2020 عام تلبية الآمال والطموحات المشروعة
بقلم : د. أحمد عبد الرزاق شكارة
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

مرحلة ال16 عاماً الماضية تحكمت من خلالها كتل وأحزاب كل همها تكريس هيمنتها السياسية والأمنية والاقتصادية على النظام السياسي بصورة تكاد تكون مطلقة.

مرحلة ساد فيها بل تجذر وتعمق الفساد الاداري – السياسي - الاقتصادي- الاجتماعي - الأمني بل وحتى الاخلاقي – القيمي بصورة لم تعهد بمثل هذا السوء كماً ونوعاً في المراحل التاريخية من تطور العراق السياسي الحديث حيث احتل العراق مراتب دنيا (نتيجة لإنتشار حالات الفساد) في مؤشرات منظمة الشفافية الدولية. من منظور مكمل مع تسنم الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية – رئاسة مجلس النواب ورئاسة المجلس الوزاري) سلطة حكم العراق عقب إنتخابات مايو 2018 التي شابها ما شابها من إدعاءات وشبهات تزوير معززة بإنعزال طوعي للشعب العراقي (70- 80% من مجموع من له حق التصويت) عن المشاركة في عملية سياسية عرجاء أو مشوهة والتي ثبت فشلها وبكل المقاييس أوصلت البلاد إلى طريق مسدود خاصة مع عدم تحقق نتائج واضحة ومهمة من قبل مجلس مكافحة الفساد الذي عوّل عليه كثيراً باستقدام وتقديم كبار "حيتان الفساد" للسلطة القضائية .

أقول مع كل ماتقدم أو بالرغم منه كان لابد أن لانفاجئ تماماً بخروج شبابنا اليانع والواعي لمتطلبات المرحلة الحرجة بإطلاق انتفاضة عارمة بدأت في الاول من اوكتوبر معاودة نشاطاتها وبزخم أقوى وأكثر فاعلية ونشاطاً منذ ال25 من اوكتوبر 2019 ولحد الان. ولكن والشيء بالشيء يُذكر ، الكثير منا فؤجئ حقاً بمدى التنظيم والتضامن الشعبي العراقي بين مختلف فئاته في ظل حراك أيدته وساندته توجيهات المرجعية الدينية في النجف الاشرف من خلال الدور المتميز للسيد على السيستاني في دعم المتظاهرين السلميين معنوياً وقيمياً بهدف استمرار كافة مظاهر الاحتجاجات المطلبية السلمية حتى تلبيتها من السلطات القائمة دون أدنى تأخير. بمرور الوقت لم تعد مطالب المتظاهرين تقتصر على تلبية الخدمات الاساسية بل انتقلت لمراحل متقدمة جداً تؤكد أهمية المناداة ب"وطن حر مستقل" تحمى وتنمى وتتعزز من خلاله حقوق وحريات الشعب العراقي في إطار أكثر رصانة وقبولاً دستورياً – شعبياً مع توفر أولوية خاصة للاستجابة لمطالب فئات المحرومين الذين إتسعت دائرتهم بين الشباب حيث الكثير منهم وصلوا فعلياً لحدود مستوى الفقر المدقع (1.90 دولار يومياً قيمة الأجر اليومي). إن عدم توفر المساواة النسبية بين الطبقات الاجتماعية وصل لحدود "غير مقبولة إنسانياً" قبل أن تكون سياسياً وإقتصادياً – إجتماعياً ، إذ يرى كل ذي لب وبصيرة أن الفوارق والاستقطابات الطبقية بين من يملكون ويحصلون على الامتيازات من مال وسلطة وجاه وقوة عسكرية أوأمنية أو مليشياوية هم في جانب وفي جانب آخر نجد فئات كثيرة جداً لاتجد أو تكاد قوت يومها وتنازع يومياً حياة مثقلة بالاعباء الاقتصادية والاجتماعية (الأسرية – الاجتماعية) تترجم بنماذج متعددة من حالات عدم توفر أدنى مستويات الصحة والتعليم في مختلف مراحل التطور الانساني .

علماً بأننا وفي كل عام نراقب مدى تقدم العراق إنسانياً في مقاييس ومؤشرات العالم للتنمية الإنسانية خاصة في قضايا حقوق وحرياته الإساسية ولانجد إلا تقدماً بسيطاً لايقارن بدول أخرى بل وحتى دول جارة لاتملك موارد العراق الضخمة (الاردن ، لبنان ، سوريا) التي معظمها ناجم عن عوائد البترودولارات .

علماً بإن العراق يعد المالك لثاني أو ثالث لأكبر أحتياطات نفطية تصل في المجمل بين 143 -151 مليار برميل نفطي (إحتياطات مؤكدةأو أكثر) مع وجود إحتياطات كامنة أخرى قد تصل إلى ما هو أكثر مايقارب ( 350 برميل نفطي) .

إضافة للكميات الكبيرة جداً من الغاز الطبيعي حيث تشير التقديرات إلى امتلاك العراق مخزوناً منه يصل إلى 131 ترليون قدم مكعب من الغاز وقد تصل الكميات المقدرة إلى 700 مليون قدم مكعب بخاصة إذا ما عرفنا بإن الكثير منها يحرق أو لايستثمر بشكل مناسب. مايجعل العراق يعتمد على واردات محددة من كميات الغاز الطبيعي الايراني علماً بأن 70% تقريباً من الغاز الطبيعي العراقي مصاحب لاستخراج النفط . مفارقات كثيرة في مجالات إمتلاك العراق لثروات غير النفط (معادن= فوسفات وكبريت وغيرها) لايتم الاستفادة منها وتذهب هكذا ثروات بلادنا هدراً دون حساب أومحاسبة من قبل المسؤولين او القائمين عليها من صناع القرار.

