مار يوسف اودو والفرمان العثماني
نبيل يونس دمان

على بعد امتار من بيت البطريرك يوسف اودو ( 1793-1878 ) وُلدت قبل اكثر من خمسة
عقود ، ومنذ طفولتي وفي كل مناسبة دينية ، كانت والدتي تطوف بي حول قبره داخل كنيسة
دير السيدة حافظة الزروع ، حيث تزين مرمره الفاخر، صورته التي ابدع الفنان في رسمها
، وهو بعمامة الجاثليق التي سادت في القرون الماضية .
هكذا كبرت مع الايام وازدادت رغبتي في المطالعة ، عن تلك الحقب من تاريخ
المنطقة ، وفي الصدارة بلدتي الشامخة منذ الازمنة السحيقة ، ولازالت تقاوم صروف
الدهر، الذي ما برح يؤلم قلوب النهرينيين ، في طول البلاد وعرضها .
مار يوسف اودو ، سليل مهاجر من تخوما في اقليم حكاري (
تركيا اليوم ) حيث الاستقلال وروح المقاومة والبسالة ، استقبل ذلك المهاجر في القوش
بالإحترام والارتياح ، لضلوعه في علوم الطب الشعبي ، وهكذا تسلسل من تلك العائلة ،
اناس طبقت شهرتهم المنطقة ، واصبح لقب عشيرتهم ملازما لتلك المهنة .
في صغره صعد مع والده اسحق الى دير الربان هرمزد ، ليبتدأ حياة الزهد والعبادة
، ملبيا ً نداء ربه في الانخراط بالرهبنة عام 1812، فاعتكف في احدى صوامع الجبل
المهيب ، زاهداً ، متأملا، وهو يتلقى دروسه الاولى في حياته الجديدة ، على يد
الأنبا المارديني جبرائيل دنبو الذي افتتح الدير عام 1808 بعد انقطاع طويل ، بسبب
حملة نادر شاه ( طهماسب ) الشديدة الوقع ، والخلافات المذهبية التي اججتها تدخلات
المبشرين . في تلك الاجواء نشأ متاثراً بالتجديد الذي ادخله الأنبا جبرائيل دنبو ،
ثم تدرج في الرتب الكنسية كاهنا عام 1822، ومطرانا عام 1825.
وفي نيله لرتبته الاخيرة ، تشاء المصادفات التاريخية ان يكون امامه منافسا ً،
واقفا كالطود في طريق رغباته ، ذلك هو المطران ( البطريرك فيما بعد ) يوحنان هرمزد
( 1760-1838 ) من نفس البلدة ومن بيت ابونا العريق ، اصبحت تلك المواهب التي
امتلكها الطرفان وقوداً لصراع مذهبي استمر سنيناً طويلة ، فقسّم البلدة الى قسمين
مختلفين ، وتوسع الجدل والخلاف ليصل الى القرى والبلدات الاخرى ، لتكون عاصمة
الولاية الموصل ساحته الكبرى والحاسمة ، والكثير سمع بحزبي الطائفة : يوحناني
واليوسفي نسبة الى اسميهما ، ولسنا بصدد الكلام عن نشأت مار يوحنان هرمزد ، والظروف
التي ادت الى تحوله الى المذهب الكاثوليكي ، الوافد عن طريق الدعاة الغربيين ،
وبمساعدة دول قوية ، برزت في العالم اثر الثورة الصناعية في اوربا ، وفي المقدمة
ايطاليا وفرنسا .
صار الصراع بينهم شديدا، وكان القس كوركيس يوحانا والقس الراهب دميانوس
كونديرا ، عاملان مؤثران في سير كنيستنا ، والتي اصبحت على ابواب الافتراق التاريخي
عن كنيسة الأم المشرقية . عندما نسب المطران اودو الى ابرشية العمادية التي كانت
تشمل دهوك ، عقرة ، وزاخو ، ودير الران هرمزد ، كان البطريرك المثير للجدل مار
يوحنان هرمزد يعرقل ذلك ، واستطاع ان ينسب اليها قريبه مار ايليا سفرو المرسوم
مطرانا في قوجانس ، وحدثت تدخلات من باشا العمادية لصالح هذا الطرف او ذلك ، وسجن
على أثرها المطران اودوا مراراً في سجن القلعة ، وفي الموصل ايضا ً ، يطول الكلام
كثيرا في هذا الموضوع والذي لا يتسع المجال للخوض في تفاصيله .
