هل للسعادة معنى حقيقي في محيط يلفه الخوف من تداعيات وباء كورونا؟
بقلم : د. أحمد عبد الرزاق شكارة
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

سؤال يحمل قدرا كبيرا من الوجاهة والاهتمام بحاجة للاجابة خاصة إذا ما عرفنا أن عالمنا العربي بل والعالم بإسره يعيش في ظل أزمة خانقة إنسانية خطيرة مهددة للوجودالبشري بنتيجة أنتشار وباء "جائحة" كرونا العالمي ما أقتضى من المجتمع الدولي أفرادا ،

جماعات ومؤسسات كبرى ، صغيرة ومتوسطة حكومية وغير حكومية أن تستقطب قلقا كبيرا وتخوفا مبررا لم تحسب بعد مساراته وتداعياته الكاملة سواءا أكان في حسابات الخسائر أم الفوائد المتوقعة مستقبلا إذإ ما إحسنت الاستفادة من الدروس والعبر لتغيير مناهج السلوك والالتزام بالقيم الاخلاقية والمعنوية الايجابية. إذ أنه وبناءا على قرار صادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في يوم 12/7/2012 خصصت الامم المتحدة تقارير سنوية تختص بمعرفة مدى سعادة شعوب كوكبنا والتأثيرات الناجمة عنها تعرف بتقارير السعادة العالمية  Happiness Reports   آخرها نشر في 20 مارس 2020 مصدره ما يعرف بشبكة حلول التنمية المستدامة  Sustainable Development  . دول العالم من خلال هذه التقاريرعرفت تحديدا اين تقع مكانتها دوليا من منتظم السعادة العالمي و التقرير الاخير غطى عددا كبيرا من دول العالم وصل إلى 153  بعضها خاصة من الدول الاسكندنافية ، الاوروبية وفي منطقة البحر الكاريبي الجنوبي حققت مواقع متقدمة جدا على رأسها : فنلندة الاولى تبعتها الدانمارك ، سويسرا ، ايسلندا ، النروج، هولندة ، السويد ، نيوزلندة ، النمسا ، اللكسمبورغ وكندا بينما احتلت دولةالامارات العربية المتحدة المرتبة الاولى عربيا ومراتب متقدمة دوليا حيث احتلت المرتبة ال21 في مؤشر السعادة العالمي. اما العراق فلم يحقق نتائج إيجابية قيمة حيث احتل المرتبة ال110 . اما الدول التي وصلت إلى قاع مؤشر أو مقياس السعادة فهي أفغانستان وقبلها تاتي في المراتب المتدنية جدا : جنوب السودان ، زمبابوي ، راوندا ، جمهورية وسط افريقيا ، تنزانيا ، بوتسوانا واليمن . جدير بالذكر أن المعايير المعتمدة في تقييم مكانة الدول تم توظيفها جميعها لتعزيز حالة الرخاء والرفاهية التي تعيشها شعوبها ممكنة آياها من إنجاز مستوى نوعي حياتي عال  يمكننا إجمالها في مايلي :  الدخل ، الحرية ، الثقة ، التوقع الصحي الجيد للولادات الجديدة ، الدعم الاجتماعي مضافا إليها سمة الكرم التي يفترض أن تتصف بها الدول المتقدمة إقتصاديا وتقنيا من منظور قيمة الدعم الاقتصادي – الاجتماعي لشعوب دولها وللدول النامية ايضا. هذا وقد اضيف عامل مهم جدا في عملية التقييم هو غياب الفساد أمر حيوي ولاشك من الصعب تصوره إلا على سبيل إحتواءه أو التقليل من تأثيراته السلبية الخطيرة على البنى الاجتماعية – التربوية -– الثقافية – التربوية ،الاقتصادية - السياسية – الاعلامية والامنية . التقرير ناقش بإستفاضة في فصوله السبع قضايا حيوية مختارة منها أهمية إرتباط السعادة بموضوعات مثل العلاقة المتبادلة بين المراكز الحضرية والريفية ، نوعية المحيط البيئي وعلاقة تأثيراته بدرجة أو حالة الرفاه الاجتماعي . واخيرا طبيعة الوضع الاستثنائي لدول النوردك "الاسكندافية" التي حققت نجاحات نوعية في المستويات الحياتية . من نافلة القول إن جزءا كبيرا من التعريف بحالة الرخاء والرفاهية التي تعيشها الدول مرتبط بإرتفاع نوع ومستوى الرعاية والعناية الصحية والاجتماعية لشعوبها ولكل من يقطن على ارضها. مسألة غاية في الاهمية خاصة ونحن نمر بمحطات حرجة وصعبة من إنتشار جائحة الكورونا في دولنا مايعني توقع كل فرد يعيش في دول الرخاء الاقتصادي