في أي إطار ممكن أن تعمل ؟
بقلم : د. أثير ناظم الجاسور
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

في عالم السياسة قد تلعب النظرية دوراً كبيراً في صياغة الأفكار والتصورات التي توضع من قبل الوحدات المسؤولة عن هذا الجانب، وتصبح فاعلة فيما إذا وجدت مكانها وفق الأرضية التي تسمح لها بالتنفيذ سواء كانت تلك التي تدعو إلى الذهاب صوب القوة أم تلك المثالية الداعية إلى أن يكون التعامل بين الوحدات الدولية باعتماد القانون والأخلاق كأسس في علاقة هذه الوحدات مع بعضها البعض،

جملة من الأحداث الدولية اثبتت دور هذه المدارس الفكرية التي انتجت مجموعة من الأيديولوجيات المتصارعة والمتنافسة والتي التقت في فترات متقطعة من أجل تحقيق مصلحة مشتركة هنا وهناك ساهمت بكل الأحوال أن تنقل العالم من صورة إلى أخرى، ومن خلال ذلك بات النظر إلى الصراع الدولي على أنه مجموعة من الأفكار والنظريات المتضاربة التي لطالما حاولت أن تثبت صحة محتواها من خلال التطبيق العملي والعلمي للأدوات والآليات المستخدمة من قبل هذه الدولة أو تلك، وبالفعل تم التعامل وفق هذه الأفكار سواء بين الدول أو حتى داخل الدولة الواحدة من خلال تعاطي صناع مع الأحداث الداخلية والخارجية وفق تصوراتهم والمنطلقات التي الفكرية التي يتبنون.

إذن أنت في حقل كبير من المفاهيم والأفكار التي من الممكن أن تكون ضمن مساحتها بواحد من الأمرين، أما أن تكون حقل التجارب سياسياً واقتصادياً وعليه يقتصر وجودك على مدى مطاولتك وتكيفك مع هذا الوضع الذي بكل الأحوال سيسبب انهيارك في أية لحظة على اعتبارك أرضية للمشاريع والتجارب واختفاؤك تدريجياً أو فجأة من اللعبة هي تحصيل حاصل، وإما تكون ضمن اللاعبين المؤثرين قد لا تكون أساسياً لكنك مؤثراً ورقماً مهما في معادلة العلاقات الدولية التي يتم التنظير لها من أوسع الأبواب من خلال تعاطيك مع الأحداث وفق ما تمتلك من قدرات، بالتالي فإن عالم اليوم ووفق معطيات القوة والهيمنة ولعبة المصالح وتقسيم الأدوار يجعل من المثالية لا تنفع بكل الأحوال وهذا ما يتناسق مع ما طرحه " نيقولا ميكيافيلي" الذي يصر على أن التعايش والعمل لا يكون مستلهماً من مخيلة الفلاسفة بقدر ما يكون من خلال الحياة الواقعية التي نعيشها، وبهذا نكون قد عملنا على وضع أسس العلاقة بين هذه الدولة أو تلك التي قد نتخيلها إنها مبنية على المثُل والعلاقات الودية لأن الواقع يعطي حقائق غير تلك التي نتمنى، لأن الضرورة تحتم في الكثير من الأحيان أن تتبع الدول أساليب بعيدة عن تلك المعايير، الجانب الآخر من إطار العمل أن ننظر إلى محيطنا بطريقة منطقية ونحلل كل الخطوات على أنها مرسومة ومعدة سلفاً بشعور إننا المستهدفون، وهذا ليس دعوة لخلق العداء أو خلق حالة من التشاؤم في بناء العلاقات مع الدول بقدر ما هو استعداد لكل الخطوات التي من الممكن أن نكون نحن ضحيتها، بمعنى آخر نسأل أنفسنا هل هناك توازن حقيقي في العلاقات بين الدول وبيننا وبين من يشاركنا هذا العالم؟، فإذا كان هذا التوازن غير موجود وعلى الأغلب يُحدد من خلال ما تمتلكه من قوة هنا قد نذهب مع أنصار المدرسة الواقعية الذين يعتقدون أن توزيع القوة هو العامل الأساس لا بل المحدد لحالتي الحرب والسلم، لكن قراءة فكرة كهذه تتيح لنا الفرصة لقراءة واقعنا بتمعن وإمكانياتنا التي تعد هي المحدد الأساس للتحرك في أي قضية نراها تصب في صالحنا.

من البديهي وأنت تحاول أن تكون جزءاً من منظومة لا تتناسب معك وفق قياسات القوة والنفوذ والهيمنة والأطماع، أن تجد خطاً فكرياً أو مدرسة أو نظرية تحاول من خلالها أن تخترق تلك المنظومة التي بالكاد تعتبرك لاعباً قد تكون ثانوياً أو مكملاً لسياستها، بالتالي فإن قضية التنافس والصراع والتأقلم بالنسبة لك لا يمكن تصورها من زاوية الدوافع العاطفية لأنها بالمحصلة ستحسم كل ما ذكر لجزء معين يحاول أن يمنع الجميع من احتلال مركز على الأقل في المقدمة في هذا الركب سواء بالداخل أم في الخارج، لذلك أنت تبحث عن مكانتك في هذا النظام الشديد التنافس بعد أن تحاول أيضاً أن تطرح أدواتك كي تعمل على ترصين عملك السياسي ولربما الاقتصادي الذي سيساعدك على إيجاد تلك المكانة، أيضاً من غير الممكن أن تعمل على مسألة البقاء فقط وأي بقاء يجب أن نتحدث عنه في خضم هذه النظريات والصراعات الفكرية التي ترجمت على أرض الواقع لتكون المنطلق للقوى التي تعمل من خلالها وفي مناطق مختلفة من العالم، فهل يكون ثمن هذا البقاء الاستمرار بالخضوع والقبول بمبدأ الفوضى على اعتبارك أرضاً محروقة؟، أم يمتاز بقاؤك بامتلاك عناصر القوة التي تتحدث عنها دول العالم اليوم، أم هناك عناصر للقوة تفضلها النخبة الحاكمة من أجل الاستمكان والسير نحو الهدف بخطوات ثابتة؟.

