استمرار الأزمة في العراق
بقلم : د. أثير ناظم الجاسور
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية صفة ملازمة لعمل النظام السياسي العراقي فما أن يحاول الخروج من واحدة حتى يجد نفسه في أخرى أكبر وقعاً من سابقتها وهكذا بعد أن اثبت عدم قدرته على وضع الحلول المناسبة التي تسهم في إرساء دعائم بناء دولة وفق أطر قانونية وعلمية ومنطقية،

بات هذا النظام يتعايش مع الأزمات لا بل بات يتغاضى عن الأخطاء مهما كبرت ويتعامل معها بحلول وقتية ابتداءً من الخدمات حتى التعليم والصحة والاستثمار وتبديد الأموال وقضايا الفضائيين التي لا تخلو منها أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، مروراً بقضية السيادة وانتهاكات الجوار لها عبوراً على الدَين الخارجي امتداداً لسوء إدارة الدولة الخ...

من الكوارث التي لا تحمد عقباها، كتب وتحدّث الكثيرون عن طريقة إدارة الدولة منذ العام 2003 ولغاية اليوم خصوصاً في قضية التحول الذي شهدها العراق التي بطريقة او بأخرى مازالت ترسم وتدار أحداثها من خارج الحدود سواء من قبل الولايات المتحدة الاميركية او من قبل دول الجوار التي تحاول أن تتدخل بشتى الطرق بحجة حماية هذا المكون أو ذاك، وأبرز مشاهد هذا التحول أن الأزمات الداخلية مازالت تتراكم دون حلول وإجراءات معالجاتها هي سبب تفاقمها، ففي الأجواء التي يعيشها العراق من السهل أن تخلق أزمة وتعتاش عليها أطراف وتتعايش معها أطراف أخرى سواء داخلية أو خارجية، حتى ترى بعد فترة أن الحلول التي وجدت لأجلها ما هي إلا مجموعة من التعقيدات التي بحد ذاتها بحاجة إلى حلول.

مشكلة النظام الحالي هو معرفته الكاملة بحجم الخراب الحاصل الذي تسببت به السياسات الخاطئة التي اتبعتها الأحزاب في إدارة شؤون الدولة تحديداً في إدارة السياسة المالية للدولة مما جعلها عرضة لمشاكل مرعبة تهدد بين الحين والآخر المواطن في حياته وقوته ومعيشته، وكانت المشكلة الأكبر أن الأحزاب تواجه اي اعتراض أو نقد على سياستها بالعنف مما أسهم في إرساء ثقافة عنفية تتبعها السلطة تجاه شعبها ، وهذا ما جعلها تعيش في عزلة تامة عن الأحداث الواقعية الحاصلة في الشارع، عموماً إن نظام ما بعد 2003 أسهم في وضع مفاهيم جديدة غير الظلم والتعسف التي ورثها عن النظام السابق وهي مجموعة من المفاهيم التي رسّخت التفتّت والتقسيم والابتعاد والهويات الفرعية والانحياز وكل ما له علاقة بالانفصال عن الواقع، وما ترسخ في ذهن المواطن عن نظامه الجديد هو استخدامه لاستبداد محدث عن السابق استبداد مؤطر باسم الديمقراطية التي لغاية اليوم لم يرَ منها المواطن سوى بعض الأجهزة الالكترونية وبعض التحديث التكنولوجي والهواتف الذكية وبعض من السب والشتائم التي لا تقدم ولا تؤخر، أما الممارسة الفعلية في السياسة وفي بقية الجوانب فهي من اختصاص الطبقة الحزبية التي تعمل على احتكار كل ما له علاقة بالسلطة، إضافة إلى أن الديمقراطية ما هي إلا مجموعة من العبارات تتفوه بها الأحزاب مع قرب الانتخابات أو بداية أزمة وبحاجة إلى حطب لإشعالها.

اليوم نعاني من أزمات حقيقية تنذر بحدوث كوارث اجتماعية على اعتبار أن العلاقة بين المواطن والدولة أو الحكومة علاقة منفعة متبادلة، بالتالي يجد المواطن نفسه في هذه الحالة الخاسر الأكبر من هذه العلاقة التي بُنيت بالأساس على المنفعة لطرف واحد ( الأحزاب)، وجد المواطن أنه المضحي الوحيد سواء بالروح أو المعيشة فما من أزمة تواجه الدولة حتى يكون المواطن أول المستهدفين بعد أن تم تصنيف البشر حسب المراتب والوظائف، فكان من في السلطة هم النبلاء الذين لا تمسهم النار أما باقي المجتمع هم العبيد يبقون حتف أنوفهم ولا بد أن يكونوا حاضرين في كل أزمة وكارثة، فقد اتعبت السلطة طيلة هذه السنوات على اجراءات ملؤها مراوغة وتناقض وتعاملت مع المواطن بحيلة غير مستساغة تحمل قدر كبير الاستغفال، فبعد الفشل الكبير في تحقيق متطلبات المواطن الخدمية والحياتية اليوم بات هذه الأخير يُحارب في قوته المهدد بالانقطاع.

