الدعوة الوهابية جذورها وإفرازاتها

في شبه جزيرة العرب وقبل ظهور الإسلام تعايشت العديد من العبادات الوثنية إلى جانب المسيحية واليهودية بعيدة تقريبًا عن لمسات الحضارة الإغريقية والرومانية والبيزنطية والفارسية. في تلك البيئة البدوية نشا محمد ابن عبد الله واحتك بكهنة اليهود وبرجال الكنيسة ومن المطرودين منها بسبب الهرطقة مما مكنه من جمع معلومات غير قليلة عن التوراة والإنجيل بالإضافة إلى التعرف على نقاط الظعف في الكنيسة والانشقاقات التي أنهكتها. عندما أيقن محمد بنضوج الظروف اطلق رسالته ومد يدًا ناعمة تحمل بعض الروحانيات والمقدسات إلى جانب يد خشنة تبغي السلطة وامتلاك القوة والتجاوب مع الماديات وغرائز الإنسان. وهكذا نشأت وترعرت العقيدة الإسلامية صدامية وجهادية وسلطوية ونهظت في جو مشحون بالاغتيالات والمكاىد. ترافق مع تلك الحالة هاجس الخوف على مستقبل الإسلام وتتطلب عدم تعايش أية ديانة أخرى إلى جانبه.

في العقد الثالث لظهور الإسلام استولى الأمويون على الحكم وسحقوا المعارضين لهم واستمر عهدهم لتسعة عقود تقريبًا ثم سقط بالعنف الدموي على يد العباسيين . لفترة غير قليلة انفتح العباسيون على الفلسفات الإغريقية والفارسية وعلى الثقافة الآرامية والبيزنطية‏ وفسحوا المجال لرواج الأدب الرومانسي والغناء والشعر الماجن والرقص الخليع والتساهل في تناول الكحول واداء الفروض الدينية. ومع ذلك بقي الإسلام الإطار العقائدي للمجتمع واستمرت بذرة التشدد وعقدة الخوف على الأصول خفية وحية في التربة. أقلقت تصرفات ومواقف خلفاء بني العباس المؤسسة الدينية وعلى رأسهم الداعية المتشدد احمد ابن حنبل (٧٨٠-٨٥٥) واطلق صرخته ان الإسلام في خطر مما يستوجب مقاومة التيار السائد وعدم التهاون تجاهه. أودع الداعية السجن وبقي تاثير مذهبه ظعيفا لحين هزال الدولة العباسية وتراجعها.          بعد احداث الحروب الصليبية المريرة التي امتدت من القرن الحادي عشر إلى الثالث عشر وبعدها ارتجاجات غزو المغول لبلاد المسلمين نهض الداعية ابن تيمية (١٢٦٣-١٣٢٨) وتبنى مذهب ابن حنبل ومفاهيمه في التشدد وأدان كافة المدارس الفقهية المتنورة ورفض أي جدل يمس جوهر العقيدة والسنة النبوية . أشعلت تعاليم ابن تيمية نار الغلو الديني وزرعت الكراهية ضد المذاهب والعقائد الأخرى ووضع المسيحيين واليهود بمصاف المجوس.

أينعت بذور التشدد والتطرف الديني في شبه جزيرة العرب بالرغم من تهميش دورها وانتقال مركز قيادة الدولة الإسلامية منبعها أي من المدينة المنورة إلى دمشق ثم بغداد. حتى بعد انتقال الخلافة إلى العثمانيين بقيت نجد والحجاز خارج اهتمامات الدولة وتركت المنطقة للصراعات القبلية وتناحر الأنساب ولعمليات الغزو والسلب. في تلك الأجواء نهض الداعية محمد ابن عبد الوهاب (١٧٠٣-١٧٩٢) متسلحًا بمذهب ابن حنبل والإرث المتشدد لابن تيمية واطلق دعوته لتنقية الإسلام من البدع والانحرافات والعودة إلى الأصول ونهل الإيمان من النبع الصافي على حد تعبيره. منذ شبابه أعلن الجهاد لتقويم المجتمع ونبذ التضرع بالاىمة أو اضفاء هالة القدسية عليهم أو زيارة أضرحتهم. اوغل الداعية في تشدده وأصر على ازالة أي تشييد على القبور مهما كانت منزلة الراقدين فيها لان تلك المظاهر تطبيقات جاهلية. وجه ابن عبد الوهاب سهامه إلى الباب العالي واتهم الخلفاء العثمانيين بالانحراف عن الطريق القويم للإسلام مما يجعل الجهاد ضدهم واجب شرعي. وهو غارق في الغلو نسج في مخيلته مملكة تحتضن الأنقياء والانقياء وشيد حصنًا يلوذ اليه المؤمنون المتشددون. من اجل تقويم الفرد اكد على ضرورة الالتزام الصارم بنصوص القران في إنزال العقاب مثل الجلد والرجم وبتر اليد.

