ترميم ضريح النبي ناحوم في القوش

ها ان يد المساعدة قد امتدت لتنقذ الهيكل المحيط بقبر النبي ناحوم، الراقد قبل ثمانية وعشرين قرنا في تربة البلدة القوش حصن نينوى المنيع، كان المبنى آيلاً للسقوط في اية لحظة، وقد شهد في العقود الاخيرة سلسلة انهيارات وتصدعات عديدة كادت ان تؤدي به في الكامل، لولا وضع غطاء معدني ضخم شكل مظلة حمته من الامطار والثلوج وعوامل الطبيعة الاخرى، ثم كانت الخطوة الكبرى والأهم في اواسط العام الماضي حيث باشرت شركة مختصة باعادة بنائه على الطراز الذي انشأ عليه عبر التاريخ الطويل،علماً بان المبنى الحالي قد بُني عام 1796.

قدّر لي هذا الربيع ان اكون ضمن وفد جمعية مار ميخا لنزوره، فقصدناه مجموعة من الاخوة والاخوات القادمين من الولايات المتحدة الاميركية، فرأينا العمل المنظم والدقيق القائم على قدمٍ وساق من قبل عمال وخبراء في الآثار، قبل الدخول اليه رأينا قطعة بارزة تشير الى العمل وقد كتبت باربعة لغات هي( العربية، الكردية، الانكليزية، والسريانية) وسط مكان مسيج جيدا لكرفانات اقامة الخبراء والبناة المختصين.

في الداخل استقبلنا بحفاوة الاخ  برهان المسؤول عن العمل، وكانت اللغة الانكليزية هي المشتركة بيننا، فوضح امورا كثيرة وشرح طبيعة العمل ومدة الانجاز، وما ان عرف ان احد اعضاء وفدنا وهو باسم هرمز كادو المولود في ذلك البيت وسط المجمع قبل اكثر من سبعين عاما، حتى هلّل وجهه فرحاً، واخذ يسأل باسم عن المكان والوضع الذي كان عليه في ذلك الزمان، وسمعته يطلب منه صورا قديمة حتى يستفاد منها في اعادة بنائه على افضل واكمل وجه ديني وسياحي( يسعدني ان انشر صور قديمة وحديثة لهذا الغرض).

باسم هرمز كادو ضمن وفد جمعية مار ميخا الخيرية متحدثاً الى الاخ برهان

اخذنا صور وفيديوات من الداخل وسط العمال، وشاهدنا الحزام الناقل للقطع الصخرية للأعلى، ورأينا صخب المكائن والهياكل الحديدية والدعامات الممتدة، وفي الخارج احيط المكان بسياج معدني مشبّك، ورأينا العمال يقومون بأعمال وقد أنجزوا الكثير مما فاقتوقعنا، وعادت الحيطان الخارجية والكوات المربعة الى سابق عهدها بل افضل. شاهدت الباب في البوابة الجنوبية قبل سنين وكان يعلوه صخر مقوّس مائلا للسقوك، فإستعان يونان حبيب دمان الذي يسكن البيت المقابل، بسند خشبي متين(ܣܬܘܢܐ) فبقي مقاوماً سنين اضافية حتى وصلت يد الرحمة القوية الحالية.

جانب من البلدة القوش ويظهر من امامها سطح ضريح النبي ناحوم

اما ونحن في صدد الكلام عن مزار ناحوم، فقد التقيت بالاخ حميد كادو وذكر انهم سكنوا في داخل مبنى ناحوم كون والده الياس مختارا انذاك لمحلة اودو، كانو قبل انتقالهم الى مبنى ناحوم يسكنون بجواره مع مجموعة اخرى من العوائل غالبيتهم من بيت كادو ومنهم الخوري المعروف يوسف كادو( 1892- 1971) كانت عائلتهقد وكّلت لتدير المكان غداة مغادرة اليهود العراق، حتى جاء اليهم مدير الناحية مدعياً ان المبنى يعود للأوقاف، ثم سمح لهم ان يسكنوا الغرف الجنوبية( ܚܘܫܟܬܝܼܐ) فيما تحول ايضا الشماس هرمز كادو وعائلته ليسكن غرفتين بجوارنا، كان والده شماساً متعمقاً باللغة السريانية ويشار اليه بالبنان، وعندما توفي في عام 1954 انتقلوا الى بغداد، واصبح يدير المكان بيت عمه هرمز حتى عام 1973، وبدورهم انتقلوا الى بغداد، فسكن المبنى عمه موسى كادو لفترة اخرى، وبعد وفاته صار سامي جعو شاجا مسؤولاً عن مفاتيح المبنى اعتباراً من عام 1985، وحتى الآونة الاخيرة كان ابنه نصير، الذي يسكن في الجهة الغربية للمبنى، يؤدي الخدمات المطلوبة في هذا المكان المقدس، والى قيام التصليح الحالي الذي يتخذ ابعاداً مهمة وجديدة.

