بألم وأسى ارثيك يا ريواس

رغم قناعتي التامة بأن نهاية كل كائن حي هو الموت الا انني امقته بشدة لأنه في كل مرة وبين حين وآخر يفاجئنا بخطف عزيز أو عزيزة علينا ، اولئك الاحبة الذين غادرونا وباتوا مجرد ذكرى لطالما كانت تربطنا بهم اجمل واحلى الذكريات ، فالموت  هذه الحقيقة القاسية هو الفعل الوحيد الذي لا فعل بعده لأنه يعمل ما يملأ قلوبنا الم وحزن وحسرة ، حيث يوقف المشاعر والاحاسيس والأفكار وتلك الفعالية الجميلة للحياة .                                                         ففي ليلة حالكة من ليالي نيسان الزاهية بالربيع الساحر وتحديدا في الهزيع الثاني من ليلة  14/4 من الشهر الجاري استيقظ اهالي القوش القريبين من شارع بندوايا على صوت ارتطام قوي هز أركان ذلك الحي ، استيقظ الليل على هول قسوة الموت الذي جاء مسرعا كالبرق ليخطف من القوش نبعا لا ينضب من الحيوية ، وربيعا دائم الخضرة وشلالا يتدفق ماءه عذبا ، ثم تلى ذلك الارتطام  اصوات  مناجاة مصحوبة بالبكاء والنحيب فهرع من استيقظ على تلك الاصوات  من الرجال والشبان الى حيث ذلك الحادث المروع لسيارة داخلها أربعة شبان حيث أودى الحادث وببالغ الاسى بحياة أحدهم ، توه يبدا حياته  ، اكبرهم سنا لم يكمل الثلاثين من العمر ولسوء الحظ فارق هذا الشاب ( ريواس باسم بوكا ) الحياة  بسبب اصابته البليغة ، فاغمض اغماضته الاخيرة دون ان يتمكن احدا من اسعافه ، فغادر عالمه قسرا الى عالم آخر  لا يصله انسان ، وحلت الفاجعة الاليمة على بيت السيد باسم بوكا بفقدان ولده الذي كان له ابنا وصديقا ومرافقا وسندا في ايام الشدة .. وهكذا توشحت  القوش بوشاح الاسى والالم وذرفت دموع الشجن وتعالت اصوات البكاء والنحيب حزنا على ذلك الرحيل المفاجيء لشاب بعمر الورد لم يكمل الا 27 ربيعا .. ريواس العفيف المحب الرقيق والشفاف الذي كان يتميز بابتسامته الهادئة التي تضيء وجهه القروي الناصع والمتجذر في بلدة الاباء والاجداد القوش التي اشرقت فيها شمس ميلاده .. ما اقسى تلك اللحظات التي فوجع بها اهالينا في القوش منذ الصباح الباكر بخبر رحيل هذا الغصن اليانع من شجرة القوش الوارفة وما أمرّه من صباح غارق بالحزن والخسارة الفادحة لألقوش التي تبكي ابنها الراحل واهل القوش الذين يبكون اهل ريواس الذي بات جثة هامدة ..عرفه الجميع شاب محب لا يبخل على احد بالمساعدة ، هاديء ومتواضع ، طيب المعشر ودمث الخلق ورقيق في تعامله مع جميع الناس ، كان همه الوحيد في حياته ارضاء والديه وانجاز عمله الذي كان ملقى على عاتقه .. كرس حياته كي يكون عونا لابيه ويقدم ما هو مطلوب منه في كسب لقمة العيش بعرق الجبين لعائلته بالتعاون المثمر مع والده .. ريواس كان يتحمل عبء الارض التي كان في الفترة الاخيرة يقوم برعايتها والاهتمام بها متحملا كل الصعاب حتى يجني ثمارها ، ولشدة تعلقه بالعمل والارض طلب منه احد اصدقائه الذين كانوا سوية في ليلة الحادث أن يبقى معه في البيت حتى الصباح لكنه رفض قائلا : يجب أن اذهب لانني سأبكر صباحا الى الارض ( ورزه ) .. ريواس العزيز الذي كان كان فيضا من الاخلاق والكرم والسخاء ومجسدا للمعاني الانسانية في تعامله مع الكبار والصغار يحتفظ بعلاقات حميمة مع الجميع بدءا  بعائلته ( ابيه – امه - شريكة حياته – اخوته – وصدقائه واقرباءه اما ولده الصغير فكان يقضي معه احلى اوقاته بمداعبته والتسلية معه )  اما محبة الناس له وبمختلف شرائحهم الاجتماعية لا اريد ان اسهب في ذلك فالتشييع الذي  شاركت به تلك الحشود الغفيرة من الحاضرين خير دليل على محبة الناس له .. رحل ريواس