الزواج البتولي للقديسين يوسف ومريم

قال الرسول بولس ( وأما من جهة الأمور التي كتبتم لي عنها " فحسن للرجل أن لا يلمس إمرأة " ) " 1 قور 1:7  "      

المسيحية هي من أكثر الديانات التي تشجع مؤمنيها إلى الزهد والنسك  ، لأنها تريد أن تدفع مؤمنيها إلى نبذ العالم ومقتنياته ، فالبتولية أسسها الرب يسوع . فالذي يريد أن يعيش لخدمة أوامر السماء عليه أن يكون بتولاً . يوحنا المعمدان الذي اختاره الله ليمهد الطريق أمام أبنه المتجسد كان بتولاً , ويسوع ولد من أم بتول ، وكان هو بتولاً ، وعندما كان على الصليب لم يشأ أن يسلم أمه البتول إلا لرجل بتول هو يوحنا الحبيب .  

قال القديس أثناسيوس الأسكندري عن البتولية : الرب يسوع هب لنا من بين جميع نِعَمِهِ ، أن تكون لنا على الأرض صورة لقداسة الملائكة ، أي البتولية ، إذ أن تلك المؤسسة الجليلة والسماوية لا تعرف الإزدهار إلا عند المسيحيين . أبتدأت حياة البتولية والرهبنة في العهد الجديد من مار يوسف والعذراء مريم ، ودعا إليها وشجعها مار بولس الرسول الذي مارسها هو والآباء الكهنة والأساقفة ولحد اليوم ، وتأسست الرهبنة للرجال والنساء ليعيشوا البتولية كسيدهم . بعد هذه المقدمة سندخل في خطة الله لخلاص البشر والشخصيات المختارة لخدمة إبنه المتجسد .  

كان لله مخطط خلاصي ، به يفتدي الإنسان الخاطىء بأبنه المخلص الذي سيرسله إلى العالم فيتجسد في ملء الزمان من إمرأة ( غل 4:4 ) . فالمرأة المختارة كانت مريم العذراء التي كانت وحدها فقط تعرف بأن الإبن الذي تحمله هو أبن الله ، لأن ملاك الرب كشف لها سرّ الحبل الإلهي ، وهي لم تكن تعرف رجلاً بحسب قولها . ولإنجاز هذا المخطط الإلهي ، على السماء أن تختار أيضاً رجلاً متفوقاً في الفضيلة والقداسة لكي يصبح زوجاً في الظاهر وكأنه هو أبو يسوع المتجسد ، وذلك لكي يتماشى المخطط وفق الشريعة اليهودية ، فينبغي أن يأتي الطفل من أسرة كاملة لكي لا تُتهم مريم بنقاوتها وبحبلها الإلهي الذي لا يعرف أحداً سره . لهذا أصطفى الله يوسف البتول لكي يعلِمهُ الملاك أيضاً بهذا السر ، وعن أصل الطفل الذي تحمله خطيبته ، والإثنان يحتاجان إلى حماية رجل لكي يوَفِر لهما الأمان والحب في زواج رسمي . فكانت مهمة يوسف المشاركة في تحقيق السر العظيم المخفي عن عيون كل أبناء القرون الماضية . فكان لذلك الزواج البتولي أن يؤسس على روابط زوجية مقدسة يبرهن عن وجود زواج طاهر.  

مار يوسف الذي عَلِمَ بحبل خطيبته التي أحبها حباً عظيماً أبا أن يشهرها ، لهذا ظهر له الملاك وأخبره بحقيقة سر حبل خطيبته ، فأزداد حب يوسف لمريم ونسى حقوقه الزوجيه تجاهها لكي يصبح خادماً أميناً بتولاً بمقتضى أوامر السماء . لأن مريم التي صارت بعد الحبل بأبنها الإله أماً لأبن الله ، فلا يمكن لأي إنسان أن يُنجِس ذلك الإناء النقي المختار ، لهذه الأسباب تحلى يوسف بالقداسة ، لأنه عرف دوره وواجبه في المخطط الإلهي ، ودوره في هذه العائلة المباركة ، إذ كان يجب عليه أن يبقى في صلة بأقدس خلائق الله ، أي يسوع وأمه القديسة . وبما أن الله اختاره لكي يعيش مع مريم وأبنه تحت سقفٍ واحد فينبغي أن تربط بينهما روابط روحية أعمق من المنافع والشهوات الجسدية . عبّرَ البابا لاون الثالث عشر عن هذا الزواج سنة 1889 في رسالته العامة فيها تكريم للقديس يوسف ، فقال بوضوح عن سمو ذلك القِران ، فإن مقام هذين الزوجين القديسين قد أضفى على زواجهما أعلى طابع في القداسة ( وهب الله زوجاً للعذراء ، لم يهبه لها رفيق حياة فقط ، ولا شهيداً لبتوليتها ، ولا حارساً لشرفها ، بل مشاركاً في مقامها السامي ، بسبب الرباط الزوجي نفسه ) . أما علم اللاهوت فنظر إلى هذا القديس البتول وأعتبر مقامه يفوق سائر الرجال بإستثناء مقام يسوع الإنسان . وقداسته تأتي مباشرةً بعد قداسة مريم العذراء . فلو لم يتحلّ بهذا الكمال لما اختاره الله للقيام بهذا الدور . وزاد قداستاً بسبب صِلّته اليومية بيسوع الذي كان يحمله على كتفيه ويخدمه ، وبمريم العذراء ، أقدس المخلوقات ، فكان يرتفع بسببهم كل يوم إلى الإتحاد بالله .  