نظرا لعلو مقام مار يوسف اودو، ونشاطه الدؤوب ، ومواهبه ، استطاع ان ينال
البراءة السلطانية اي الوثيقة او العهد ، يعرف كتاب بابو اسحق امثال تلك الوثيقة ،
بالشكل التالي ( السجل او كتاب العهد او المنشور العالي او البراءة الامامية فكان
يشتمل على الحقوق والامتيازات التي تمنحها السلطة المدنية الجاثليق وتخوله الحق في
مراجعة السلطات في الشؤون المتمثلة بالطائفة النصرانية )*
. لقد دأب الباب العالي على منح تلك الفرمانات الى النحل والملل في ارجاء
امبراطوريته والتي كان بعضها يخضع لاهواء السلاطين ، ومن ثم يسهل نقضها بين مدة
واخرى بحسب الأمزجة ، والنفوذ ، ووضع الدولة . من الجهة الاخرى كانت كل الشعوب
المنضوية قسرا الى تلك الدولة ، تسعى في الخفاء والعلن للتخلص من تلك الهيمنة ،
وهكذا وقعت انتفاضات وتمردات ، قمعت معظمها بشدة ، والغاية منها ابقاء سيطرة الدولة
المستعمرة ، لجني الاموال والضرائب ، ولسوق المجندين من الشباب الى جبهات حربها ،
التي لم تتوقف على مدار القرون من حكمها.
في اوائل القرن التاسع عشر، بزغ نجم قبائل راوندوز ، عرف منهم الأمير مصطفى
الذي ادار الدويلة بحكمة وقوة ، فانكسر الجيش الايراني امام صموده في قلعة راوندوز
فوق جبال زاغروس الشاهقة ، كما وعجز البابانيون عن قهره ، فعقدوا معه صلح مصاهرة ،
وعند وفاة مصطفى بك عام 1926 ، انطلق ابنه محمد الاعور ( ميري كور ) وفي نيته
التوسع ، فقتل عمّيه في الحال ، واخضع قبائل البرادوست والشيروان وطرد الحاكم
الباباني من حرير ، واخذ رانية وكوي وألتون كوبري، واربيل ، حتى اضطر والي بغداد
علي رضا امام تلك التوسعات ، ان يعترف به ويمنحه الباشوية**
، وظل يرقب عن كثب فرصة الزحف باتجاه بهدينان ، وفيها الامارة الكردية التي مركزها
قلعة العمادية ، وتضم دهوك ، عقرة ، زاخو ، والدير .
في بداية الثلاثينات من القرن التاسع عشر قامت عداوة بين أغا المزورية وامير
الأيزيدية ، فتوسط للصلح بينهم اسماعيل بك حاكم عقرة ، فاقنع الامير الأيزيدي علي
بك بزيارة الأغا المزوري الذي مقره في قرية بالطة ( بالاتن ) ، ثم امر الأغا برد
الزيارة ، وفي تلك الفترة الفاصلة اتفق سعيد محمد طيار ، باشا العمادية سراً مع
الامير الايزيدي بقتل الاغا ، وهكذا في الليلة التي كان الاغا ضيفا في باعذرى مقر
الامارة ، اغتيل علي أغا وابنه سنجان اغا . هنا طار رشد مُلا بهدينان المعروف يحيى
المزوري ( 1772-1838 ) ، لكون المقتول عمه ، فغلا الدم في عروقه للانتقام من امير
الايزيدية ، وكل محاولاته اقناع حاكمي العمادية وعقرة باءت بالفشل ، وادرك بدهائه
ضلوع الأخيرين في المؤامرة ، واعقب كل ذلك مقتل ابن المُلا يحيى الملقب ملا عبد
الرحمن على يد احد خدام سعيد باشا ، مما حدى بالملا الاستجارة بباشا راوندوز الطموح
محمد الأعور، اصطحب معه لتلك الغاية موسى بك المنافس لشيقه باشا العمادية . كانت
تلك فرصة الباشا الراوندوزي الذهبية ، حيث افتى الملا يحيى بمحاربة الايزيدية ،
وكانت كلمته مسموعة في بهدينا وغيرها ، وترقبوا عن كثب اندفاع باشا العمادية
لمناصرة الايزيدية ، لتكون الحجة قوية وفي مكانها لمحاربته ، بدعوى وقوفه مع الكفار
.