حقا لكنه ترك ثروة كبيرة من محبة المجتمع لشخصه وأبقى تلك الثروة مع الناس ليستذكرونه على امتداد السنين .. رحل العزيز ريواس الذي يسكن في ثنايا اهل القوش يتوجها بكل جدارة وترك لنا ذكراه التي ستبقى طرية بندى المحبة .. أيا ليت مداد قلمي يكفي لكتابة رثائي هذا فانني مهما كتبت من كلمات ومهما سطرت من حروف سأبقى عاجزا تخنقني العبرة امام تجسيد ما يستحق الراحل العزيز من المفردات في عالم اللغة كي اوظفها لعكس نقاء وجدانه وصدق سريرته وعطائه المتواصل وبكل نكران الذات .. ليس هدفي من كتابة هذه الاسطر اثارة الألم في اعماق أذابها الأسى بل أود ان اقول ان الموت حق وحقيقة ثابتة لا بد منه ولا يمكن لأي كائن حي الا تكون خاتمة حياته الموت .. وهكذا سوف لن يتبقى للراحل الا الذكر الطيب في ذاكرة الناس ويستذكرونه من خلال ذلك الرصيد الثر الذي يتركه من الطيبة والمحبة والانسانية فيبقى وجع الرحيل معنا وبيننا دائما ، ومع يقيننا بهذه الحقيقة الثابتة الا اننا نقول للموت : ماذا دهاك ايها الموت اللعين وما هذه القسوة اللامتناهية أما كان عليك الانتظار على هذا الشاب الموغل في الطيبة وعلى والديه واخوته وعلى شريكة حياته التي ابتسمت لها الايام حين اشركته الحياة قبل سنتين وربما اكثر بقليل ، ألم ترأف على ابنه الصغير الذي سينمو ويترعرع محروما من كلمة ( بابا ) .. كم كنت قاسيا ايها الموت على ريواس الذي خطفته قبل اوانه وهو يعيش حلمه الجميل بتحقيق ما تصبو اليه نفسه من السعادة والافراح التي كان يعمل المستحيل من اجل توفيرها لعائلته .                          على الرغم من الاوضاع العصيبة التي يعيشها العالم بشرقه وغربه نتيجة الهجوم الشرس الذي تعرضت له الانسانية جمعاء من قبل فيروس كورونا الذي لا يرى الا بالمجهر وعلى الرغم من قرار منع التجوال ببلدتنا لتفادي هذا الوباء الا ان الخبر المفجع الذي اقحم صباح اهلنا في القوش  جعل الناس صغارا وكبارا ينطلقون من منازلهم لتكتظ بهم الشوارع جميعهم متجهين الى حيث الموكب الجنائزي للراحل ريواس ولمرافقة الجمع الى مقبرة الاباء حتى ووري الثرى الى جانب ابائه واجداده.. فما مدى الحزن الشديد الذي راح يتوغل الى صدور المشيعين الى مثواه الاخير حيث كان ينعكس على  الوجوه المكفهرة الحزينة للمشاركين هالة من الدموع في كل العيون التي حضرت لتوديع ريواس وهو يوارى الثرى ، وكم كان مؤلما وفائضا بالحزن حينما تنظر الى اهله وهم يحومون حول مثواه لعلهم يسمعون صوته من جديد .. الجميع ذرفوا الدمع مدرارا خلال ذلك الوداع المحفوف بالمأساة .. العيون بكت ونزفت دما بدل الدموع لان من كان يكحلها قد رحل .. فاجعة ابكت حتى الصخر ووقعت كالصاعقة على القوش واهالي القوش . آه يا ريواس الجميل كم كان ثقيلا رحيلك الابدي وكيف لنا جميع ان نصدق ان ذلك البدر الذي كان يتجسد بوجهك المنير قد احتواه التراب . وداعا يا غرسة زيتون لقد اطفأت برحيلك ابتسامة والديك وشريكتك واخوتك وطفلك الوحيد الذي سيسأل عنك بعد ان يشتاق الى مداعباتك .. وداعا وسلاما ايها الغصن الندي الذي غادرت ابد الدهر قبل اوانك .. نم قرير العين في بيتك الابدي  يا صغيري ولا تفكر بيوسف الصغير وامه المفجوعة فمحبة والديك ورعايتهما وعطف اعمامك ومحبين سيضم مريم ويوسف الى حنايا الحنان وفي الاخير لا يسعني بهذه الخسارة الفادحة الا أن نسأل الله ونتضرع اليه ليتغمد الفقيد برحمته الواسعة ويلهم والديه وزوجته واخوته واعمامه واصدقائه ومحبيه جميل الصبر والسلوان .

  كتب بتأريخ :  السبت 18-04-2020     عدد القراء :  608       عدد التعليقات : 0