القائمين على ادارة ضريح النبي ناحوم بعد تهجير يهود العراق الصورة في عام 1960 والمناسبة زواح يونس الياس كادو

التقيت ايضا بأمراة اسمها سلمى كادو،وهي شقيقة حميد والبالغة من العمر حوالي 80 سنة، وحدثتني عن طفولتها التي قضتها في داخل المبنى مع عائلتها حيث كانوا ينظفون المكان ويكنسوه، كان صوتها ينساب واضح النبرات صافياً وصادقاً واصبحت كلّي آذان لأسمع، وانا اتشوق دوما منذ حداثتي لسماع ماضي وتاريخ بلدتي العريقة.حدثتني عن وقائع شاهدتها بعينها عن عجائب النبي ناحوم، وبغض النظر عن التأويلات والتفسيرات المتباينة التي ستبرز من لدن القراء، نشير اليها كما تناهت الى أسماعنا:

الحادثة الاولى: كان وفدا متواجداً في مركز الناحية، تطلب مقابلته من قبل مدير الناحية في اليوم التالي، ونظرا لعدم وجود حانة او فندق في القوش، استلمهم مختار محلة اودو الياس كادو ليناموا فوق سطح مرقد ناحوم، تناولوا عشائهم وجهزت لهم افرشة فوق السطح، وناموا اثناء الليل نهض احدهم وقضى حاجة له في طرف السطح فاهتز المكان، ونزل الضيوف مرعوبين ونادوا على الشماس الياس ليقولوا له ان السطح اهتز بشدة، فقال لا بد ان شيئا حدث لم يرضى عنه النبي، فاخبر احدهم قصة قضاء حاجته، فقال الشماس هذا هو السبب فالمكان مقدس ولا يجوز تدنيسه.

الحادثة الثانية: في احد الايام وُجد شباك من شبابيك الهيكل في جهته الشرقية قرب ساقية تصريف مياه الامطار، كان يجاور السكن المرحوم حنا، فاخذ الشباك الى بيته، في الليل جاءه ناحوم مناديا" حنا، حنا، لماذا اخذت الشباك الى بيتك، ارجعه الى محله" فإنتابه الذعر واعاده في اليوم التالي، وثبته في المكان الذي سقط منه.

الحادثة الثالثة: تمرضت امي بعد ولادتي عام 1940، عندما ذهبت يوماً الى مسطح ماء يسمى(ܚܼܒܪܐܕܒܝܼܐܘܕܘ) لتجلب الماء لعمل الطعام في التنور، نزف دمها واصبحت حالتها تسوء يوما بعد يوم، اخذت الى الموظف الصحي فزرقها ابرة في رجلها، تكسرت في جسمها، وعبثاً حاول اخراجها، ارجعت الى البيت لترقد في الفراش، قلق الموظف فارسل احد العاملين واسمه قيا بلو ليتفقد البيت من الخارج ويتنصت ان كان يسمع بكاء وعويل، ولكن ذلك لم يحدث. في تلك الايام جاءت عمتها واسمها سرّي( ܣܘܪܹܐ) والدة نمرود قوجا، لتطمئن على ابنة اخيها حبوبة گولّا وتخدمها، وقرب مرقد النبي صاح صوت بإسمها فلم تجبه، وجاءت الى بيت الياس كادو لتخبرهم، فقال لها: لماذا لم تجاوبيه، في اليوم التالي ناداها في المكان نفس الشخص فاجابته، قال لها انا ناحوم" خذي هذا الخبز وضعيه قرب وسادة حبوبة لتأكله في اليوم التالي مع الماء"وهذا ما فعلته وبعد ايام قليلة استعادت كامل صحتها.

