المالكي 1970
بقلم : علي وجيه
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

هل يتطوّر السياسيّ الإسلامي؟ أعني هل له ديناميكية طبيعية، مثل الأفراد المُعتادين أصحاب العقول المتحرّكة، الذين يُعيدون قراءة ما يتعاملون معه بطريقةٍ منطقيّة بسبب تغيّر العوامل؟ هذا ما دار في ذهني وأنا أقرأ مقالاً لرئيس وزراء عراقيّ أسبق لدورتين، وأمين عام واحدٍ من أعمق أحزابه، وهو السيد نوري المالكي، بمقاله المنشور في الخامس من شباط عام 2020.

المقال، الذي كُتبَ ونُشر أثناء واحدةٍ من أعنف الانعطافات التي تمرّ بتاريخ العراق المعاصر، احتجاجات تشرين وما تلاها، حمل عنوان "المواجهة بين الأمّة والاستكبار: قراءة في خلفيات الصِراع وأبعاده".

ليس بالضرورة أن يكتبَ نوري المالكي مقالاً حديثاً، أو عمّا يدور، ولا أنتظرُ منه أن يقدم رؤيا مثلما يقدّمها بالأقل المفكّرون السياسيون الإيرانيون بالفارسيّة، الذين ينطلقون من عقيدةٍ تشبه عقيدة السيد المالكي الدينية والسياسية، لكن بالتعامل بأدوات حديثة، مع عناصر حديثة للفهم.

أنا معنيٌّ هنا بكيفيّة تفكير صاحب القرار العراقي، وكيف يُمكن أن يتعامل في الألفية الثالثة، ومع المتغيّرات التي لا تجعلُ مواضيع مثل "الحرب الباردة" و"الشيوعية" و"الأطماع الاستعمارية" وغيرها من كلاسيكيات القضايا في متحف التاريخ فحسب، بل من الممكن أن يكون هناك موضوعٌ داخل هذا المتحف، وقبل عامٍ واحد كان هذا الموضوع متناً كبيراً يشغل العالم!

حسنٌ، أعود إلى المقال، المقال امتدّ على نحو 800 كلمة، وهو يتجاوزُ مساحة العمود الصحفي، يبدأ المالكي كلامه بعبارة"تعيش الأمة الإسلامية، بكل مكوناتها، أحداثاً عاصفة على كل المستويات، تستهدف عقيدتها و وجوداتها الاجتماعية والسياسية وثرواتها، من أجل استلابها روحياً وإيمانياً وثقافياً، وسحق عناصر قوتها البشرية والمادية، والقضاء على مفاصل المناعة والردع فيها"، ثم لا يختلفُ ما يتمّم الكلام عمّا سبق، فما تهدف إليه "قوى الاستكبار العالمي" هو جعل المسلمين كياناً "خائراً ضعيفاً مُنهكاً، لا يقوى على المواجهة"، ولأن لا وجود للدعوة بلا الدفقة اللاهوتيّة فيقول "ولم تكن أمة الإيمان يوماً بمعزل عن هذا الاستهداف الاستكباري؛ بل أن ما نمر به اليوم هو حلقة من سلسلة الكيد المتواصل منذ بدء الخليقة. ففي كل زمان ومكان كان المستكبرون يضعون أمة الإيمان في مركز أهدافهم التآمرية".أهـ.

لغة أسطورية وإنشائية خرجت من مطابخ كلّ المعسكرات اللغويّة التي أسهمت بتحطيم البِنية العقليّة العَمليّة للعرب، بلحظةٍ واحدة يشبه قاموس المالكي القاموس القومي العربيّ، تحديداً ما كُتب في أربعينيات وخمسينيّات القرن الماضي، فضلاً عن البروباغنادا الشيوعيّة التي كانت تتحدث عن ذات الموضوع، إلأ أنّهم يتفقون على وحدة وجود "المؤامرة"، لكنها تتعرّض لمعسكر مختلف في كلّ مرة (معسكر الإسلام، معسكر العرب، معسكر الطبقة العاملة ومشتقّاتها).

"العقل البياني" المُعتمد على اللغة، والمفردة، هو عقلٌ إنشائيّ لا يضعُ حجراً على حجر، فالبلاغةُ الفارغة، الإنشائيّة، ما يُعرقل عمل الأمّة، اللسانُ المتحرّك يوقف اليد، خصوصاً مع أمّة يحكمها نصّ، ويقتلها نصّ، ويُحييها نصّ!

لو قُدّر لي أن أعود لألتقي نوري المالكي، بعمر العشرين عام 1970، في قريته الأم، وهو يتأبطُ ما تيسّر من كتب سيّد قطب، أو حسن البنا، أو محمّد باقر الصدر، أو غيرهما من الذين صنعوا الجيل الإسلامي ضدّاً نوعياً للمعسكر اليساري في العالم العربيّ، وطلبتُ منه مقالاً، لما كتب آنذاك بغير هذه اللغة، التي يكتبُها وهو بعمر الـ70، عاماً 2020، رغم تجاربه التي تضمّنت عملاً سياسياً، وسفراً، وحياةً مليئةً بكل شيء.

تخيّل أنّك في زمن التحديث، المستمر، المتوحّش، حيث المعارك لعبةٌ ألكترونية، والقتل اقتصاديّ، والعالم مع تعدّد الأقطاب، وتعدّد الأدوار والمعسكرات في المعسكر الواحد، لتقرأ سطراً مثل هذا بقلم مسؤول تنفيذيّ، وواحد يُعتبر من سياسيّي الخط الأول في العراق، اقرأ السطر وتأمل حالنا، أدامك الله: "و كانت مسيرة الرسل والأنبياء والأئمة والأولياء والصالحين والدعاة، ولا تزال، مسيرةَ صراعٍ ومواجهةٍ مستمرةٍ مع قوى الاستكبار والطغيان. و إذ تحمل جبهة الإيمان في ساحة الصراع أهداف التوحيد والحق والخير والإصلاح والحرية، فإنّ جبهة الاستكبار تحمل في المقابل أهداف الشرك والباطل والشر والفساد والاستعباد".

  كتب بتأريخ :  السبت 08-02-2020     عدد القراء :  168       عدد التعليقات : 0