تحرك الجيش السوراني الجرار ، وهو معد جيدا وبحوزته مدافع صنع قسم منها محليا
ً ، فقسم الى نصفين قاد الباشا نصفه والنصف الاخر قاده شقيقه رسول بك ، طاردوا
الايزيدية في كل مكان ، من جبل مقلوب والشيخان ، وزاخو وطور عابدين والجزيرة ،
فمحقوا قراهم عن بكرة ابيها ، وسبوا نسائهم ، هنا تحركت جيوش البهدينان لمناصرة
الايزيدية ، وعند مجابهتهم السورانيين لم يصمدوا طويلا ، فصارت الذريعة بيد باشا
راوندوز ، فاحتل عقرة واخضع الزيبار وحاصر العمادية . وفي ذروة القتال ضد الايزيدية
، إلتجأ اميرهم الى القوش ، عندها ملأ الملا يحيى الدنيا صراخا ً ، محرضا الباشا
لضرب القوش ، كسر شوكتها ، سلب ذهبها ، وسبي نسائها ، كل ذلك حلله الملا يحيى
المزوري ، مما أغرى واطرب الباشا الأعور المتعطش للدماء .
معذرة للقراء في إقحامهم بسرد تاريخي قد يمل منه البعض ، لكنه السبيل للاقتراب من
الحقيقة ما امكن ، اما إدراكها فضرب من الخيال . المطران اودو نتيجة تواجده في
العمادية ، فقد كان قريبا من الدوائر الحاكمة ، ودائم الاتصال بها ، كما وكان يتابع
بحكم موقعه وضع الدولة العثمانية ، فكان وفقا لذلك يعرف قوة الفرمان الذي معه ومدى
تأثيره . بالنظر لبعد مركز الدولة عن مناطق الاحداث الساخنة ، وصعوبة وصول جيوشها
ونجداتها في الوقت المناسب ، فقد كان الولاة والبكوات والباشوات في تغير دائم ، ليس
وفقاً لفرمانات الدولة ، بل على العموم وفق منطق القوة ، فكم من طاغية صعد الى
الحاكمية بالشدة التي اتبعها ، وبدرجة اضطهاده لعموم الناس ، وغالبية الحكام لقوا
حتفهم بالدسائس والمؤامرات ، وقسم منهم اختلفوا وتقاتلوا حتى وهم من اسرة واحدة ،
فكيف ترى في تلك الظروف والاحوال ، لزاماً على المطران اودو ان يتصرف ؟
عندما عجز والي الموصل مصطفى باشا عام 1757 ( عن سلب المسلمين دراهمهم ، عمد
الى النصارى واليهود المسيحيين واليهود مطالبا اياهم بمبالغ كثيرة بحجة انهم عمروا
كنائسهم بعد حصار الموصل من قبل الايرانيين بدون استحصال الاجازات اللازمة ، ولم
يفدهم للتخلص من هذه النقطة إبراز الفرامين المستحصلة من الباب العالي والمعطاة لهم
لهذه الغاية )***
. كان المطران اودو يدرك بأن فرمانه لا يجدي نفعاً ، امام مايحدث امامه ، وخصوصا
المجازر الوحشية ، ضد جيرانه الايزيدية ، فلا فرق ان ابرزه او اخفاه لان الدولة
نفسها تفتقد الى الاحترام والهيبة ، من قبل الباشا محمد مصطفى الراوندوزي . ومع ذلك
عندما اطمأن المطران الى الجاويش عبدالله ، أبرز الفرمان ، وكان بمعيته أخيه اسحق ،
وابن اخته الكهية يوسف رئيس على مياه ( كرّو ) خلف جبل القوش ، فاخذه الجاويش الى
الباشا المخيم فوق تل المقابر ( رومه ) شرق البلدة . كان الباشا للتو قد قتل المئات
من الابرياء ، والعديد من رجال الدين وفي المقدمة الأنبا جبرائيل دنبو ، وتخريب
البيوت ، وتدنيس المقدسات . في تلك الاجواء الممطرة دماً ، وقف المطران اودو ،
مرتجفاً امام خيمة الطاغية ، الذي باستطاعته قطع المطران بالسيف كما تقطع قطعة
الجبن ، لكنه تمهل قليلا ً، واستمع الى كلماته المؤثرة ، التي اثارت الشفقة ، فاصدر
اوامره بوقف القتل ، وارجاع المنهوبات ، والصبايا والاطفال ، والدعوة لرجوع
المشردين الى بيوتهم ، اذن ! هل كان المطران سبباً في ماحدث ؟ ام انقذ ما تبقى ؟
اترك الاجابة للقراء .