في ساحة النبي ناحوم في القوش حزيران 1948

هكذا كان الناس يذهبون خاشعين لمراقد القديسين في القوش، ويقدمون لها النذور ويشعلون الشموع، ولكن الصبية لا يلتزمون جميعهم بذلك، حدثني عمي حبيب دمان المولود عام 1930 انهم في النصف الاول من القرن الماضي وفي زمن موشي سادن المرقد، والذي كانت عائلته تتكون من الزوجة سعيدة والاولاد عزرا، ناجي، وموريس، والبنات ملكية، زكية، وسارة، كان يزرع داخل المجمع في جهته الغربية، قرب مزار اخت النبي سارة الخضراوات المختلفة، يقول عمي تسللنا في الليل انا وكليانا موسى وميخا شاجا لنسرق من تلك الخضراوات، وفي تلك الاثناء رأينا فجاة إنارة قوية في داخل الهيكل وبعد قليل خرج رجل بملابس بيضاء ولحيةطويلة وبيده كتاب يقرا فيه، وعندما اصبح يذرع الممشى امام بوابة الهيكل الشمالية، فزعنا كثيرا وصاح احدنا بانه النبي ناحومفتركنا كل شيء، وقفزنا من فوق الجدار الخارجي عائدين مرعوبين الى بيوتنا.

من اليمين اسطيفو هيلو وبجانبه صديقه اليهودي عزرا موشي عام 1945

في الربع الاول من قرننا المنصرم كان للمدعو سلو داي سْيدي الساكن في بيت قرب مار يوسف اخ اسمه اسحق، عمل فترة راعياً للغنم في قرية سندور اليهودية قرب بادي شمال دهوك، هناك وقعت في حبه فتاة جميلة من من القرية، فبادلها الغرام وفي احد الايام خطفها وترك سندور ليتوجه مع محبوبته الى القوش. كان اسم تلك الفتاة " سݕورا " بعد ذلك بمدة توفي وقد خلف منها بنت كبرت في كنف امها، وصادف في تلك الفترة ان ترمل احد رجال البلدة المدعو اسماعيل زورا قودا، فوقع اختياره عليها وتزوجها فخلفت له اربعة اولاد هم ميخا( بدو) اسطيفو، وموسى، اما بنتها من رجلها الاول فبعد بلوغها تزوجت ميخا هاويل عقراوي. يقول الراوي انه يتذكر زيارات اليهود السنوية الى مار ناحوم فكان اهل سݕورا ياتون مع المواكب المنطلقة من كل انحاء العراق، فينزلون ضيوفا اعزاء في بيت اختهم وزوجها اسماعيلو، كان اخوة سݕورا فارعي الطول، رشيقي القوام،واكثر اولاد اسماعيلو شبها بخواله كان ميخا( بدو)، هكذا ارتبطت القوش برابطة دم مع يهود سندور والى الابد.

اعادة البناء يجري على قدم وساق

نعود الى موضوعنا عن اعمار هذا الصرح التاريخي، الذي واكب مسيرة بلدة القوش منذ العصور السحيقة، فكانت البلدة المعروفة في العراق امينة في الحفاظ عليه، والان تستلمه ايدي البناءالمختصة، والذي كاد يوشك على الوزال والانتهاء، ليبقى ما تبقى من الدهر شامخا بهمة الغيارى، وليكن رمزا لتآخي الاديان المختلفة التي يزدهر بها العراق، ولتكن القوش دائما حاملة راية السلام وباقات الورود، لكل من يزورها ويحظى بزيارة النبي ناحوم، والربان هرمزد، ومار قرداغ، ومار شمعون، ومار سهدونا، وموقع الإله سين، وروما زليلا، واقله دࢰبارا، وكافا سموقا. وغيرهما كثير.

nabeeldamman@hotmail.com

June 16, 2019

  كتب بتأريخ :  الأحد 16-06-2019     عدد القراء :  656       عدد التعليقات : 0