قد يكون هذا البقاء مستنداً على جملة من عوامل القوة التي تعزز مكانة الدولة في هذا النظام وبيئتها التي لا بد أن تتفاعل معها بفعل الجغرافيا والجوار والتعاطي والتبادل وكل المسميات التي تتضمن الحديث عن ذلك التفاعل، بالتالي نحن أمام _ قد نسميها _ هجمة وقد نطلق عليها تربصاً أو استغلالاً أو قد يكون على الأغلب هيمنة وعليه نحتاج إلى قوة تستند عليها داخلياً والتي هي:

1- قوة الدعم الشعبي، بالنسبة لهذه القوة هي تنظر بالدرجة الأولى للقرارات المتخذة من قبل النظام السياسي، وهذا لا يحدث إلا بعد العمل على إرجاع الثقة بين المواطن والنظام من خلال الاجراءات التي يتم اتباعها من قبل الأخير والتي بالضرورة تصب في مصلحة المواطن، وبعد شعوره بانه أصبح ضمن أولويات النظام، هذه القوة هي التي تمنح (الشرعية) وتساهم في إعطاء دفعة قوية للنظام في أداء واجباته.

2- القوة الاقتصادية، والتي تتضمن السياسة المالية والانضباط الاقتصادي وشكل ونوع المنهج الاقتصادي إلى جانب القدرة الصناعية وحتى الزراعية التي بقدر الإمكان تعزز الدور المالي للدولة ويساعدها على تخطي الأزمات والتحديات التي لطالما عصفت بالنظام الدولي، فدون الصناعة أو الزراعة وقليل من الاكتفاء الذاتي في البعض من الجوانب لا يمكن أن يكون الاقتصاد ثابتاً، وإبقاء الدولة على النفط (الريع) واعتمادها عليه بشكل أساس هنا يكون الاقتصاد قد تعكز على مورد قد يتسبب في فقدان القوة في أية لحظة وهذا ما يحصل اليوم، لكن هذا لا يعني من استخدام النفط وكأنه عنصر المناورة وعامل ضغط في قضايا السياسة الخارجية، لكن لا ينفع أن يكون المُورد الوحيد لإدامة شؤون الدولة المالية، وبكل الأحوال ومع تطور ماكنتك الاقتصادية وسرعة عجلتها فأنت بحاجة إلى أيدي عاملة من مختلف القطاعات والشرائح وهنا تبدأ الخطوة الأولى للتقليل على مسألة البطالة إذا كان من الصعب القضاء عليها، وتوفير العديد من فرص العمل بعد أن ترتكز الدولة على القطاعين العام والخاص وتشجيع الأخير وإعطائه الفرص الصحيحة في عملية الاستثمار والعمل الجاد، بالتالي تم خلق جو متكامل إذا صح التعبير فيما يخص هذا الجانب

3- القوة السياسية، هذه القوة التي تدعم القوتين الأنفتين الذكر من خلال العمل بجدية على إيجاد الحلول التي تخلق الأجواء الجادة والمنطقية فيما يخص علاقة المواطن بالسلطة، وحتى لا نذهب بعيداً في هذا الاتجاه يتم التركيز على المتطلبات الأساسية للمواطن وتكون مصلحة الأخير من أولويات النظام السياسي.

أما خارجياً، لا نرتضي بسياسة الوضع الراهن أو ما نحن عليه اليوم لأن الواقعين الأقليمي والدولي يجعل منا بفضل هذه السياسية على الهامش وغير مؤثرين ونكون عرضة لانتهاك السيادة كما هو حاصل منذ سنوات، ولا نرتضي أيضاً أن نكون من مؤيدي أسلوب القوة في العلاقة والتدخل في شؤون الآخرين والاعتداء عليهم و والانجرار لسياسة المحاور والتجاذب الذي يجعل منا تابعين لا نمتلك قدرة اتخاذ القرار، لكن الفكرة التي يجب أن تترسخ في أذهان الجميع أن نعمل على رسم سياسة مصلحية أنانية إذا تطلّب الأمر تؤكد على قضية المصلحة الوطنية والتنافس على أن نكون مؤثرين نسير وفق منهج التنافس لا الصراع من خلال انتهاج سياسة عقلانية والارتكاز على الهوية الوطنية العراقية في تحديد أولوياتنا في التعامل مع الوقائع والأحداث.

  كتب بتأريخ :  الأحد 05-07-2020     عدد القراء :  96       عدد التعليقات : 0