عندما تتشابه الايام ...

غالباً ما تضفي الالوان بعداً زاهياً لمضمون أية لوحة جميلة ، كذلك هو الزمن الذي لا يمكن ان تزدان أيامه بليل لا فجر له ، ولا قمر يضيئ سماءه ، ولا نورٌ يوحي بالامل والثقة بالمستقبل ...

كثيرة هي الشعوب التي أطبقت على انفاسها أنظمة مرت على اجيال متعاقبة ، لتعيش فراغاً لا تجد فيه صور مفعمة بالآمال والطموحات, بل ظل حاكم مُؤلّه أو دكتاتورية تسلطية مطلقة ، ومفاهيم خارجة عن إطار الحداثة وعجلة التطور ...

ويبدو ان المجتمعات الديمقراطية ايضاً ، باتت تفقد تدريجياً بريقها ، فلم تعد كما وصفها أفلاطون بأن تكون حكم الشعب ، بل هي الاخرى أصابتها العدوى ...رموزٌ خيمت تحت قباب البرلمانات ، أولياتها المصالح الذاتية ... وجوهٌ مزمنة تحتل مواقعا مدى الحياة احياناً ، لم يعد يعنيها اضافة ما عندها لتعزيز الوحدة الوطنية والخير العام ، ولا الاحتجاجات والمظاهرات ، اكثر من خلق اسباب الانقسام ، تتفاوت بين من لا يقيم وزناً لقدسية ووحدة البلاد، وأخرى لا تألو جهداً في مواجهة كل القوى والأحزاب العاملة لفرض وجودها وسيطرتها بصورة تقترب الى إشاعة التسلط اكثر من اجواء الحرية ...

وإذا كان هذا حال الشعوب مع تناقض عناوين انظمتها ، وإذا كان الصراع المادي هو الذي يجعل من العالم مسرح تجارب وتجاذبات وتكتلات ، فهناك اسئلة كثيرة وأجوبة غير مقنعة أمام سلطة العولمة المرضية الجديدة التي فرضت نظام غير مسبوق على البشرية ، شعاره عدم التمييز هذه المرة!!!ضحكت على التنظريات السابقة ، وسخرت من الجميع ، فأحدثت ثغرات في نظريات الاقتصاد العالمية ، لا يمكن تعافيها بسهولة ، حشرت العالم كلّه في زوايا اليأس وجدران البيوت ...حرمت الناس من الحدود الدنيا للحياة الطبيعية ،، يشعر كبار السن بإحراج ، ومعاملتهم كمادة انتهت صلاحيتها ...

تشابكت تقلبات الفصول ،تبخرت الأحلام الجميلة ، وكل الأبجديات والمفاهيم والاًلويات ...والمناسبات العائلية اصابها الجمود والنسيان والتأجيل ... حتى مورد الرزق ، بات متعلقاً بأهداب الحظوظ والصدف في ايجاد لقاح لا يتوفر لمتطلبات المليارات من البشر على المدى القريب ،كتوفر مخزون الاسلحة وأدوات الدمار التقليدية والبايولوجية في اقبية المخازن المحصنة في كل دول العالم ...

آفة جعلت الليل والنهار لا يختلفان ، الا بمقدار الضوء والظلام ...

تشرق الشمس تدور حولنا في سكون رهيب ، وتغرب ولا نشعر الا بيوم آخر اشبعنا ليله الأرق والكوابيس ، لا ينوي الا ان يصلنا بتثاقل شديد وملل ،بساعات أخرى خجولة وإستنساخ مطلق لدورة الزمن ، ومحطات متعاقبة مليئة بالحيطة والحذر والتوجس ... فهذه اقسى الحروب الكونية الشاملة ، والغير المعلنة التي لا ذنب فيها لان تدفع الشعوب أثمانها الباهضة... فحتى المعارك التي مرّت على العالم ولا زالت تفتك بالبشر ، كانت هناك بلاغات وصفارات الإنذار ( الموسيقى البديلة المفروضة على الواقع )، تتيح التقاط الانفاس ، ورغم ضراوتها ،لم تصيب العالم كله بالشلل والاندحار...

تتشابه الايام ، ولكن الذي تغير الان هو ظهور ملامح السلطة الكونية الجديدة الغير المرئية التي لا تفرق بين البشر ... متى سيستعيد الفرد حريته بعيداً عن الهلع والخوف من الممارسات اليومية الاعتيادية ، ام تتحول الجوائح الى تطويع ومشكلة نتعايش معها ؟؟؟

ما كان مفهوماً ، بات مبهماً ، لا خيار للجميع غير حبس إرادي بمواصفات متقدمة ، وجدران ليست حمراء هذه المرة ، فنحن السجين والسجان ، وأما الباقي فليس قرار العفو ...

بل الأنتظار ...

وكثيراً ما ندعم بحسن نيةأو رأي مسبق هذا الجانب أو ذاك ، ولا نعلم متى يُعلن عن نهاية الغارة التي ليس فيها صوت ولا زمن ، ولكنها الصفحة الأغرب ، إذ نتوقع عالم مختلف وسوقاً رائجة لمنتجات قادمة غير مألوفة ، وموضة العصر بألوان وانًواع الكمامات والكفوف المكملة للأناقة (التي طواها النسيان )ولربما ستأخذ بعداً وشكلاً اخر ...

سنتعلم ، ( وأتمنى ان لا تمتد الى الاجيال القادمة ) اسماء ومصطلحات طبية ، وسلالات أوبئة وفايروسات ، وحشرات قاتلة ، اكثر من مباهج الدنيا والاستمتاع بالطبيعة والنظرة المتفائلة ...

لتتطبّع الايام وتتشابه الى ما لا نهاية ... ترسم الوجوم على الوجوه ، وانفرادية تفوق كلما غيرها من قبل ... فلا احضان تشبك الابناء والأحفاد ، ولا القادمون من سفر بعيد ، ولا في مناسبات الافراح ، وإن كان هناك أصلاً ، فمن بعيد، وبوجوه جامدة ، وهذه اقسى اللحظات ، تلك التي تتحول فيها كل المراسم المتعارف عليها في كل المجتمعات ، الى هزيمة البعد والتنافر ، الى تلبّد وبرود المشاعر ، والى التأجيل المتجدد دوماً، والى السكون الشامل ...

تتشابه الايام وتتقاطع وجهات النظر في كشف الحقائق ، ولكن الحقيقة وحدها ستكون جواز السفر الى الشعوب ...

والدرس الأكبرمن كورونا ، أن يراجع الجميع شعاراته اللامعة( التي غالباً ما كانت مخيبة مبالغ فيها ) فيضيف اليها استثمار آخر ... التقارب بدون خوف ، وأيادٍ ممتدة ، وأحضان دافئة لا تبعدها الشكوك، وتوظيف خيرات الطبيعة التي لم تكن يوماً بخيلة ، بل رهن إشارة حسن استخدام الانسان ...

  كتب بتأريخ :  الإثنين 11-05-2020     عدد القراء :  648       عدد التعليقات : 0