غبطة الكردينال الكلداني والدين والسياسة

 

نحن نستغرب من قيام بعض من الأخوة بكتابة أمور لا يعون مردودها ، ولا يفهمون في تفاصيلها وملابساتها ، لا بل ذهب هذا البعض ، وهذا حال الكثيرين بأستخدام صيغة الجمع على تصرف فردي ، ويعكسونه على أنتماء ذلك الفرد سواء كان ذلك الأنتماء دينياً أو سياسياً أو أجتماعياً أو قوميا ، وهذا خطأ من الأخطاء الشائعة .

قرأت مقالين أو ثلاث أعتقد أن أصحابها ممن يعتنقون الفكر الألحادي الذي يتعارض مع رسالة الدين السمحاء وتعاليم المحبة الهابطة من السماء ، ومن الطبيعي والأعتيادي أن يتعارض فكر هؤلاء مع الرسالة التي يحملها غبطة البطريرك الكلداني الذي يمثل تطبيق تعاليم يسوع على الآرض ،

فما أن ذكر غبطة الكردينال الكلداني بأنه إذا لم يكن طارق عزيز أحد أقطاب الحكم العراقي السابق مذنبا فمن الممكن الدعوة إلى أطلاق سراحه .

قامت قائمة المتربصين ولم تقعد ، لقد كفر الكردينال ، لقد تدخل بالسياسة ، يدافع عن أبي رغال وووووووو ....... الخ

ولم تقم قيامة هؤلاء عندما أطلق الأمريكان سراح وزير الثقافة العراقي السابق محمد سعيد الصحاف ، كما لم يهتم أحد بشأن أطلاق سراح رئيس المجلس الوطني في نظام صدام حسين الدكتور سعدون حمادي ، ولم يعر أي أهتمام وجود عزة الدوري في بلدان عربية قريبة ، ولم يهتم هؤلاء ولم يهتز شاربهم لعمليات الأجرام التي تحدث في العراق ، ومن يمارس القتل والتهجير ، وكيف قضوا العراقيين هذا العيد وغيره من المناسبات ، لكون الجميع خارج العراق وينعمون بالأمن والأطمئنان وبعيدين عن موقع المسؤولية سواء كانت الوطنية منها أو القومية .

لم تكن دعوة الكردينال الكلداني أمرا ملزم التنفيذ يوجه للسلطات الأمريكية لكون أمر طارق عزيز خارج عن سلطة العراق الحاكمة ، نقول لم يوجه سيادة الكردينال أمرا للقوات الأمريكية المحتلة والتي تحتجز طارق عزيز لأنه خارج سلطة أعلى سلطة في العراق ( وهذه من محاسن التحرير ) أن تستلم أعلى سلطة في العراق الأوامر من أقل قائد لسلطة الأحتلال ( ونتكلم عن التحرير ) .

لا نعرف تفاصيل هذه الدعوة ولماذا جاءت في هذا الوقت بالذات وما علاقة غبطة البطريرك الكلداني بهذه المسألة سواء كان طارق عزيز كلدانيا أم برتكيشياً .

السؤال الذي يفرض نفسه هو : أين كان أصحاب الدعوات التي تطالب بإعدام طارق عزيز عندما كان الأخير في القمة العلوية للهرم السلطوي في العراق ؟

ولماذا لم نسمع لهم صوتاً آنذاك ؟ هل بسبب الخوف ؟ أم بدافع محبة النفس و( يا روح ما بعدچ روح ) ؟أم الأتكالية الفردية ( عساها تنهجم وآني شعليّه ) .

لماذا لم يتشجعوا ويتحزموا بحزام ناسف لينسفوا طارق عزيز ؟ علما بأن الاخير لم تكن له حماية كتلك التي لصدام حسين أو لبقية الوزراء ؟

لماذا خانتهم الشجاعة ولم يستطيعوا حمل رمانة يدوية كما فعلها السيد المالكي حينما ألقاها على طارق عزيز وهو في السلطة ؟

وإذا كانوا هم خارج العراق ، ألم يكن طارق عزيز خارج العراق يصول ويجول في دول العالم كلها بدون أية حماية تذكر ؟

لماذا لم يستغلوا تلك الظروف ؟ أم أنهم على مقولة المثل العراقي : الثور من يقع تكثر السكاكين ؟

أستغرب أكثر عندما يصف أحد الذين أنتقدوا غبطة البطريرك الجليل عندما يقول بأن طارق عزيز قد وقّع على إعدام عشرات الألوف من أبناء الشعب العراقي ؟

يا عجبي من هذا الكلام !!! هذا الكلام يستحق عدة علامات أستفهام نضعها أمامه !!!

