قوى اليسار العراقي .. والحراك المدني الجماهيري

هنالك مثل شعبي  يقول: " ان العين لا تحب الارجح منها " ومع ان هذه الصفة تعد ذميمة ومن بنات الانانية غير الحميدة ، بيد انها تتلبس الكثير من الناس للاسف الشديد، ان حديثنا هذا له ربّاط كما يقال. لقد تعلمنا في السياسة ومن خلال احداث تاريخية عديدة . بان النهوض الجماهيري والثورات تنبعث بفعل، اولاً القوى المحركة لها والتي تتمثل عادة بافتقاد الجماهير للحرية والعيش الكريم فضلاً عن قساوة الاستبداد وانعدام العدالة الاجتماعية، وثانياً القوى القائدة، اي الطليعة الواعية الثورية المنظمة، والتي سماها " لينين" بالاداة الثورية التي تفجر الاختمار الثوري حينما تدنو الازمة السياسية من نطاقها الحرج.

ويشار غالباً بان الانتفاضات الجماهرية تنطلق عفوياً . وفي الواقع لا توجد عفوية بالمعنى الواسع للكلمة بمثل تلك الهبات، انما حالها حال الصدفة والتي في حقيقتها تنطلق بالضرورة القصوى، ولكن اسبابها غير ملموسة للوهلة الاولى، لذلك تسمى صدفة. حيث ان كل الظواهر لها اسباب مسبقة. وعطفاً على ما اشرنا اليه آنفا فان عوامل تفجر الثورات، تتلخص بقواها المحركة واداتها القائدة، واذا ما  حصل ولم تتوفر" قيادة " متكاملة في وقتها  غير انها وبواقع حتمي ستنبثق وتتكامل من داخل المنتفضين، الا ان هذه الحالة تبقى ضمن نطاق الاستثناء وليست هي القاعدة. وهنا يصحبنا الحديث في مجراه الى رؤية واقع الحراك الجماهيري المنتفض في شوارع العراق، وما يقال عنه جزافاً في بعض الاحيان، والبعض الاخر يراه بعين غير منصفة، وبقول اخر يقصد به تشويه حقائق الامور الصادمة للبعض !!.

ويتحدث " المنصفون جداً " واصفين الحراك الجماهيري بانه يتكون في الاغلب من شباب خريجين دفعهم تمييز السلطات في التعيين !. بهذه الصورة المجردة، التي يراد بها الاستهانة بمظالم المواطنين عموماً وبخاصة الكادحين التي تحركهم، كما يقصد به ايضاً، تسخيف تأثير الفكر المدني الديمقراطي عليهم، ومما لا شك فيه، ان الحراك غدا شعاره المركزي هو الدولة المدنية مقرونة بالعدالة الاجتماعية، وهي شعارات قوى اليسار قبل غيرهم، والتي امست بلسماً لامراض اجتماعية عديدة خلفتها تسلكات البعض تحت شعارات دينية زائفة بهدف المتاجرة والمزايدة للتشبث بالسلطة، فضلاً عن التوغل بالفساد وبالخراب وانعدام الشعور الوطني، ضمن ضلال التشظي المذهبي و القومي المستثمر سياسياً بغية تقاسم السلطة والمال الحرام.

من الاهمية بمكان الاشارة الى احتفالات رأس السنة الميلادية في بغداد وعلى سبيل المثال وليس الحصر. قد شارك فيها اربعة ملايين مواطن وذلك دون ادنى ريب بفعل تأثيرالفكر المدني. هذا ويأتي في ذات السياق الاصطفاف الذي حصل من قبل قوى دينية صادقة تؤمن بالاصلاح " التيار الصدري " مع قوى الحراك المدني في التظاهرات والاعتصام في المنطقة الخضراء.

وعند التواجد في ساحات التظاهر يشاهد المرء وعن قرب جلي، بان الشخصيات اليسارية تتصدر الموقف، و يلح السؤال: لماذا لا تتواجد القيادات السياسية الوطنية الاخرى لتشارك في التظاهر؟ ما عدا القيادات اليسارية وفي المقدمة منها الشيوعية تحديداً، فلا يفوت يوم جمعة دون ان تجد المناضل والناشط المدني " جاسم الحلفي " عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي يتصدر الحراك مع باقي الناشطين المدنيين، واكثر دلالة بانه كان " رأس النفيضة " في عملية عبور المتظاهرين للجسر الجمهوري لاول مرة نحو المنطقة الخضراء، ليس هذا فحسب، انما نزيدنكم من الشعر بيتاً، كما يقال ، بان نائب سكرتير الحزب " رائد فهمي " وثلث قيادته يتواجدون بتواصل في تظاهرات الجُمع في ساحة التحرير، و قد تواجد عدد منهم في الاعتصام امام بوابة المنطقة الخضراء.

وللتاريخ نذكر بان اول حراك احتجاجي عام 2011  انطلق حول فقدان الطاقة الكهربائية، في مدينة النجف من قبل الشيوعيين وانصارهم، وتجدد في بغداد وكان اول المعتقلين في حينها على اثر ذلك، بعض رفاق الحزب، ولم ينقطع انصار الحزب ورفاقه والقوى المدنية اليسارية واللبيرالية وعموم الوطنيين، عن هذا الحراك لحد هذا اليوم، انما اصبح ما انتجه الحراك هو عملية الاصلاح التي فتحت الابواب على مصارعها للتغيير ومحاسبة الفاسدين واسقاط مشاريع تقسيم البلد شعباً وارضاً، بوحي من اجندات اجنبية. تلك التي صنعت المستحيل لعرقة الاصلاح وحولته الى لعبة ساخرة ينطبق عليه المثل القائل: " يريك حنطة ويبيعك شعيراً " . كان الهدف  من عملية هو الخلاص من نهج المحاصصة الطائفية القومية، غير ان الذي يجري هو الخروج من بابها والدخول اليها من نوافذها  اي العودة  الى الكتل السياسية الفاشلة ذاتها لاصلاح ذات البين !، اذا جاز هذا التعبير. وليس اصلاح العملية السياسية التي صارت مرهونة بارادة الفاسدين والفاشلين.  وتعيش في حالة موت سريري وغير مأسوف على امثالها.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 11-04-2016     عدد القراء :  1910       عدد التعليقات : 0