أزمة كورونا بين الحاضر والمستقبل
بقلم : د. أثير حداد
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

مع نهاية الحرب العالمية الثانية ظهرت قوتين عالميتين مهيمنتين على الصعيد العالمي هما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. وتمت صياغة ميثاق الأمم المتحدة بما يخدم تلك الهيمنة ، مع تراجع كبير لدور أوروبا الغربية. وسعى الاتحاد السوفيتي لخلق نوع من التوازن داخل مجلس الأمن فأدخل الصين فيه

رغم أن الصين، آن ذلك، لم تكن ذات تأثير ملموس في السياسة العالمية ولا قوة نووية. في تسعينيات القرن الماضي سقط الاتحاد السوفيتي وإنهار، فكانت تلك فرصة أن تتقدم الولايات المتحدة لتصبح القوة العالمية المهيمنة على الصعيد العالمي بسبب قوة اقتصادها الهائل وقوتها العسكرية الجبارة. أما على صعيد السوق العالمية فإن الدولار أصبح مهيمناً بصورة مطلقة عليها، هذا بالتالي أدى الى ارتباط، مرغوب أم غير مرغوب،جميع اقتصاديات دول العالم بقوة الدولار، و أصبحت غالبية الاحتياطات للبنوك المركزية في العالم تتكون من الدولار .

استطاعت الصين بسياستها البراغماتية، النفعية، تحقيق أقصى النجاحات على الصيد العالمي عبر اللعب بين التناقضات بين الاتحاد السوفيتي و الولايات المتحدة ، فأزاحت اليابان كثاني قوة اقتصادية وإحتلت هي تلك المكانة. فقد فتحت الصين أبوابها للاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة. بحيث اصبحت غالبية صناعاتها تحمل علامات تجارية عالمية رصينة وعبر هذا غزت العالم بمنتوجاتها، لا بل في داخل الولايات المتحدة نفسها. وكي تبقى الصين على علاقات براغماتية مع الجميع فقد كانت في الغالب تمتنع عن التصويت في مجلس الامن .

كما تم ذكره، أصبحت الولايات المتحدة القوة الاقتصادية المهيمنة والوحيدة في العالم. واتخذت قرارات خارج إطار مقررات مجلس الامن منها على سبيل المثال غزو العراق 2003. واستغلت عنجهية وغباء نظام صدام لصالحها ، حيث أن قبل غزو العراق للكويت لم يكن هناك قواعد عسكرية أميركية لا في الكويت ولا في قطر ولا الامارات، إلا أن احتلال الكويت قدم لها المبرر للقدوم .

إلا أن الوهن بدأ يصيب الاقتصاد الاميركي بعد الأزمة الاقتصادية 2008-2009. وكان الرئيس أوباما أول رئيس أميركي يفكر ويتحدث عن تقليص تواجد القوات العسكرية الاميركية خارج حدودها السيادية. ثم جاء ترامب، هذا الشعبوي بامتياز، وأعلنها صراحة انه يسعى لان تدفع الدول أجوراً مقابل أن تقوم الولايات المتحدة بحماية تلك الدول. وهذا يعتبر ظاهرة جديدة في العلاقات الدولية، إلا أنه في نفس الوقت يمثل الإحساس بتراجع دور الولايات المتحدة .

وقبل الدخول في أزمة كورونا وافرازاتها لابد أن أشير الى أن الاعتقاد السائد قبلها أن النظام العالمي هذا رصين ولا خشية عليه !

كورونا أممية أكثر من راس المال العالمي

قبل أن تشهر كورونا قرونها الشافطة علينا، ففي العقد الاول من هذا القرن بدأت الظاهرة الشعبوية تتجذر، فلم تعد مظاهر هنا أو هناك أو لمسات في هذا الخطاب السياسي أو ذاك بل خطاب وبرنامج سياسي متجه بعمق الى درجة كبيره نحو الشعبوية

وكان من أبرزها فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الاميركية على هليري كلنتون، وكانت كل خطاباته للدعاية الانتخابية شعبوية بامتياز، يغلب عليها طابع مخاطبة المشاعر والرغبات الأدنى لبني البشر من مأكل وملبس.

ما إن اطلت علينا كورونا بتيجانها حتى ارتبك العالم جميعه. فهي لا تمتص بروتينات الدول الغنية فقط بل الفقيرة أيضاً، تمتص الأبيض والأسود وما بينهم ، تمتص الشمال والجنوب، الأراضي الحارة والباردة. فافقنا على حقيقة أن التفاؤل الذي كان سائداً في أواخر تسعينيات القرن الماضي قد ذهب ، وإننا دخلنا عصر التشاؤم والانكماش الاقتصادي الكبير عالمياً، والأخطر من كل هذا هو الانكفاء الذاتي للدول على نفسها وظهور أفكار وتيارات الدولة القومية، وهذا يشبه الى حد بعيد المانيا بين 1935 وما بعدها للحرب العالمية الثانية .

أما العامل المفرح والمبشر فهو : إن الدول التي تقودها نساء، المانيا وفلندا و ونيوزيلندا و الدنيمارك والنروج نجد ما يلي : إن نسبة الإصابة بفايروس كورونا في الدول التي يقودها ذكور لديها ستة أضعاف الإصابات في الدول التي يقوها الذكور، لأن وأنا متفق مع هذا مئة بالمئة ، وكما تقول الديلي ميل البريطانية " إن البلدان التي تقودها النساء أعطت الأولوية للصحة العامة على الاقتصاد". ودعني أضيف هنا أن الدول التي تقودها نساء يعني أيضاً أنها دول عالية المستوى من ناحية المساواة الاجتماعية وتعطي أولويات للاحتياجات البشرية.

أين مصيرنا كدول مصدرة للنفط ؟؟؟؟؟

ما يميز هذه الدول إنها تعتمد على مصدر واحد للدخل وهو تصدير النفط الخام . وإن شئنا أم أبينا فإن الانكماش الاقتصادي القادم سيؤدي الى انخفاض الطلب على النفط الخام عالمياً، واعتقد أن منظمة الاوبك ستواجه أضعف وضع لها منذ تأسيسها لحد اليوم. كما وأنني اعتقد إن السوق العالمية للمواد الخام عموماً ستواجه تآكلات مهمة مع تنامي سوق تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات مع تنامي الصراع الصيني- الاميركي المتنافس على حصص السوق العالمية ، أما خط سكك حديد الحرير الصيني فربما سيكون ما يشبه الصراع السوفيتي الاميركي فيما سمي ربيع براغ .

ما إن ظهرت كورونا حتى سارع ترامب الى اتهام الصين أنها صانعة الفايروس و إما الصين فسارعت الى اتهام الجيش الاميركي في صناعته، أما الشعبويون فقد وضعوا رؤوسهم على مخدة "المؤامرة" وناموا قريري العين. مع أن الجميع يعلم علم اليقين أن الفايروس موجود وكذلك البكتيريا مثل تأكدنا من وجود الكائنات الحية والفضاء، لكن العقل الشعبوي التبسيطي هوا الخطر القادم على العالم عبر الانكفاء على الذات الوطنية وصعود التيارات الشعبوية وبالاخص نحن في عالم تنتشر فيه الأسلحة النووية ، وعليه اعتقد اننا بحاجة ماسة لإعادة بناء نظام عالمي جديد عبر إصلاح الأمم المتحدة الذي اتصوره أقرب الى الواقع من المطالبة بـ "حكومة عالمية" في هذه المرحلة.

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 29-07-2020     عدد القراء :  120       عدد التعليقات : 0