العولمة وسقوط مفهوم القومية..
بقلم : سلام حربة
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

العالم اليوم ليس كما كان قبل مئة عام ولا حتى قبل ثلاثين عاماً. المجتمعات تعيش في ظل نظام القطب الواحد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 وتراجع الاشتراكية كنظام اقتصادي عالمي أمام النظام الرأسمالي وفائض قيمته الذي هيمن على واقع جميع البلدان سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وحتى دينياً .

ارتبط مفهوم العولمة بالنظام الرأسمالي وفي تعريفها المبسط تعني أن يكون العالم واحداً من القطب الشمالي وحتى القطب الجنوبي والناس جميعاً تعيش بأمن وسلام ورفاهية اقتصادية وتزال الحدود بين المجتمعات وبدل اللغات المتعددة فأن البشرية بامكانها التكلم بلغة واحدة حتى يسهل التعامل بين البشر المختلف في الدول كافة ويصبح التاريخ الجديد موحداً للجميع. لكن يبقى السؤال من هو القائد أو المحرك لهذه العولمة ومن يمسك بالخيوط جميعاً..؟

العولمة نظام استعماري فيه ملامح من الدين المسيحي وهو مرحلة من مراحل النظام الرأسمالي وربما مشوارها الأخير وهي الوجه الآخرللإمبريالية التي صنفها الاقتصاديون والفلاسفة على أنها خاتمة النظام الرأسمالي والتي تتجسد فيها وحشية النظام ولا إنسانيته من خلال النفاذ الى المجتمعات، بلدان العالم الثالث والبلدان العربية والإسلامية، بالوسائل السياسية الاقتصادية والعلمية والثقافية والسيطرة على مقدرات هذه البلدان وخيراتها المادية وامكانيتها البشرية وربطها بعجلة نظام الاحتكار بالترغيب أو الترهيب وفرض الأنظمة السياسية الذليلة التابعة لها وتكبيلها اقتصادياً من خلال الإنتاج والتنمية بمباركة المؤسسات الاقتصادية الرأسمالية ( كصندق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية والشركات المتعددة الجنسيات والأحلاف الاقتصادية الدولية..) وهذا يعني أن يرهن مصير البلدان وحاضرها ومستقبلها الى المؤسسات العالمية الاحتكارية وتُفرض الشروط السياسية وتُحدد الطبقة السياسية والبرامج الاقتصادية على هذه البلدان بحيث تقع بين أنياب الفم الرأسمالي الجشع وما عليها إلا أن تبلع الطعم السام وإن ظهرت بعض بوادر الاعتراض عند بعض السياسيين الماسكين لزمام السلطة فان مصيرها الهلاك والدمار والتشظي وهذا يحصل تحت عناوين جاهزة من الديمقراطية وحقوق الإنسان والتخلص من الدكتاتورية كما حصل في العراق وبعد ذلك على ليبيا وسوريا وتونس والسودان ومصر وفي كل البلدان العربية والإسلامية بحلول الربيع العربي والذي ما زال مستمراً ومتجاوزاً على كل الفصول..القومية مفهوم قديم وهو يسبق الرأسمالية بقرون وظهر بشكل واضح مع بدايات النظام الاقطاعي وهو يعني في أبسط تعريف له أمة تشترك بالتاريخ الواحد واللغة الواحدة والثقافة الخاصة والبيئة الجغرافية الواحدة ولها عادات وتقاليد وصفات جينية والدم الذي يسري في عروقها يكاد يكون بلون واحد أحمر أو أزرق او ليموني والعالم يتكون من مجموعة قوميات تنتشر على بقاع الأرض المختلفة. كل قومية تحاول أن تفتخر بنفسها وتنسب لمواطنيها الأصالة