المسألة الأخرى يعاني النظام من اختلالات بنيوية فالمشكلة لا تكمن فقط في الأحزاب التي فشلت في إدارة الدولة إنما في المحركات الاجتماعية الأخرى المتمثلة في طبقة رجال الدين والعشائر والطبقة المثقفة فكل واحدة من هذه الطبقات حاولت أن تسوق نفسها على أنها الأعلم وهي صاحبة الامتياز بالتخطيط والوعظ، بالتالي وضعت المجتمع في مفترق طرق وباتت الخيارات محدودة لاسيما وإن هذه الطبقات تعاملت مع شرائح المجتمع كما تعاملت الأحزاب بفوقية عالية واستغفال عالٍ، إلى جانب المحاذير من انتقادها لأنها أيضاً باتت مقدسة في تحركاتها وخطاباتها التي توجهها وهي التي تضع التصورات، بالنتيجة رفدت هذه الطبقات النظام السياسي من التمادي في أخطائه لابل تم تقنين بعض الممارسات على أنها ممارسات إما أخذت صفة شرعية أو عشائرية أو قننها المثقف على أنها واجب حضاري، وهنا أصبحت هذه المحركات هي أساس الأزمة المتجذرة في المجتمع، وحتى يتم مناقشة دور كل طبقة من هذه الطبقات لا بد أن نوضح العلاقة المتبادلة أو المنفعة المتبادلة بينها وبين السلطة والمخرجات التي تخدم الطرفين.

لقد باتت هذه الطبقات هي أساس الفصل أي بمعنى آخر بديل القانون وبديل السلطة في أغلب الأحيان هي التي تتحكم في مصائر الناس وهي التي تحرك الشارع وهي التي تهدئه في نفس الوقت، بالحقيقة هذه التابوهات الثلاث هي التي جعلت من النظام متسلطاً على اعتبارها تعمل على العاطفة والعقل وهي ساهمت في عملية إنعاش هذا النظام المترهل، وفي كل الأحوال هي تعمل على تخدير الجماهير سيما وان لها جمهوراً يعمل على تعزيز سلطاتها الاجتماعية التي من خلالها تُحدد الخيارات وتكبح كل الخطوات المتقاطعة مع معتقداتها الفكرية التي بالنهاية قد تتعارض مع مصالحها، أيضاً إن واحداً من أسس هذا الارباك هو الصراع بين هذه الطبقات والذي قد نجده يتعزز من خلال أمرين الأول هو كل طبقة تحاول أن تكون أكثر تأثيراً على النظام السياسي من حيث القرار والمخرجات التي قد تنبع منها بمعنى إنها تؤدي دور جماعات الضغط وتحاول بناء دولته العميقة داخل الدولة لغرض التاثير ( نفوذ – سيطرة)، والثاني هي يحاول كل منها الضغط على النظام السياسي من خلال جمهورها وتحريكه وفق متبنياتها وتوجهاتها ولطالما أصرت على رسم صورة غير واضحة تحرك جماهيرها من خلالها، في الحالتين هناك صراع مستمر بين هذه الطبقات وهذا الصراع ليس وليد ازمات ما بعد العام 2003 انما قبله وبعشرات السنوات هذا الصراع بُني على اساس المصلحة والغلبة والديمومة.

اليوم وصل الحال في العراق إلى مفترق طرق والسلطة والمحركات الاجتماعية اثبتت فشلها في تحريك العراق نحو بر الأمان أو جعله متوازناً كما أقرانه من الدول المجاورة على أقل تقدير، اليوم الدولة تعاني من انهيار اذا ما استمرت الممارسات التي بكل الاحوال غير منطقية تساهم في إشعال الشارع والاتجاه هذه المرة نحو الفوضى، أما رجال الدين فما زالت منابرهم تطلق مفاهيم ووقائع غير منطقية هذا إلى جانب ابتعادهم عن المنطق إضافة الى أنهم كانوا سبباً في ترسيخ بعض الممارسات غير العقلانية في المجتمع، أما العشائر فهي أيضاً بعيدة إنْ لم نقل بعيدة عن العقل والمنطق في ممارساتها التي جعلتها واحدة من المحددات لطموحات المواطن، أما المثقف فما زال يعيش في برجه العاجي بالرغم من امتلاكه للأدوات التي قد تجعله فعالاً في المجتمع إلا أنه لا يزال يتأمل من كل الطبقات أن تصعد بمختلف مستويات التفكير إلى برجه، والحقيقة هو منعزل بشكل كامل عن ما يحصل يحضر وجباته الجاهزة بكل نمطية، فالمجتمع اليوم لا يحتاج إلى كلمات منمقة ولا يحتاج إلى أن تخبره أن التحولات الدولية باتت تؤثر عليه أو كتابات تراعي فيها مشاعر هذا الطرف على ذاك بقدر ما يحتاج إلى جملة من العوامل التي تساعده على بلوغ العيش المحترم والحياة الكريمة، وعليه هذه السلطات والطبقات أسهمت في تراكم الأزمات وعزّزت فكرة البؤس والانكسار والتراجع فكانت مصادر لتراكم الأزمات.

اترك تعليقك

  كتب بتأريخ :  الأحد 05-07-2020     عدد القراء :  144       عدد التعليقات : 0