مبدأ صلب المسيح وقبره أتما في جميع البشر

( كما يموت الجميع لإنتمائهم  إلى آدم ، كذلك سيجعل الجميع أحياء بإنتمائهم إلى المسيح ) " 1 قور 22:15 "

الإنسان العتيق هو المولود من آدم الخاطىء ، وقد تم صلبه على  الصليب مع إبن الله ، أما الإنسان الجديد فقد قام من بين الأموات مع المسيح . وهذا هو السر الفصحي الذي تحقق دفعة واحدة بعد تجسد إبن الله ، فكيف يصبح الموت وقيامة المسيح فعّالين في حياتنا ؟

المسيح هو آدم جديد ، فكما كانت البشرية تمثل بآدم القديم ، فإنها تمثل أيضاً بآدم الجديد ، فالجنس البشري القديم المائت في الخطيئة ، ولد في حياة النعمة بسبب موت يسوع عن الجميع ، لهذا قال الرسول ( لأنه فيه سُرَّ أن يحل كل الملء وان يصالح به الكل ) " " قول 17:1" ، لهذا تعلمنا الكنيسة أنه لا يهلك أي إنسان هلاكاً أبدياً ما لم يرتكب ذنباً شخصياً . لذلك إذا تم خلاص أشخاص بالرغم من عدم منحهم المعمودية ، فالسبب يعود إلى أن سر موت المسيح وقيامته قد جعلهم إبناء الله شرعاً  . فمثلما مات الجميع شرعاً في آدم ، كذلك قام جميعهم من بين الأموات في المسيح شرعاً . لكن موت الإنسان الساقط وقيامته لا يتمان إلا في الكنيسة ومن قبل الكنيسة . فالإنسان هو كائن إجتماعي ، ففي آدم خلق الله شعباً موحداً ودعاه إلى الإشتراك في حياته , فعندما جاءت الخطيئة حلّت المشاركة في الذنب محل الإتحاد ، فبدأت العزلة ، والتفرقة فأصبح الإنسان العتيق كائناً إجتماعياً منقسم على نفسه .كذلك الأمر بالنسبة إلى الإنسان الجديد فهو قبل كل شىء كائن إجتماعي متصالح مع نفسه ، ومتوحد في شعب واحد هو شعب الله الجديد ، أي كنيسة المسيح التي أحبها وأسلم نفسه طوعاً ومات لأجلها .

إسرائيل كان جسد شعب الله المختار ، بعد موت إسرائيل الجسد على الصليب أعطيت الحياة إلى الكنيسة التي صارت جسد المسيح الجديد ، فالكنيسة هي ( جسده ملء الذي يملأ الكل في الكل ) " أفس 23:1" . إذاً لا يتم إدخال سر المسيح الميّت والقائم من بين الأموات في حياتنا إلا عن طريق إدخالنا نحن في الكنيسة التي هي شعب المفدين . فموت الإنسان الساقط وقيامته لا يمكن أن تتم خارج الكنيسة . فخلاص الإنسان مرتبط بموت وقيامة المسيح ، بل جميع الناس قد ماتوا وقاموا في المسيح يسوع بحسب الشرع . فكل فرد مُخيّر بين أمرين : إما أن ينضم إلى موت المسيح وقيامته فيصبح مخلوقاً جديداً فينال الخلاص ، أو أن يرفض ليعود إلى آدم القديم ، أي إلى الإنسان الأرضي لأنه رفض الأشتراك في الحياة الجديدة التي أبتدأت يوم الفصح فيكون مصيره الهلاك . فعلى الإنسان أن ينضم إلى الكنيسة عن طريق المعمودية ، ويقول ( نعم ) كما قالت مريم العذراء للملاك لكي يدخل في سرالمسيح الفصحي دفعةً واحدة . فنعم التي تقال في المعمودية هي الأعتراف والعلامة الملموسة الفعالة في الإيمان المسيحي .

الإيمان إذاً هو ( نعم ) الإنسان ، مع العلم أن الإيمان لا يصدر عن الإنسان نفسه بسبب تفكيره وقدرته إلى التميّز وإختبار ما هو صحيح ، بل هو هبة من الله ونعمة مجانية منه للإنسان . لهذا قال بولس الرسول ( وليس أحد يقدر أن يقول أن يسوع ربّ إلا بالروح القدس ) " 1 قور 3:12" . الإيمان يخلصنا لأنه يضعنا على الطريق الصحيح ، لكن هذا ليس هو صعيد جهودنا ، بل هو صعيد الثقة والإتكال على المسيح الذي دفع الثمن ، فعلينا تسليم أمرنا إليه ، لأنه المخلص الوحيد الذي يشركنا في موته وقيامته . إنه ( بكر الراقدين ) أي إنه هو ضمان قيامتنا ( 1 قور 20:15 ) .

حقيقة موت الإنسان العتيق وقيامته للحياة الجديدة تتم فعلاً في الطقوس الكنسية ، وتلك الطقوس ليست أعمالاً سحرية ، بل إنها علامات سرية للحقيقة التي اصبحت حاضرة وهي موت وقيامة المسيح . فهذا العمل هو إلهي وجوهري لأجل خلاص المؤمن وكما يوضحه لنا القديس مرقس في إنجيله ( من آمن وأعتمد خلص ) وبعبارة أخرى ، أن السر الداخلي لموتنا عن الخطيئة وقيامتنا لنصير أبناء الله ، لا تتم إلا بسر طقس الماء والروح القدس ، ذلك السر الذي يغطسنا في موت المسيح فيحيينا إلى الإيمان . فالمعمودية تغطس الإنسان في موت المسيح ليموت عن الخطيئة سرياً بفضل موت المسيح ، ويقوم معه بعد خروجه من الماء بحياة جديدة ، بل بولادة جديدة ، وهكذا عند قيامة الأجساد في يوم الدينونة العظيم ، يقول الرسول ( سيغيّر الرب شكل جسدنا الحقير ليكون على صورة جسده الممجد ) " فيل 21:3 " .

وأما عن الصعوبة التي يلاقيها المسيحيون في فهم هذه الحقيقة تنتج غالباً عن كونهم لا يقدرون أن يتصوروا الإيمان إلا على شكل إستعداد نفسي قبل العماد وكأنهم بقدراتهم هم اكتشفوا الإيمان . غير أن الإيمان ليس كذلك ، بل هو حقيقة سرية سكبها الله في الروح  بواسطة السر الذي يقدمه الكاهن . فالطفل المعمد بعد ولادته ببضعة أيام يكتسب الإيمان فوراً كهبة بالرغم من أن إيمانه هذا لا يمكن أن يستعمل عملياً لكونه غير قادر على ذلك ، كالطفل الموهوب الذي يتمتع بالمقدرة الذهنية ولكنه لا يتمكن من ممارسة قدراته إلا بعد أن ينضج عقلياً وجسدياً إلى درجة كافية . والإنسان الذي يعتمد بعد إيمانه وهو كبير فالله سيعَلمُه أيضاً بعد المعمودية تدريجياً ويوجهه في جميع أفعاله ، غير أن فضيلة الإيمان سابقة لكل هذه المظاهر وتمنح للروح بالمعمودية ، والمعمودية ستغمر المعتمد في موت المسيح وتؤدي به إلى الحياة الجديدة في اشتراكه بالفصح والقيامة . إن هذا الوعي ربما هو أثمن إكتشافات عصرنا الحاضر . وعلينا أن نبحث في إيماننا لنصل إلى ما هو أعمق وأثمن لخلاصنا .

  كتب بتأريخ :  الأحد 14-06-2020     عدد القراء :  456       عدد التعليقات : 0