في النقاش الدائر حول المحكمة الاتحادية العليا 1-2
بقلم : د. علي مهدي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

يهدف تشكيل المحاكم العليا إلى تعزيز أسس وأركان الدولة القانونية القائمة على سيادة القانون والحيلولة دون الخروج على الدستور باعتباره المنظم للقواعد الأساسية الواجبة الاحترام في الدولة والدفاع عن إرادة الشعب الذي أصدر الدستور و حماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد ,

وتختص المحاكم العليا في العديد من الدول، بالرقابة على دستورية القوانين وتفسير نصوصه والفصل في المنازعات التي تنشأ عند تطبيق القانون أو التي تحصل بين السلطات المختلفة وكذلك في الاتهامات الموجهة إلى أعضاء الحكومة، وفي العراق تختص أيضاً المحكمة الاتحادية العليا في المصادقة على النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب.

إن أحد الإشكاليات القانونية التي تواجه القوى السياسية في الوقت الحاضر في التحضير للانتخابات المبكرة، هو إعادة العمل للمحكمة الاتحادية العليا المعنية بالمصادقة على نتائج انتخابات مجلس النواب، بعد توقف أعمالها على إثر الاختلال الحاصل في نصاب عقد المحكمة بتقاعد أحد أعضائها والتي يلزم حضور جميع الأعضاء عند البت في أي قرار حكم تتخذه، ولهذا لابد من مخرج دستوري وقانوني لإعادة هذا النصاب، بعد إخفاق مجلس النواب على مدى دوراته السابقة والحالية من إصدار قانون جديد للمحكمة الاتحادية يتجاوز النقص الوارد في الأمر 30 لسنة 2005 في تجديد قوام المحكمة، وبعد اعتراض المحكمة الاتحادية على المادة(3/ثالثا) من قانون مجلس القضاء الأعلى رقم 45 لسنة 2017 التي بموجبها تم منح مجلس القضاء الأعلى اختصاص ترشيح أعضاء المحكمة الاتحادية العليا من القضاة.

وقد قدم مجلس النواب يوم السبت المصادف 5/9/2020 مقترح تعديل قانون المحكمة الاتحادية، بالإضافة إلى وجود صيغتين للتعديل، الأولى من قبل رئيس الجمهورية والثانية من قبل مجلس الوزراء، وكذلك وجود العديد من المقترحات بهذا المجال من قبل المعنيين بالشأن القانوني.

ومن أجل تسليط الضوء على بعض النماذج في تشكيل قوام المحكمة الاتحادية في عدد من الدول والتي لها نجاحات متحققة في هذا المضمار، نستعرض بعضاً منها، من ناحية القوام وتجديده والجهات المختصة بالترشيح والموافقة.

الولايات المتحدة:

للولايات المتحدة السبق في تشكيل المحكمة الاتحادية ومنها حقق هذا النموذج الانتشار الكبير في العديد من دول العالم.

لم ينظم الدستور الأميركي الذي صدر عام 1787، تشكيل المحكمة الاتحادية العليا ، ولم ينص عليها صراحة في أي نص من نصوصه، وقد استطاع القاضي مارشال رئيس المحكمة الاتحادية سنة 1803 ان يضيف الى اختصاص المحكمة، سلطة مراقبة دستورية القوانين، ومنذ ذلك الحين تتمتع هذه المحكمة بمكانة خاصة بين المؤسسات الدستورية.

تشكيل المحكمة الاتحادية:

تتشكل المحكمة الاتحادية من تسعة قضاة، من بينهم الرئيس، وقد نظمت طريقة اختيارهم (المادة 2، الفقرة 2) من الدستور: (لرئيس الولايات المتحدة السلطة بمشورة مجلس الشيوخ وموافقته، أن يعين قضاة المحكمة العليا). أي أن سلطة تعيين قضاة المحكمة الاتحادية في الولايات المتحدة بتعاون مشترك بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأن صاحب الاقتراح هو الرئيس و مشورة وموافقة مجلس الشيوخ وهو الغرفة الثانية من مجلس النواب الأمريكي.

وعادة يتم اختيار القضاة وفق الآتي:

1 - من كبار المحامين وهم يشكلون الاكثرية في عضوية المحكمة.

2 - الفقهاء في القانون.

3 - من العاملين بالهيئات القضائية.

ويبقى أعضاء المحكمة مستمرين بعضويتهم ما داموا يتمتعون بسمعة حسنة، حتى طلب التقاعد، العجز والوفاة، وهذا ما جاء في (المادة 3، الفقرة 1) حيث نصت: (ويبقى قضاة كل من المحكمة العليا والمحاكم الأدنى درجة شاغلين مناصبهم ما داموا حسني السلوك)، ومن الجدير بالذكر إن القاضي روث بادر غينسبورغ وهي ثاني امرأة في المحكمة مازالت تعمل منذ سنة 1993 وقد تجاوز عمرها الآن السادسة والثمانين سنة.

ألمانيا :

نص الدستور الألماني الصادر في 23/05/1949 على أنشاء المحكمة الدستورية العليا والتي تكون بمثابة الحارس على الدستور ، وصدر قانون المحكمة الدستورية في : 12/03/1951 م .

تشكيل المحكمة

يقوم النظام البرلماني في ألمانيا على مجلسين ، مجلس نواب يمثل الشعب ومجلس للولايات الألمانية .

يختار كل مجلس ثمانية قضاة وبذلك يكون مجموع قضاة المحكمة ستة عشر عضواً ,

تتكون المحكمة من دائرتين ، تشكل كل دائرة من ثمانية أعضاء لكل دائرة اختصاصها المستقل عن الدائرة الأخرى، وكل مجلس من مجلسي البرلمان يختار أربعة أعضاء، ويختار المجلس الآخر الأربعة الآخرين، كما صدرت لائحة داخلية في أكتوبر 1975م تتكون من فصلين، يحدد الأول التنظيم الداخلي للمحكمة والثاني قواعد الإجراءات المتبعة أمامها .

للمحكمة الدستورية العليا في ألمانيا الأثر الكبير والواضح على الحياة العامة ، فهي تختص برقابة دستورية القوانين ونصت المادة 93 من الدستور الألماني على ذلك .

للأفراد العاديين الحق في تحريك الدعوى أمام المحكمة الدستورية الاتحادية عن طريق رفع الدعوى مباشرة إذا كانت قد انتهكت أحد الحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور ، أو عن طريق الدفع أمام المحاكم التي تنظر قضاياهم بعدم دستورية القانون الذي يراد تطبيقه عليهم . فإذا رأت المحكمة جدّية الدفع بعد تقديره صرحت لصاحب المصلحة باللجوء الى المحكمة الدستورية ، كما أن للأفراد الحق في الطعن ضد أحكام المحاكم الصادرة ضدهم أمام المحكمة الدستورية إذا كان الحكم الصادر قد خالف الدستور .

ويجب أن نذكر أن هناك اختصاصات بالإضافة للاختصاص الأول وهي ثلاثة اختصاصات أخرى ، الاختصاص برقابة دستورية اللوائح والاختصاص شبه الجنائي أو الاختصاص بحماية النظام الدستوري واختصاص الفصل في المنازعات التي تثور بين السلطات الدستورية .

أحكام المحكمة الدستورية هي أحكام قضائية غير قابلة للطعن ولها الحجية المطلقة في مواجهة الجميع .

  كتب بتأريخ :  السبت 19-09-2020     عدد القراء :  80       عدد التعليقات : 0