إن العالم يسير بخطى متقدمة في مجال الطاقة الخضراء والمتجددة ولكن أين العراق منها؟؟ وهل للعراق استراتيجية للطاقة بصورتها الشاملة التقليدية وغير التقليدية تمكنه في النهاية من تقديم جردة حساب زمنية للخسائر المتوقعة في حالة إفتقاد المبادرات لإنعاش العراق على المديات الستراتيجية (القصيرة – المتوسطة وطويلة الآجل)؟ لايبدو أن ذلك متوفر حالياً حتى مع تقديرنا للخطة التي عرضتها وزارة التخطيط للعام 2018 -2022. يضاف إلى ذلك هل يعرف العراقيون كم عدد السكان الفعلي وكيف يمكن الاستفادة من كفاءاتهم ومواهبهم في تنمية البلاد ؟ ، أم أن الأمر لازال يقبع في إطار تقديرات سكانية تشير إلى أن العراق يمتلك قرابة 38 مليون نسمة دون تفصيلات معمقة عن أحوال العراقيين. لماذا لم تقم السلطات العراقية حتى الآن بإجراء إحصاء سكاني علمي رصين يوضح لنا أعداد السكان الفعليين معززاً بإحتياجاتهم المستقبلية من سلع وخدمات أساسية في مختلف حقول الحياة الانسانية؟ تساؤل مهم يأتي في مرحلة العراق مقبل على إنتخابات مبكرة لإختيار قيادة تتمتع بالكفاءة يفترض أن تدير الحكم بصورة واقعية وسليمة جداً أخذاً بالاعتبار الخطوات الايجابية الأخيرة من قبيل إقرار قانون انتخابات جديد يعتمد الدوائر المتعددة والترشيح الفردي وأعلى الأصوات مع التخلي الكامل عن نظام القوائم المغلقة التي انتجت لنا نظاماً سياسياً قائماً على محاصصة مقيتة -طائفية –عرقية- عشائرية - جرى التخطيط والتنفيذ لها في غرف مظلمة حيث "الديمقراطية تموت في الظلام" منتجة حالة من الفشل في توفر مناخات حرة شفافة وفرص مفتوحة متساوية للتنافس الحر .

مسألة تربطنا بقضية فشل أخرى استمرت (حتى قبل أيام قليلة) مضمونها ضرورة إقرار قانون الأحزاب يضع شروطا مقبولة ومناسبة تتيح للفئات المختلفة وخاصة المحرومة منها ان تمثل بصورة واقعية وصحيحة دون ضغوط كبيرة من التكتلات السياسية – الحزبية الكبرى . من هنا، أهمية إنتشار ونقل الوعي السياسي الذي تصاعد الى مستويات عليا في سوح التظاهر لكل مناطق العراق خاصة تلك التي لازالت تعيش مستويات من الحرمان والجهل ومن تدهور الاوضاع الصحية .

مسؤولية وطنية ستقع أجلاً أم عاجلاً على عاتق الحكومات العراقية المتعاقبة التي نبذت جهاراً كل صور المحاصصة أو استشراء الفساد خاصة وأن الفساد هو الجانب الثاني من عملة الإرهاب التي يجب أن تكافح يومياً بكل ما يتوفر من موارد بشرية ومادية. إن الأنباء التي تشير لإحتمالية انتشار الارهاب الداعشي والتي تستدعي ليس فقط دعم المؤسسات السياسية بل كافة مؤسسات الدولة من أجل بناء منظومة متكاملة قوية نسبياً تحمي العراق وشعبه من غوائل الأيام وتنمي روحاً جديدة هي أصلاً روح الانتفاضة الشعبية الشبابية التي توضح لنا مدى أهمية التضامن المجتمعي الذي يعد جزءاً لايتجزأ من التضامن العالمي الذي احتفل العالم به في يوم ال20 من ديسمبر من كل عام وفقاً لقرار الجمعية العامة للامم المتحدة .

دعوة نطلقها لإحلال سلام وأمن وازدهار معززة بتنمية مستدامة لعراق جديد علها تلقى آذاناً صاغية من صناع القرار في مختلف المستويات والقطاعات الحكومية وغير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني بهدف تعزيز الثقة المتبادلة بين الشعب وأهل العقد والحل فيه مع إهتمام باستقطاب جهود المجتمع والتنظيم الدولي بمختلف وكالاته المتخصصة داخل العراق وخارجه خاصة تلك التي تتبع الامم المتحدة . متمنياً لإخواننا المسيحيين اعياداً دينية سعيدة مجللة بألامال والطموحات التي لابد من تلبيتها عمليا للعيش الكريم وبكرامة وعزة لكل من يقطن أرض العراق الذي يجب بل ويفترض أن يكون محور اهتمام المحيطين الاقليمي والدولي بصورة تؤكد محورية دوره الجيوستراتيجي والمبدع في تمتين الاستقرار والسلم الدوليين مشفوعاً بتنمية إنسانية حقيقية . علّنا في المستقبل القريب أن نجد العراق في مركز متقدم للتنمية البشرية الشاملة بل وفي مقياس مؤشر السعادة العالمي الذي يعرف ب Human Planet Index (HPI) حيث يتمتع الجميع من سكان كوكبنا براحة نفسية وسعادة غامرة ينشدها الجميع بفارغ الصبر. أخيراً اعتقد أن "رحلة أو خطوة الألف ميل تبتدأ بالميل الأول".

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 01-01-2020     عدد القراء :  344       عدد التعليقات : 0