تأمُّلات وأمنيات ...

اصعب المواقف ، في زحمة الايام العاصفة والاحداث الخارقة للتوقعات ، عندما يكون ايجاد موطئ قدم الى بر الأمان ، هو أقرب الى المعجزة ...

هو التحدي لشق الطريق مسانداً الاقدام الهزيلة المتعثرة المنهَكة ، في المسيرة المجهولة المعالم ، لتجتاز العقبات الاولى في اقتحام الأفق الضبابي، وقمم المستحيلات التي تلوح في سماء هذه الايام العصيّة ، في موجة كورونا الخاطفة ...

عندما يرافق بريق الامل مع اول شعاع يخترق الحيرة والذهول والمستقبل المجهول ، نرى حولنا الذين لفظهم الإعصار ، أو سلب منهم الاحباب والأعزاء والغالي والنفيس بنظرات تبحث عن سؤال ،عن الوجود وجوهرالحياة والتأمل في الخليقة ،ومن أعيتهم صفعات القدر المؤلمة ، فقد لا نملك غير أيادٍ لإنتشال اخرى هزيلة تمتد وتستنجد بِنَا (ونحن كذلك )، ترافق مسيرتنا ، ورغيف خبز نتقاسمه ينقذ روحاً ، وكسوة تقي وتستر جسداً، واهمها إرادة انسانية تنتصر في النهاية ...

سنقول يوماً ، اننا وفِي تلك الدوامة الكونية التي دقت ناقوس الخطر تنذر البشرية لاعادة حساباتها من جديد ، خرجنا من دروس مستفيضة ، فهناك أيضاً الحاجة لأن نزيح عن كواهلنا آفاتنا المزمنة ، وهي عبادة المادة وصراع التنافس والاحتكار ، والأنا المفرطة ، ومتلازمة المظاهر ...

بحاجة الى نورٌ ينفذ الى باطن العقل ،يوقض المشاعر والاحاسيس لتحريرها من ترسبات الحقد والغيرة والسلبيات المتوارثة ...

وسنسجل للتاريخ ، وفي مفارقة غريبة ، أن فايروس قاتل هدد مجمل الحياة على الارض ، حقق بيئة نظيفة وهواء نقي عجزت عنه كل الاتفاقيات الدولية سابقاً، وأعاد الى الاذهان ان كثيراً من الأمور في هذا العالم يجب استخلاص العبر منها قبل فوات الاوان ...

سنرى الكون الذي نسينا تفاصيله والايام التي لا تشبه سابقاتها القصيرة الهاربة ، انها الان، طويلة بتفاصيلها الكثيرة ، ولياليها المؤرقة ، التي ليست كما كانت من قبل ، سنرى زرقة السماء الصافية ، وكأنها المرة الاولى ، النجوم والكواكب المتلالئة التي نسيناها وأهملنا الاستمتاع بمناجاتها ، فنتذكر أن هذه نجمة الصباح ، وتلك النجمة القطبية دليل الملاحة البحرية والجوية ، وذلك درب التبانة المهيب ،يسطع وسطها جمال القمر في دوراته ... نرى جمال الطبيعة ، زهورها وخضرتها ، نسيم الفجر العليل ، ورائحة التراب في اولى زخات المطر ، نتحسس عبق الزنابق وشقائق النعمان ، تطربنا زقزقة العصافير ، تسحرنا ألوان الفراشات ...كل هذه كانت ترافقنا، تلامسنا ، ولكننا لم نتأمل بها ، فقدنا متعة الهدوء والاستمتاع بالطبيعة ، في زحمة محاولات التسلق ومناطحة القمم التي قلما خلقت لدينا الفرح الحقيقي والانشراح والتحرر من الهموم ... فالهرولة الى نهاية الخط، جرفت معها قيمة التأمل ، وجدية التفكير والرؤى المتأنية ، والرؤية الخلابة ، وهدوء النفس ...

سيجتاز العالم هذه المِحنة ، ورغم هول القدر الصاعق على كل شعوب الارض ، إلاّ ان هذه الدورة الحزينة الماحقة ، لا توازيها الّا استحقاقات فورية لأن تنتفض البشرية لتستغل كل ثرواتها وطاقاتها للبحث عن استمرارية الوجود ودعم اعمدة البقاء ، والروح التي تناشدنا التحدي مع أنفسنا قبل كل شيئ ، لإضافة أشرعة قوية لسفينتنا المشتركة التي لا تلقِ من حمولتها عامة الناس لتبقِ الأقلية المترفة ... لتبحر الى شواطئ السلام والجمال وكلما يحترم ويكرّم الحياة ومستقبل البشرية ...

ومن على خشبة مسرحنا القادم ، ننير فضاءاته بزينة ايّام الأعياد ، وتراتيل المجد الانساني ، وروايات الفداء والبطولة التي ليست بالضرورة بندقية ومدفع ، بل الذين يضعون بلسم شفاء ، ومعلومة ، وعلم يرصد ألداء ، واخرون يمهدون الطريق الى الحق والامل والغد الأفضل ...

فالأيام تزحف ولا تتوقف ، ونحن الذين نصنع منها منهجاً جديداً يكرّس كل التجارب والعبر ، لتكون دستوراً صالحاً ، وقصصاً جميلة للاجيال القادمة ...

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 21-04-2020     عدد القراء :  296       عدد التعليقات : 0