لمن اراد مواصلة قراءة الاحداث ، عن تلك الايام الصعبة ، فالنظر الى السنوات
التي اعقبتها ، هي الجواب لكل طاغية أرعن ، في كل زمان ومكان ، تسوله نفسه قتل
الناس دون رحمة او شفقة على المرضى والمسنين والاطفال ورجال الدين :
القوش :
فقد نهضت من تحت الانقاض التي خلفها السورانيون ، وقام منها رؤساء بلدة طارت
شهرتهم في الافاق ، منهم ( أيسفي كوزل ) الذي كان يعين ويعزل الاغوات في المنطقة .
البطريرك مار يوسف اودو:
نال الاوسمة العالية ارتباطا ، بسيرته المستقيمة ، وتاريخه المشرف ، والتفاف
الناس حوله ، منها وسام عالي شان من السلطان العثماني عبد العزيز ، وحظي باستقبال
ملك النمسا ، وخديوي مصر .
علي بك امير الايزيدية :
ذهب ضحية المؤامرات واحلام السطوة والسيطرة لحكام ذلك الزمان ، طورد في القوش
ثم في الموصل التي حوصر مع خيرة رجاله في تل قوينجق بالجانب الايسر من دجلة ، وعند
محاولته عبور النهر والوقت شتاء ، رفع الموصليون الجسور ، فاصبح تحت رحمة
السورانيين الذين فتكوا برجاله واوقعوه اسيرا ً، وبعد مدة ارسل ميري كور اخيه رسول
الى راوندوز للدفاع عنها ، وقبل الوصول الى قلعتها قتل اسيره ورماه في مضيق زلزالي
من جبال زاغروس ، ومنذ ذلك اليوم خلد التاريخ العراقي إسمه ، الذي اصبح معلماً
سياحيا ًمعروفا ً ( ﮔلي علي بك ) .
محمد باشا الراوندوزي:
انهزم امام زحف قوات الصدر الأعظم للدولة رشيد باشا مع قوات محمد اينجة
بيرقدار باشا الموصل ، وقوات علي رضا باشا بغداد ، وتحصن في قلعة راوندوز ، ثم
استدرج بمكيدة ليرسل بعدها الى استانبول ، واثناء عودته الى امارته قتل قتلة شنيعة
في ولاية سيواس .
الملا يحيى مزوري:
عند انحسار قوات السورانيين وعودة باشا العمادية سعيد محمد طيار، هرب باتجاه (
حصن كيفا ) ولكن قبض عليه في سنديا ، كما والقي القبض على تلميذه ملا قاسم المايي
وسملت عيناه ، كانت حياته في خطر ، عندما مثل امام باشا العمادية ، لولا تدخل الشيخ
محمد العقراوي ، الذي كان الباشا يحترمه كثيرا ً، لذلك أبقاه ، ولكنه لم يستسغ
البقاء في بهدينا ، فقصد بغداد وتوفي فيها غريباً عام 1838 .
الهوامش
*
صفحة 51 - أحوال نصارى بغداد - رفائيل بابو اسحق -
مطبعة شفيق - بغداد 1960 .
**
صفحة 271 - اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث
-
لونكريك - ترجمة جعفر الخياط -
دار الكشاف بيروت 1949 .
***
صفحة 47 من كتاب " الموصل في القرن الثامن عشر -
تعريب القس روفائيل بيداويد - المطبعة الشرقية الحديثة في الموصل 1953 " .
المصادر :
◄
القوش عبر التاريخ - المطران يوسف بابانا - بغداد 1979.
◄
سفر القوش الثقافي
-
بنيامين حداد - بغداد 2001 .
◄
الرئاسة في بلدة القوش
-
نبيل يونس دمان
-
اميركا 2001 .
◄
العراق عام 1820 - جيمس ريج - ترجمة بهاء الدين نوري - مطبعة السكك الحديدية -
بغداد 1951 .
◄الاكراد
في بهدينان
-
انور المايي - الطبعة الثانية دهوك 1999 .
◄الاشوريون
بعد سقوط نينوى
-
هرمز ابونا - شيكاغو 1999 .
