مالم نقرأه في المناهج المدرسية ...

كتبت هذا المقال في مثل هذا الْيوم من العام الماضي ، ولأن شباب الثورة يطرقون باب التغيير ، فمن الضروري ان نشخص اخطاء الماضي ، وإعادة تثقيف الاجيال وإحاطتهم بالحقائق ...

جلال حنونا

في المراحل الاولى من التعليم تتحدد ملامح التعرف على المحيط والمجتمع ،يترسخ في الذاكرة ما يُقرأ لأول مرة ، قد ترافق سنوات العمر طويلاً ، خاصة ان كانت مواد دراسية تعتمدها المؤسسة التعليمية لتقييم الطلبة في الامتحانات المنتهية وغير المنتهية ...

كنّا صغاراً ، عندما قرأنا اول كتاب مدرسي للتاريخ ، أحببنا شخصيات قُدًِمَت لنا تختصر كل معاني الإنسانية والبطولة المنتصرة للرحمة والعدل ، تنصف المظلوم وتقاصص الظالم ...

اكتشفنا لاحقاً، وبمرارة من( يكون مخدوعاً بإصرار) ، انها ابشع النماذج التي امتهنت القتل والسلب والنهب وتزوير هوية الشعوب والغاء وجودها وتراثها ولغاتها ، اسسوا إمبراطورياتهم على الجماجم والأشلاء ، بقلوب لم تعرف الرحمة ...

الحقيقية مهما تأخرت ،ومهما اهيل عليها أكداس الاكاذيب ، الا ان أشعتها تخترق ذلك المجهول ، تسلط الضوء على ما كان مخفي ...ولكنها حققت الشرخ بين من سلكوا طريق القوة والبطش والانسلاخ عن الذات الانسانية ، وبين أقران لهم في وطنٍ وبيئة واحدة وقع عليهم ذلك القهر ولا يزال . ..

قرأنا في منهج التاريخ عن دولة الخروف الأسود ( قرة قوينلو) والخروف الابيض ( آق قوينلو ) ، وعن المغول وغزواتهم والفرس والعثمانيون وسلاطينهم ، ولَم نقرأ في نفس الكتاب شيئاً عن أن هناك اقوام متعددة الأديان والطوائف عاشت في البلاد التي كانت تسمى بما بين النهرين منذ آلاف السنين وقبل الجميع ...

حفظنا كل ذلك ، ولكن لم نجد سطراً واحدا، أو أيةِ إشارة الى تلك الاقوام من الكلدان والاشوريين والأرمن وبقية الاطياف المسيحية ، وغير المسيحية كالايزيدين والصابئة واليهود وغيرهم . من هم وماذا كانت طقوسهم ولغاتهم وانجازاتهم ؟ كان من الاولى في تلك المرحلة التعليمية ، التعريف بتاريخ البلاد الحقيقي ، نتعرف على من قد يكونوا جيراننا وزملاؤنا وزميلاتنا في الدراسة والعمل ، من القوميات والديانات الاخرى ، فلا نفاجأ بإسقاطات مغرضة بحقهم ، عوضاً عن تلك المواد الجافة المحشوة بالمبالغات البعيدة عن الواقع ...

اقوام وسلالات حفرت للبلاد اسمها ومجدها ، وهم الاصلاء الذين وضعوا اللبنات الاولى للحضارة ...كان دورهم ريادي ، قديماً وحديثاً في بناء وإغناء البلاد ، اولئك الذين جرى التعتيم على اصولهم ومناحلهم ، بحيث بات البعض ، ومنهم من في قمة السلطة يطلق عليهم ب( الجالية ) او المسيح وليس بصفتهم الدينية (المسيحية ) لذا لا نستغرب ان الاجيال الحالية تجهل عن تلك المكونات وتاريخها ، مثلما تجاهلها اخرون ، بل بات يتقبل بسهولة ودون ردود فعل ، ما يملى عليهم في المؤسسات الدينية على انهم (كفار ) ، او دخلاء على البلد ، وعملاء أحياناً ،فيما الواقع يشير الى عكس ذلك ،فرئاساتهم الروحية هي التي سعت في ادراج العراق تحت مظلة الامم المتحدة ، الى جانب شريحة ثقافية ومهنية وعلمية ، كانت لها بصمات متميزة في البعد الثقافي والإنساني ، واُخرى نضالية شاركت هموم الشعب فقدمت الشهداء جنباً الى جنب في مسيرة النضال الوطني ...

ان جهل الانسان لواقعه الاجتماعي ، ربما لا يستوعب لاحقاً تلك الحقيقة ، فيؤمن بما يتساقط من هنا وهناك ، منها ما يتنكر لوجود آخرين يختلفون عنهم ، واُخرى تجردهم من اصولهم العراقية الضاربة في القدم ، وتتعمد في إلغاء دورهم ، مما يسهل على المغرضين من الانتقاص منهم ، ومن ثم جعلهم أهدافاً لغايات ابعد من ان تكون وطنية ...

التعليم عند الصغر كالنقش على الحجر ، وزرع شجاعة الصدق والصراحة في هذه المرحلة العمرية ، هو بناء اجيال تتسم بالانفتاح ، وهذا هو الركن الأساسي الذي يجب ان يكون الضوء القادم لأن يكتشف من خلاله كل عراقي تعلقه بالانتماء الى وطن يستوعب ويحترم ويتساوى فيه الجميع ...

  كتب بتأريخ :  السبت 09-11-2019     عدد القراء :  184       عدد التعليقات : 0