لقب ( العذراء مريم ) رددته الأجيال القديمة . فالعهد القديم يشهد على أن مريم حافظت على بتوليتها طوال حياتها . فحزقيال النبي تنبأ عنها ، فقال ( ثم أرجعي إلى باب المقدِس الخارجي المتجه للمشرق وهو مغلق فقال لي الرب ، هذا الباب يكون مغلقلً لا يفتح ولا يدخل منه إنسان لأن الرب إله إسرائيل دخل منه فيكون مغلقاً ) " حز 44: 1-2 " . الآية تشير إلى بتولية العذراء الدائمة فلا يعقل أن تجتمع تلك الممتلئة نِعمة بعد بإنسان وتلد بنين وبنات من والدهم الملوث بالخطيئة الأصلية ، أي أن أولاده سيولدون في خطيئة كباقي البشر ، ويكونون اخوة للرب  ، فهل يعقل بأن يكون لله أخوة خطاة ؟ مار يوسف البار كان يعلم جيداً طول وعرض وعمق فكرة معاشرة أم الله معاشرة زوجية لأن مريم هي ( تابوت عهد الله الجديد ) لا يجوز لأحد أن يمسه . إذاً للصعود بأفكارنا وتأملاتنا في أي موضوع لاهوتي يمكن أن نتأمله أجَلَ شانأ من موضوع بتولية والدة الله ، فكل الأبحاث تتوقف عند ختم البتولية الذي هو سرّاً عجيباً لا يمكن أن نجتهد بتفاسيرنا للطعن به ، أو التحدث عنه بكلمات مشحونة بالشك لقدرة الله العجيبة في هذا العمل ، فجسد العذراء هو أقدس مكان على الأرض أختاره الله ليسكن فيه ، ولمثل هذا السبب صرخ أبينا يعقوب ، وقال ( ما أرهب هذا المكان ! ما هذا إلا بيت الله وهذا باب السماء ) " تك 17:28" . أليست إذاً العذراء بيت الله ومسكنه ؟ فمن يستطيع الإقتراب منه .  فلماذا الشكوك إذاً ؟ وكيف يتجرأ المفترون بالقول : من حق مار يوسف الذي أشترك مع العذراء بعلاقة زوجية بعد الولادة أن يعرفها ، مبررين إدعائهم بأنهما متزوجان شرعاً ولا يقترفون أي خطيئة ، بل هو حق زوجي مشروع ، متناسين كل الآيات التي تشهد لمريم بأنها دائمة البتولية .  وبعض الهراطقة خرجوا ببدعة بأن مريم رُزِقَت بأولاد من مار يوسف بعد ولادة يسوع . أولئك الذين تسميهم الأناجيل ( أخوة يسوع ) مع تفسيرهم الخاطىء للآيات ، ومنها الآية ( ولم يعرفها حتى ولدت إبنها البكر ) " مت 25:1 " فالأحرف التي نجدها في مثل هذه الآيات ك ( حتى و إلى و أن ) فما يأتي بعدها تنسحب إلى معنى ما قبلها . فإذا كان المعنى قبلها منفياً فيكون معنى ما بعدها منفياً . أما إذا كانت الجملة مثبتة ، فستبقى مثبة ما بعد الحرف.  ففي تلك الآية نقرأ قبل " حتى " أن مار يوسف لم يعرفها . إذا ما بعدها أيضاً أي بعد ولادة أبنها لا يعرفها أيضاً . والأمثلة كهذه كثيرة في الكتاب المقدس ومنها :

( وخرج الغراب متردداً حتى نشفت الماء ) " تك 7:8 " نلاحظ قبل  "حتى " منفية حيث كان الغراب متردداً لهذا لم يرجع إلى الفلك بعد إنطلاقه أبداً ، لهذا ارسل نوح الحمامة أيضاً .