والاجتماعي أن يحصل على جرعات حيوية مناسبة وكافية من الدعم الصحي - كما ونوعا- في كل مايواجهه من أزمات صحية منها ماتعانيه فئات معرضة للخطر او للمخاطر مثل الكبار من الجنسين ممن يعانون من أمراض مزمنة أو خطيرة (القلب ، السرطان وغيرها) ، وصغار السن من الاطفال الذين لم تتعدى اعمارهم ال15 . الامر إذن يذهب نحو توقع شعوب الدول التي تحتل  مكانة صحية متقدمة إلى شعور ابنائها بإنهم لن يتركوا لحال سبيلهم دون أن ينالوا جزءا يسيرا مهما من العناية والرعاية الصحية ولكنهم سيتمتعون عقب كل الازمات مهما كان حجمها بنيل اقساط مستحقة من الدعم المالي التعويضي الذي تضمنه برامج الامن الاجتماعي Social Security إذ لن تفي الرعاية الاجتماعية الراهنة بالمتطلبات الاساسية للحياة اليومية خاصة لكل من فقد مصدر عيشه "عمله" نتيجة لتداعيات الازمة الخانقة لكورونا حيث فقد الكثير من فئات المجتمع على راسهم الشباب لوظائفهم في عدد من قطاعات الدولة (السياحة  ، الضيافة والطيران ،الصناعة التقليدية وغيرها). ضمن هذا السياق يفترض أن تستمر الدول بنهج تضامني عالمي خاصة عقب إنتهاء جائحة كورونا بتوفير كل انواع الدعم الانساني في حقول الصحة، التعليم ، العمالة وغيرها دون قيود أو شروط مسبقة من خلال موازنات مجزية. من الجهات التي أعتنت وتستمر كذلك بتقديم اشكالا مختلفة من الدعم المادي والمعنوي : البلديات المحلية ، منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية والخيرية بل وحتى بعض الشخصيات المشار إليها بالبنان من فئات مجتمعات عالمنا الفسيح (رجال الاعمال واصحاب المشروعات والمبادرات الصناعية - التجارية ، مبدعوا ومصمموا برامج الانترنت والتقنيات الجديدة ، الفنانون ، الادباء ، الرياضيون وغيرهم). برغم ذلك كله تبقى تساؤلات كبيرة جدا قائمة مثلا : اولا : كيف يمكن توقع صورة وشكل التقرير القادم للعام 2021 طالما أن الوباء لازال بيننا ولم تجد بعد دول العالم مصلا او لقاحا ناجعا يمكن إعتماده بصورة نهائية في المرحلة الزمنية القادمة بل وفي حتى مرحلة إنحساره ؟ ثانيا: ما نسب او معدلات التخصيصات المالية للقطاع الصحي من موازنات الدول في الانظمة السياسية المختلفة حيث ستحتل الصحة مكانة القدح المعلى؟ ؟ ثالثا : هل يمكن للمجتمع الدولي ممثلا بالامم المتحدة ووكالاتها ومؤسساتها المتخصصة بخاصة منظمة الصحة العالمية World Health Organization WHO)) التي لعبت دورا محوريا في الازمة الراهنة أن تقوم بإدوارا أكثر كفاءة وفاعلية إستعدادا لمواجهة أزمات مماثلة أخرى قد لاتقل خطورة عن مسار الازمة الراهنة؟ ما المدى الزمني المتوقع  لتفعيل نشاطات مؤسسات إقتصادية – صناعية - تجارية ومالية دولية قلصت إلى حد بعيد مساحة عملها كثيرا خلال تداعيات الازمة الراهنة لإنتشار وباء كورونا؟ وهل من إجراءات سريعة مثمرة تنم عن تفكير مبدع يستوعب العمالة التي فقدت وظائفها الراهنة في دورة وظائفية جديدة  تمنح الامل بتحسن مستوى ونوعية الحياة العامة والشخصية – الاسرية ؟ معظم الاجوبة ستتركز على ضرورة إيجاد حكومات دول تتبع مايعرف ب"الحكم الرشيدأو الراشد   المسؤول" Good Responsive Governance" متمتعة بسلطات واسعة في تخططي وتطبيق إستراتيجيات جديدة تواكب تداعيات ما حدث من تغييرات صحية – إجتماعية – إقتصادية بل وأخرى أكثر أهمية في طرق ومناهج التفكير والسلوك المجتمعي – القيمي . إذ من المتوقع أن يكون سلوكا أكثر إنتباها ووعيا والتصاقا بمشاعر، توجهات السكان حاصة بمشكلات وأزمات الفئات المحرومة الفقيرة جدا والتي تعيش على خط الفقر أو أدنى منه في أحوال غاية في الصعوبة تصل لحد أنتشار المجاعات أو الفقر المدقع دول هي اصلا فقيرة في مواردها البشرية المتخصصة والمهنية