أنا لستُ هنا في موقع الدفاع عن الرجل فهو متمكن وله عائلة تدافع عنه وغيرها ولكن بأعتباري كلداني ومسيحي وعراقي من حقي أن أدافع عن الكلمة الصادقة ، هذا بالإضافة إلى أني قضيت أكثر من خمسون عاما من عمري في العراق ولدي أطلاع لابأس به على ما كان يجري في العراق ، لا بل حتى الذين هم خارج العراق كانوا على بيّنة بما يجري داخل العراق والكل يعرف بأن سلطة الأعدام كانت مقتصرة على عدد محدود من ذوي السلطة ومن الدائرة المسؤولة والقريبة من مركز أتخاذ القرار ، ولم يكن طارق عزيز من ضمن هذه الدائرة ، والكل يعرف بأن مهما كان أنتماء طارق عزيز فكان ( بالكاد يِسْلَمْ على ريشَهْ ) من النتف.

هناك نكتة يتندر بها العراقيون سابقا عن إمرأة ريفية قابلت صدام حسين آنذاك مشتكية عن حال العراق قائلةًُ : سيدي الرئيس كل المسؤولين يسرقون عدا أثنين. فأستغرب الرئيس من كلامها وسألها عن الأثنين فقالت بتجرد وعفوية ريفية : أنت وطارق عزيز .

فأستغرب متسائلا ولماذا فقط نحن الأثنان ؟

فأجابت الريفية : أنت لكونك رئيس جمهورية وكل خزينة العراق تحت يدك فلا تسرق ، أما طارق عزيز فكل دولارات الدنيه بيده ، ولم نراه يوما في العراق فكيف يسرق ؟

هذه المرأة الريفية تعرف بأن طارق عزيز مسؤولا متجولا في أرجاء الدنيا ودول العالم وأروقة الأمم المتحدة تشهد بذلك ، فكيف فات عن بال الأخوة ما لم يفت عن بال تلك القروية الريفية ؟

عن الكردينال الكلداني مار عمانوئيل الثالث دلي هو رئيس كنيسة بابل ، وهو الأب الروحي للكلدان الكاثوليك في العالم وهو رجل شهم وشجاع وقائد يعرف كيف يدير دفة المسؤولية بحنكة وبراعة مدفوعا بقوة الروح القدس تظلله وتحميه وتأخذ بيده ، وقد أنطلق من دعوته هذه لعدة أسباب منها :

ويمكنني تحليل نداء غبطته إلى :

  1. دوافع إنسانية : منطلقا من رسالة يسوع المحبة للسلام .

  2. منطلقاً من مبدأ – العفو عند المقدرة –

  3.  دوافع إيمانية : - لا تدينوا لئلا تدانوا -

  4. دوافع المسؤولية الدينية والقومية بأعتبار أن طارق عزيز مسحي وكلداني ، ومهما يكن قد أخطأ فليس من المنطق أن نخطئ نحن تجاهه ، ويجب أن نتذكر بأن رحمة الله واسعة ولا نستطيع أن ندرك مدى سعة رحمة الرب " لا تثرثر على أحد صديقاً كان أم عدواً " يشوع بن سيراخ 19 : 8

  5. أعتبارات أخرى : لا ندري إن كانت عائلة طارق عزيز قد توسلت بقداسته وطلبت منه بأعتباره الأب الروحي للكلدان قاطبة أن يكون واسطة خير لدى من بيدهم الأمر ويطالب بأطلاق سراحه إن لم يكن مذنباً ، وسواء كان هذا الشخص أبي رغال أم غيره ، ألم يعفو الرب عن صالبيه ؟ ألم يعفو أسطيفانوس الشهيد عن الذين كانوا يرجموه ؟ " يارب لا تحسب عليهم هذه الخطيئة " أع 7 : 60

ومهما يكن من أمر فإننا نقول ولننطلق من قول الكتاب :

" إن الحكم يكون أشد قساوة على الذين يحتلون المناصب الرفيعة " حكمة 6 : 5

إن غبطته لا يفتأ في كل مناسبة أن يطالب وينادي بوحدة العراق ويطلب من الرب أن يحفظ العراق والعراقيين ،وهو مؤمن إيمانا قوياً لا يتزعزع بما قاله يسوع عن المحبة ومحبة الغريب وحتى محبة الأعداء ، وبالتأكيد وفي خضم هذه الصراعات فقد طلب غبطته من الرب كما طلب سليمان الحكيم عندما تجلى الله له حيث طلب الحكمة والعقل :

" فأمنحني عقلاً مدركاً لأحكم شعبك وأميّز الخير من الشر "  1 مل 3 : 9

مما جعل الرب القدير يكافئ سليمان بالكثير .