العرقية والتفوق والفروسية والكرم والعلم والإبداع وتعدّد أفضالها على البشرية في نشأة العلوم والمعارف والأديان وحضارتها كانت سباقة في أخذ يد البشرية الى الحداثة والمدنية والعمران كالأمة الألمانية والانكليزية والاسبانية والعربية والفارسية وغيرها. بقيت القوميات في العالم الثالث محافظة على نفسها بشكل وبآخر حتى ظهور الاستعمار الفرنسي والإنكليزي والبرتغالي والإيطالي وغيرهم وابتدأو بتفكيك القوميات والنفاذ إليها اقتصادياً وثقافياً والهيمنة على قرارها السياسي واعادة رسم حدودها من جديد بما يتناسب واطماعها الاستعمارية وتم استنزاف مواردها البشرية وزرع لغاتها على الألسن بدلاً من لغات البلدان الأصلية كما حصل في الامة العربية وخاصة الواقعة تحت الاستعمار الفرنسي، بلدان المغرب العربي، حيث أصبحت اللغة الفرنسية إن لم تكن الأولى في هذه البلدان فانها يتم التعامل بها في الدوائر الرسمية وأصبحت بديلة، في مواقع عدة، عن العربية لأنها النافذة التي يطل منها المواطن مجتمعات الغرب وأصبحت الثقافة المحلية والعادات والتقاليد والسلوك الاجتماعي ظلاً للثقافة الفرنسية والغربية بشكل عام. ما تعرضت له الأمة العربية من ضغوط ودمار من قبل الغرب والنظام الرأسمالي والشركات الاحتكارية يكاد يكون مضاعفاً لأن الغرب الاستعماري زرع في قلب هذه الأمة دولة إسرائيل اليهودية وحاول تفكيك هذه الأمة وإضعافها وإرهاقها بالحروب والأزمات السياسية والاقتصادية وتمزيق الهوية الوطنية لبلدانها بحيث تبدو ضعيفة وهشة أمام جبروت وعنصرية الدولة اليهودية، كما قاموا بعدد من تمارين الحروب بين العرب وإسرائيل وانتهت معظمها بهزيمة العرب أمام قوة وجبروت إسرائيل كي يتصدع الجدار النفسي للمواطن العربي ويشعر بنفسه ضعيفاً مهزوماً أمام هيبة إسرائيل التي لا تقهر. وقام الغرب بمعاداة وتحييد دور الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية وحركات التحرر في العالم والتي وقفت دائماً مع هذه الشعوب المنتهكة سيادتها مما دفع الغرب في الدخول بصراع مباشر معها وفرض العقوبات الاقتصادية والتآمر من أجل تخريبها سياسياً وبنيوياً من الداخل وتغيير النظام الاشتراكي فيها وهذا ما حصل في النهاية. لقد قامت الدوائر الامبريالية بإسقاط أية حكومة وطنية تنتصر لشعبها الفقير المظلوم بإقامة الانقلابات العسكرية وتسليط عملائها من سياسيي البلد الأذناب لقيادة هذه البلدان ومحاولتهم قتل كل شعور وطني او قومي وقلع الجذور من الأرض التي ينتمي إليها حتى بدا الشعب في النهاية قطيعا تحكمه العصبيات القبلية والمؤسسات الدينية وتغزو عقله الخرافات والاوهام وأصبح تابعاً ذليلاً وأداة رخيصة لتحقيق أطماعها التوسعية التخريبية..