والمادية – المالية أوفي أمكاناتها العامة ما يجعلها تعتمد بصورة اكبر على مساندة كافة مؤسسات المجتمع الدولي ممثلة بحكومات ومنظمات المجتمع الكوني . المسألة لم تعد تبين لنا أن دولا كبرى مثل الولايات المتحدة الامريكية التي احتلت مرتبة ال18 بين دول العالم في مقياس السعادة الدولي بإستطاعتها الاستمرار بقيادة النظام العالمي الجديد منفردة دون تعضيد من شراكات الدول ال7 أ ال7 + روسيا أو دول العشرين حيث للصين دورا لابد ان يعتمد عالميا بعيدا عن حومة الاتهامات المتبادلة غير المجدية بمن المتسبب المهم الخروج من الازمة بسلام  بعدها لكل حادث حديث. العنجهية والتفرد بالقرارات السيادية لم تعد مستقبلا لغة العصر القادم الذي يتوقع من أنظمته السياسية ان تبلور صيغا لقواعد لعبة جيوسياسية –إستراتيجية جديدة تلبي إحتياجات السكان جميعا بصورة متوازنة وعادلة وضمن سياق قانوني يحفظ حقوق وحريات والتزامات الجميع دون بروز هيمنة لقطب محدد على آخر. من هنا يمكن  القول أن التقرير القادم ربما سيؤكد أهمية وضع معيار أو معايير أكثر تكيفا مع متغيرات العصر معايير من التضامن المجتمعي – والرسمي الدولي بين الدول المتقدمة علميا وتقنيا من جهة والدول النامية من جهة أخرى بصورة طرح  تتمثل بطرح "مشروعات إنقاذية" مماثلة لمشروع مارشال عقب الحرب العالمية الثانية لإنقاذ القارة الاوروبية حيث توفر دفعات مالية اساسية تلبي الاحتياجات الصحية – المجتمعية - الاقتصادية للفئات المحرومة منها تماما كما هو الامر في منح الفرص المتكافئة الملائمة للطبقة المتوسطة مايمكنها من إعادة إعمار وبناء دولها تخفيفا من تداعيات مآسيها الانسانية التي لايمكن وصفها . الامر ليس بعيدا عن مسؤولية دول العالم النامي التي تعيش شعوبها حاليا عزلة شديدة بعيدة عن الاحباء والاصدقاء وكل ما يجعل الانسان جزءا من مجتمع عالمي إنسانيا. فهل سترجع ابتسامات الاطفال ، ومن الشباب والشابات "الفئات المحرومة" التي عانت الكثير من شغف العيش بل ومن إهدار لكرامتها قبل تفشي وباء كورونا .  نحن جميعا بحاجة لإسهاماتهم جميعا كنتيجة لسوء إدارات متعاقبة فشلت في إدارتها لمؤسسات دولها من أصغر الوحدات الادارية "القرية" إلى أعلاها مرتبة من مدن يوصف بعضها بالذكية Smart Cities.  اخيرا دولنا المنتجة والمصدرة للنفط وللغاز الطبيعي " دول ريعية" لابد لها من إحداث تغيير اقتصادي نوعي مجتهدة في إعادة حساباتها بل وتغييرها وفقا لمعطيات عصر جديد أزماته كونية تكلف الكثير من الموارد التي يحسن ترشيدها . بدون ذلك لايمكن تصور استمرار الحالة الطبيعية التي تعمد لإنفاق شديد من موارد مهمة أنخفضت اسعار نفطها ومواردها الطبيعية لحدود لم تصلها من قبل حيث جففت كورونا منابع الطلب العالمي ومعها سيولة تدفق الموارد أو العوائد المالية الناجمة عن تصدير "النفط " السلعة الاستراتيجية" ما يستدعي من الدول القيام بحراك ونشاط جدي وسريع لتنويع مصادر الدخل. أخيرا يمكن القول ان الحجر الصحي داخل المازل والاحياء والمناطق مع تاثيراته السلبية إلا انه خلق بعدا إجتماعيا تضامنيا في سلوك الافراد والجماعات ما يعطي للسعادة جزءا حيويا من الحياة اليومية طعمها طيب المذاق في العموم رغم كل الجراحات ومعطيات القلق والخوف الذي سيتحول إلى طاقة إيجابية مستقبلية من خلال التضامن العالمي الانساني في إطار إتباع منهج للعدل الاجتماعي جديد ومسؤولية دولية اكثر عمقا وإهتماما بكل إحتياجات شعوبها المادية والنفسية – المعنوية من اجل رفع مستواها وتقليص الفجوات الاقتصادية داخل البلد الواحد أو بين الدول عندها للسعادة معنى حقيقي ومن الله التوفيق.    

  كتب بتأريخ :  الأحد 29-03-2020     عدد القراء :  184       عدد التعليقات : 0