سنة ١٧٤٥ حصل منعطف جوهري في منطلقات الواعظ ابن عبد الوهاب عندما التقى لأول مرة مع محمد ابن سعود الذي كان احد أقوى أمراء القباىل واشدهم طموحًا للزعامة. التقاء هذين كان بمثابة انجذاب قطب يجسد الغلواء الديني إلى اخر يبتغي السلطة الدنيوية والنفوذ. من جانبه قدم ابن عبد الوهاب صكًا مفتوحًا لابن سعود ووفر الثاني للأول الدعم المادي الامحدود. وهكذا ارسي الأساس لتنظيم مسلح يتمتع بأيديولوجية دينية متطرفة يشن غزوات وصولات لكسر شوكة أمراء القباىل وإخضاعهم لسطوة ابن سعود. قبل رحيل ابن عبد الوهاب عن دنياه كانت صومعته قد تحولت إلى حقل يفرخ مقاتلين يأتمرون باوامر ابن سعود. سنة ١٨٠١ وجه محمد ابن سعود المجاهدين الوهابيين وشنوا غزوتهم على كربلاء وقتلوا أعدادا كبيرة وهدموا مراقد الاىمة فيها. وبعد سنة من ذلك التاريخ هاجموا الطاىف ثم احتلوا مكة وهدموا القبة المشيدة على قبر النبي. خلال كل تلك التطورات وقفت الدولة العثمانية متفرجة بسبب انشغالها بما يحدث في ولاية مصر التي احتلتها قوات نابليون بونابرت. سنة ١٨١٨ تلقت الفصاىل الوهابية المسلحة ضربة موجعة على يد قوات محمد علي باشا التي دمرت مدينة الدارجة عاصمتهم ومع ذلك استمر تاثير الدعوة الوهابية في المجتمع.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى تنكر البريطانيون لحليفهم الشريف حسين وساندوا عبد العزيز آل سعود مما مكن الأخير تاسيس مملكة على كامل ارض نجد والحجاز اتخذت اسم سلالته وتبنت الوهابية منهجا دينيا. وهكذا تناغمت السلطة الدينية والدنيوية ونشا في البلاد مجتمع منغلق مقيد بسلاسل المحرمات ومتوجس من الغريب ومن الانفتاح ومتطرف ومتشدد في اداء الفروض.

لم ينحصر تاثير الوهابية على شبه جزيرة العرب فقط بل تناثرت بذورها وأينعت بأشكال متقاربة في مناطق وبلدان أخرى وانجبت تنظيمات تحت هذا العنوان وذاك الاسم لكن جميعها تتبنى العنف وتدعو إلى الغلو وعدم قبول الآخر.

عندما تتلقى إذن المتعصب العبارات التي تزخرف الماضي الديني وتضفي الهالة على صانعيه وتامر باستنساخه يستيقظ الحنين وترفرف القلوب وتتبارى النفوس لتنفيذ الأمر الإلهي ونيل الشهادة أو إفناء الآخر.

يفتح التفكير المغلق أو التعصب الأعمى في أي معتقد إيماني الباب لإذكاء الحقد والكراهية تجاه المختلف.

التعصب يبقى تعصب بغض النظر عن الإيمان الذي ينتسب اليه من يمارسه.

نجيب اسطيفانا

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 05-11-2019     عدد القراء :  1176       عدد التعليقات : 0