هناك تاريخ جديد للبشرية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومة البلدان الاشتراكية في بداية تسعينيات القرن الماضي حيث ظهرت أميركا والغرب كقطب رأسمالي أوحد انفرد بالأمة العربية وكل القوميات وقاما بفرض النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإخلاقية تحت يافطات الحرية الديمقراطية والليبرالية وتم فتح حدود هذه البلدان لبضائع وثقافات العالم الرأسمالي ، كما ساهمت الثورة العلمية التكنولوجية التي تفجرت في الغرب في القرن العشرين على ربط العالم بمنظوماتها الالكترونية وقنواتها الفضائية وشبكات الانترنيت والتواصل الاجتماعي وابتدأ ضخ الأفكار السياسية الموجهة وتكريس نمط الحياة والثقافة الغربية كبديل لا غنى عنه وحتى التبشير بالديانة المسيحية من خلال الأفلام والمسلسلات والبرامج والنظم الفكرية المبثوثة بدراية وعلم ساعدها في ذلك بؤس هذه البلدان وتخبط حياتها السياسية وهشاشة أنظمتها الاقتصادية وتراجع الوعي الاجتماعي لأفرادها واستغلت الدوائر الامبريالية تشظي الهوية الإسلامية مذهبياً في هذه البلدان والذي شكل الإسلام عمودها الوجودي الوحيد وهويتها الثقافية والأخلاقية فعملت على خلق وتنشيط التنظيمات الارهابية من قاعدة وداعش وسلفية وميلشيات ومرتزقة تتخذ من الدين ستاراً لها من أجل تخريب هذه البلدان وتقسيمها مذهبياً وعرقياً وإنهاء كل مظاهر الحياة المدنية فيها فأصبح حلم المواطن ووجهته هو الغرب بحضارته وثقافته ودينه المسيحي ( السمح ) تخلصاً من هذا الوضع المأساوي والخراب الذي يحيط بالمواطن من كل الجهات . مفهوم القومية أصبح من الماضي وموجود على الورق وفي الذاكرات الهرمة، هذا الجيل الجديد لا يعرف شيئاً عن أمته وقوميته ويتحدث بإطناب عن الغرب وقادته وعلمائه وحضارته ولكنه لا يعرف شيئاً عن بلده ورموزه وتاريخه لأن الثقافة التي تُسوّق اليه، من خلال الشبكة العنكبوتية وثقافة الصورة، غربية مئة بالمئة أمام فقر المؤسسات الثقافية المحلية وعجز الحكومات الهزيلة على إدامة الثقة مع مواطنها...لقد تم تخريب بيئة البلدان العربية وفتحت الأبواب على مصراعيها للاستثمار من قبل الشركات العالمية والتي ترتبط باللوبي الاحتكاري العالمي فقامت بتهديم مرتكزات الواقع القديم وتغيير شكل الأمكنة التي تشكل ذاكرة المواطن وسر التصاقه بأرضه وقاموا ببناء صرح الواقع الجديد المعمارية من أبراج وابنية مؤسسات اقتصادية عملاقة دون حساب للبعد التاريخي والتراثي والثقافي والاجتماعي لسكان هذه المجتمعات بحيث أصبح المواطن يشعر بالغربة على أرضه وكل ما يقام حوله لا يمت بصلة نفسية معه..تمزقت الهوية الوطنية واستبدلت بالهويات الدينية والعرقية الفرعية وانتهى الانتساب الى الأمة وتلبد الشعور القومي لأن الاقوام الغريبة، من عمالة وتوطين واستثمار، زحفت الى هذه البلدان وتزاوجت وذابت في النسيج وظهرت عادات وتقاليد غريبة لا تمت بصلة الى تاريخ هذه الأمة ولا تتلاءم مع روحها التاريخية وزُرع في العقول إنهم الآن مواطنون أمميون شعارهم الإنسانية ولا غيرها..لقد مزق الرأسمال العالمي وعولمته كل شعوب العالم حتى بلدانه الأوروبية وأمريكا التي أصبحت هي أيضاً بلا هوية وطنية وبلا قومية وبلا أخلاق وشعار الإنسانية التي وضعتها العولمة كيافطة لوحدة البشرية نقعتها الكثير من الشعوب وشربت ماءها ..العولمة امبريالية مزقت كيانات الشعوب وأضاعت( القومية ) العربية الإسلامية..

  كتب بتأريخ :  السبت 19-09-2020     عدد القراء :  128       عدد التعليقات : 0