ميكال أبنة شاول الملك . تقول عنها الآية ( ولم يكن لها ولد حتى ماتت ) فهل يجوز لميكال أن تنجب بعد مماتها ؟

( قال الرب لربي إجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئاً لقدميك ) " مز 1:11 " هنا قبل كلمة حتى مثبتة لهذا جلس الرب عن يمين القدرة بعد صعوده وكما قال لقيافا .  

 ( ها أنا معكم كل الأيام وإلى إنقضاء الدهر ) " مت 19: 28 " لهذا نجد بأن المسيح يبقى مع أبناء كنيسته إلى إنقضاء الدهر ، لا وبل سيظل معنا نحن المؤمنين أبناء كنيسته حتى بعد إنقضاء الدهر في ملكوته السماوي .

( عيوننا نحو الرب حتى يترأف علينا ) " مز 2: 123 " هنا قبل حتى مثبتة ، إذاً ما بعدها أيضاً مثبت ، فعلينا أن نرفع عيوننا نحو الرب إلى أن يترأف علينا .  وهكذا القاعدة تشمل الآية ( ولم يعرفها حتى ولدت إبنها البكر ) لأن هذه الآية لا تخرج من القاعدة فكيف فسرها الهراطقة بأن يوسف عرفها فولدت بنين ؟  يقول يوحنا ذهبي الفم عن هذه الآية ( أستخدم الكاتب " حتى " في هذه الآية لكي لا نشك أو نظن إنه عرفها بعد ذلك إنما ليخبرك أن العذراء كانت هكذا قبل الميلاد ولم يمسها رجل قط ) . ربما يقال لماذا استخدم " حتى " ؟ الجواب لأن الكتاب أعتاد أن يستعمل هذا التعبير دون الإشارة إلى الأزمنة المحددة وكما التمسنا من الآيات المذكورة .  

إذاً كيف يستنتجون أن يوسف عرف مريم بعد ميلاد المسيح . وإدعائهم الكاذب دحضه القديس هيرونيمس قبل سبعة عشر قرناً ، عن الآية " مت 25:1 "  قال ( من هذه الآية استنتجَ بعضهم أن مريم رزقت أولاداً آخرين ، لأن لفظة " بكر " يدل على وجود أخوة جاءوا بعده . لكن الأسفار المقدسة كانت تطعن هذا اللفظ ، لا على الذي تبعه أخوه ، بل على المولود أولاً ، لأن هذا اللفظ كان يشعر إلى حقوق وواجبات تتعلق بالبكر ، وفي عبارة " ولم يعرفها يوسف حتى ... " هي البرهان على أن يوسف لم يكن أبا يسوع الطبيعي . أما عبارة " أخوة يسوع " فعند الأقوام الشرقية تدل على القرابة كأبن العم والخال والعمة والخالة . ) .

الأنجيل يؤكد لنا بأن مريم لم يكن لها ابناً غير يسوع ، فعند موت يسوع على الصليب ، عهد بأمه لدى يوحنا الأنجيلي ، فلو كان ليسوع أخوة بالمعنى الطبيعي لما فكر في هذا الأمر. إذاً كل هذه الآراء هي من نسج الخيال . مار يوسف كان بتولاً باراً يسمع إلى كلام الله عن طريق الملاك وينفذ دون نقاش ، فحياته كانت محرقة أستنفذ قواها في خدمة يسوع وأمه الطاهرة . كان حامي العائلة المقدسة وخادماً مغموراً لسر التجسد .  

أُطلِق عليه ألقاب كثيرة منها ( شفيع العمال ، شفيع الكنيسة الجامعة . شفيع العائلات . شفيع المتبتلين ، شفيع المحتضرين . شفيع الفقراء . شفيع المرضى . شفيع المنفيين ( لأنه كان منفياً ) شفيع الآباء . شفيع الأزواج . شفيه الكهمة والرهبان . شفيع الميتة الصالحة ... إلخ  

ختاماً نقول : مات مار يوسف بتولاً بين يدي يسوع ومريم البتول ميتةً صالحة . نطلب شفاعته لكي يجعلنا أن لا ننسى يسوع الذي كان يساعده في النجارة ، فنعيش مثله عيشةً مقدسة هادئة مع عوائلنا ، ولكي تكون حياتنا مقدسة مع يسوع ومريم ومار يوسف في العالم العتيد .  

 

  كتب بتأريخ :  الإثنين 26-10-2020     عدد القراء :  96       عدد التعليقات : 0