم الخارجيين والتي بدورها خلفت الشهداء والجرحى والثكالى والأيتام والأرامل ومصيرهم المجهول بعد أن فقدوا معيلهم في الحياة، والأهم من ذلك أزمة الثقة بين الشعب والطبقة الحزبية التي من غير الممكن إيجاد لها حل دون وجود إجراءات ملموسة على أرض الواقع، فالطبقة الحاكمة هيمنت على كل مقدرات الدولة لا بل أصبحت الامر الناهي والمسيطر على المال والسلطة وجرت الشعب من حقوقه فقد للتذكير إنها تعترف بالشعب مصدراً للسلطات في مرحلة الانتخابات فيما بعد يصبح هذا الشعب مشاريع استشهاد على عتبة فسادهم.

أما اليوم ونحن نعيش أزمة هذه الجائحة التي تهدد كل دول العالم وليس العراق بمفرده إضافة الى أزمات حادة اقتصادية بالدرجة الأول لما الت اليه الأوضاع الاقتصادية العالمية من تدني أسعار النفط، ولكن هذا الضعف في هذا الجاني يدل على افتقار الطبقة الحزبية الحكمة طيلة هذه السنوات على امتلاكها الخبرة في إدارة الدولة بعد أن عجزت إن كان هذا العجز بقصد أم من غير قصد أن تجد الحلول الناجعة للخلاص من الازمات التي تهدد الدولة بالإفلاس بين الحين والأخر، فالتعكز على مورد واحد هو النفط في تأمين احتياجات الدولة جعل من الأخيرة معرضة للاختلالات في أي لحظة سواء تكون أزمة عالمية أو أزمة داخلية تتعلق بعملية الإدارة والتخطيط، المسالة الأخرى وفي هذه اللحظة الحرجة من عمر الدولة نحن نواجه أزمة تحمل كل تراكمات الحكومات السابقة التي لم يتم حلها بمنطق السياسة والعقل وهذا يدل أن الخطوات التي اتبعتها الأحزاب تنم عن قصور في الرؤية والوجهات، وعدم القدرة على إيجاد الطرق المنطقية لمعالجة القضايا الداخلية المهمة التي تعد في صميم إدارة الدولة، فنقص الأموال وغيرها لم تكن من جراء هذا الوباء بل بسبب الفساد كما ذكرنا وكما هو معروف لدى الجميع الذي لم يعالج على مدار هذه السنوات، فسوء استخدام السياسة النقدية أثر بشكل واضح على مختلف الشرائح ايضاً الخطط العشوائية التي ساهمت في تدهور الاقتصاد جعل الدولة تتعكز على سياسة الادخار الاجباري المستقطعة من مرتبات الموظفين والمتقاعدين على اعتبارهم الحلقة الأضعف في الدولة العراقية، لكن هذا الإجراء بالتحديد قد يؤزم الموقف على اعتبار إنك اليوم تحارب المواطن في قوته وقوت أطفاله، وحتى تكون الإجراءات الحكومية صحيحة يجب أن تحمل الجدية في التطبيق فعلى سبيل المثال إذا ما تم قياس مرتبات الموظفين فأنها لا تقاس بمرتبات ومخصصات أعضاء مجلس النواب وكذلك المبالغ التي تصرف للأعضاء كمبالغ تقاعدية على عمل أربع سنوات في هذا المجلس الشبه معطل، إضافة إلى أن هنالك مبالغ مالية ضخمة تصرف على قضايا ما هي إلا لضمان استمرار عملية انتخابهم على الأقل من عراقيي الخارج التي تصل إلى مليارات من الدنانير، ناهيك عن الأموال الكبيرة التي في جعبة قيادات وشخصيات حزبية لم تستردها الدولة العراقية ولن تستردها، بالتالي فإن الإجراءات المتبعة اليوم تعزز كل الآراء التي تتحدث عن أن معضلات كبيرة تواجه العملية السياسية منذ ولادتها ولغاية اليوم، وهي عدم قدة الحكومات على مجابهة القرارات الخاطئة التي تم اتخاذها في توزيع ثروات الدولة بين الأحزاب وعدم المطالبة باستردادها هي أكبر الكوارث التي كبرت الفجوة بين المواطن والدولة، بالتالي فالعراق مقبل على أزمات حادة قد تشل عمل أغلب المؤسسات والقطاعات على اعتبار أن المواطن هو المستهدف من كل تلك الإجراءات، والأهم من كل ذلك والأكيد فقد وصل المواطن لقناعة تامة أن أكبر معضلة يعيشها العراق هي إدارة هذه الأحزاب للدولة.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 01-06-2020     عدد القراء :  72       عدد التعليقات : 0