" وأعطى الله سليمان حكمةً وفهماً خارقين ورحابة صدر كرمال الشاطئ "  1 مل 5 : 9

وهل في دعوة غبطته لتطبيق الحق عيباً أو نقصاً ؟

كيف نطالب الرب بأن يغفر لنا خطايانا ونحن لا نغفر لغيرنا ؟ هل نؤمن بأن الرب : علينا غفورٌ رحيم وعليهم شديد العقاب ؟ لماذا ؟

لا أدري لماذا لاتتحمل قلوبكم أية دعوة من قبل غبطة البطريرك الكلداني ؟ ألم يطلب البطريرك الكلداني بدعواته الأمن والسلام لكل العراقيين ؟

وهل كان كل العراقيين كلداناً لكي يشاركهم في صلواته ويطلب للعراق العظيم الأمن والسلام ؟

وهل كان كل العراقيين مسيحيين لكي يصلي الكردينال من أجلهم ؟

وهل كان كل العراقيين كاثوليك لكي يطلب الرحمة والأمان لهذا الشعب ؟

لقد أحتار غبطته معكم يا  ......

فإن دافع عن العراقيين أنتقدتموه !!!

وإن دافع عن الكلدان ، أعتبرتم ذلك تدخلاً في الشؤون السياسية من قبل الكهنة ، وهذا ليس من واجبهم

وإن دافع عن الكاثوليك أقمتم الدنيا ولم تقعدوها

وإن جاهر بهويته القومية وصمتموه بالذي لا يريد الوحدة لأبناء شعبنا وغيرها من الصفات .

أتذكر وأنا تلميذ في الدراسة الأبتدائية قصة جحا وأبنه والحمار ، ركب جحا الحمار وسار أبنه بجانبه ، أنتقدته مجموعة من الناس كيف أن رجلا كبيرا يركب الحمار ويدع الطفل يسير على قدميه .

ولما ترجل هو وركب أبنه ، أنتقدته مجموعة أخرى من الناس كيف يمكن أن يرتضي هذا الصبي الركوب على الحمار وأبيه الشيخ يسير على قدمية ، بالتأكيد أن هناك خللا في تربيته؟

وإن ركب الإثنان على الحمار أنتقدتهم مجموعة أخرى بوصفهم عديمي الرحمة والشَفَقَة ، وإن سارا مع الحمار نعتوهم بالغباء ، وإن حملا الحمار وسارا نعتوهما بالحمقى ؟؟؟؟ حيرة والله حيرة !!!

وصح المثل العراقي القائل " إرضاء الناس غاية لا تُدرك "

من الصعوبة جداً أن تقنع طرفا بما لا يمكنه أن يعتبره صحيحاً

إن كان طارق عزيز بعيداً عن الإيمان وخارج عن الكنيسة ، فهل نقاطعه ؟ لربما نحن العلمانيين نفكر هكذا تفكير ، ونحاول الأنتقام ونطبق شريعة العين بالعين والسن بالسن ، ولكن رجال الدين لهم شريعتهم الخاصة ، فهم يتصرفون على ضوء الكتاب الذي قال :

" تصرفوا بحكمة مع الذين هم من خارج الكنيسة " كو 4 : 5

أيها الإخوة : لا تكونوا مثيري القلاقل والمشاكل والفتن ، لكي لا يحذر الناس منكم ويبتعدوا عنكم :

" أناشدكم أن تكونوا على حذر من الذين يثيرون الخلاف والمصاعب، أبتعدوا عنهم ." رو 16 : 17

ولكن يا سيدي الكردينال : لا تهتم لذلك ، فها هو صليبك تحمله عن طواعية دون إكراه أو إجبار ، وها هي المِحَنْ تُحيطُ بك  من كل حَدْبٍ وصوب ، ولكن إيمانك أقوى وأشد ، وطوبى لك أيها الكاهن الصابر الصامد ،وقد صح فيك قول يعقوب الرسول :

" طوبى لمن يتحمل المحنة بصبر ." يع 1 : 12

كلمة أخيرة أوجهها لهؤلاء القوم ، ما قاله بطرس الرسول :

" تعقلوا وتنبهوا " 1 بط 5 : 8

ما جئتم به ما هو إلا نتيجة شعوركم بالوحدة والضعف والعجز والأنفصال عن الآخرين ، وهو نتيجة حتمية لتركيزكم على مشاكلكم الشخصية والخاصة ، مما أنساكم أن تحذروا من الخطر الكامن .ولكن عليكم البحث عن من يسندكم من المؤمنين ورجال الدين ، ف هم الذين يباركون ويصلّون من أجلكم فتحيون . " الرحمة تتفوق على الحكم "  يع 2 : 13

 

نزار ملاخا / المجلس القومي الكلداني الدنمارك وعموم أوروبا

alkosh50@hotmail.com