القانون المدني العراقي والاحتفاء بذكرى صدوره
بقلم : القاضي سالم روضان الموسوي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

قبل أيام دخل القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 في عامهِ السبعين منذ أن صدر في الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية) العدد 3015 في 8/9/1951 وفي عامه الثامن والستين منذ أن نفذ وأصبح واجب التطبيق في 8/9/1953،

لأنه لم يكن نافذاً في حينه إلا بعد مرور سنتين على نشره في الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية) وعلى وفق نص المادة (1382) من القانون المدني التي جاء فيها الآتي (ينفذ هذا القانون بعد مرور سنتين من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية) ويعتبر القانون المدني من أهم القوانين ومن رحمه خرجت عشرات النصوص القانونية ذات الصلة بالقانون الخاص منها قانون التجارة وقانون والتسجيل العقاري والنقل وحقوق المؤلف وغيرها من القوانين التي نتعامل بها يومياً ولا يمكن الاستغناء عنها، إلاأنالأمر المؤسف بأننا لم نرى أو نسمع عن جهة قضائية أوأكاديمية أو تنفيذية أو تشريعية حاولت الاهتمام بهذا القانون الذي يمثل العمود الفقري للمنظومة التشريعية، بينما نرى إن اغلب الدول المتحضرة تجعل من ذكرى صدور قوانينها الرئيسية مناسبة للاحتفاء بمنجزها التشريعي، لا بل إن دول احتفت بكل الحفاوة بقوانين بلدان أخرى، لان هذا القانون كان مصدر لقوانينها ومثال ذلك قيام كلية الحقوق في جامعة بيروت العربية بالاحتفاء بالقانون المدني الفرنسي لمناسبة مرور مائتي عام على صدوره في ندوة عقدتها عام 2004 وبمشاركة مجموعة من أساتذة القانون ونخبة القضاة ، الذين قدموا بحوثاً رصينة فيها تقييم لمسيرة القانون وعرض لأهم المعوقات والمشاكل التي واجهته في التطبيق وتشخيص الأحكام التي أصبحت متأخرة عن التطور في الحياة العامة، كما تضمن تقديم مقترحات للمعالجة، وجمعت هذه البحوث في كتاب أصبح مرجعاً فيما بعد، بينما نحن في العراق لم نلتفت إلى أهمية قانوننا المدني وثرائه المعرفي ، الذي كان من أفضل القوانين المدنية التي صدرت في حينه، ولا أتجن إن قلت ولغاية الآن يعد من أفضل النصوص القانونية على مستوى الوطن العربي، وجاء في أسبابه الموجبة (قد رؤى أن يكون مثالاً لما ينبغي أن يكون عليه التقنين المدني في البلاد العربية، فجُعِل مزاجاً متآلفاً يجمع بين قواعد نقلت عن الشريعة الإسلامية وقواعد نقلت عن التقنينات الغربية، وهو بتكوينه هذا يحكم التنسيق بين هذين المصدرين، فيتسع لمواجهة الحضارة الحديثة، ويستحث الجهود لدراسة الفقه الإسلامي دراسة مقارنة ترده إلى ربيع حياته وتمكنه من مسايرة هذه الأوضاع) والى هذا المعنى، ايضاً، يشير احد أساتذة القانون الدكتور عبده جميل غصوب بان القانون المدني العراقي قد خطى خطوة متقدمة وأوسع مما جاء في القانون المدني المصري، الذي سبقه في الصدور في عام 1948، لأنه جمع بين القواعد الفقهية والنصوص القانونية الحديثة التي تضمنها القانون المدني المصري وعلى وفق ما جاء في بحثه الموسوم (القوانين الوضعية الفرنسية والشريعة الإسلامية تقارب وتباعد المنشور في كتاب مائتي عام على إصدار القانون المدني الفرنسي ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ الطبعة الأولى عام 2005 ـ ص 22) كما أشار الدكتور عبدالمجيد الحكيم إلى إن (القانون المدني العراقي أصبح النواة الممهدة لإصدار قانون عربي موحد لأنه استمد أحكامه من الفقه الإسلامي والفقه الغربي الحديث وآلف بينهما وحقق غرضين مهمين الأول : إفساح المجال لاحكام كلية تتركز فيها نظريات عامة، اخصها نظرية الالتزام ، والغرض الثاني : وهو الأهم التمهيد للقانون المدني العربي الموحد) كما نقل الدكتور الحكيم عن السنهوري قوله (بان القانون المدني العراقي يتميز باتجاه خاص ينفرد به عن القانون المصري وعن سائر القوانين الحديثة فهو أول قانون مدني حديث يتلاقى فيه الفقه الإسلامي والقوانين الغربية الحديثة جنباً إلى جنب بقدرٍ متساوٍ في الكم والكيف، وتعتبر هذه التجربة من اخطر التجارب في تاريخ التقنين الحديث)وعلى وفق ما ذكره الدكتور عبدالمجيد الحكيم في كتابه الموسوم (الاعتبار كركن في العقد في القانون الانكلو امريكي ـ طبعة عام 1991 ـ ص51) كذلك أشار العديد من أساتذة القانون في الوطن العربيإلىأهمية القانون المدني العراقي ومدى تطوره قياساً إلى القوانين النافذة،ومنهم الدكتور إبراهيم بيومي الغانم في بحثه الموسوم (تقنين الشريعة بين المجتمع والدولة المنشور في الأعمال الكاملة تقنين الشريعة الإسلامية في مجلس الشعب المجلد الأول ـ منشورات مكتبة الشروق الدولية في القاهرة ـ طبعة عام 2012 ـ ص 83) ، لذلك أرى من الضروريأن نلتفت إلى هذا القانون بعين الاحترام والإكباروالإجلال،لأنه أساس عمل كل حقوقي وسند لتصرفات اغلب تعاملاتنا اليومية، وعلينا أن نحتفي به من خلال إعادة تقييمه والبحث عن القصور الذي لحقه من جراء تقادم الزمن وتطور الحياة ونبحث له عن السبيل في تقويمه حتى يبقى مستقيما ومنسجما مع مسيرة الحياة العصرية ، كذلك تغير الأحوال والظروف والقانون له عمر افتراضي كما يشير كتاب القانون لان عمره مع عمر المشكلة او العلاقة التي يسعى لمعالجتها أو تنظيمها، وارى إن مناسبة الاحتفاء بذكراه هي فرصة لان القانون المدني العراقي بحاجة إلى إعادة نظر لمواكبة التطورات الحديثة في فقه القانون المدني وتدارك السلبيات التي ظهرت بعد صدوره مما أدى إلى تدخل المشرع إلى معالجتها عبر قوانين فرعية مثل قانون إيجار العقار وقرارات مجلس قيادة الثورة المنحل تجاه عقود بيع العقارات وتملكها وغيرها مما تعج به المنظومة التشريعية القانونية، كذلك البحث في مدى اتفاق أحكامه مع أحكام الدستور النافذ لعام 2005 ، حيث تعرضت مواده الى الطعن بعدم دستوريتها وتصدت لها المحكمة الاتحادية العليا وأصدرت أحكامه في عدة قرارات منها 55/اتحادية/2016 و 64/اتحادية/2016 و 69/اتحادية/2010 ، ويذكر إن النظام السابق حاول إصدار قانون مدني بديل عن القانون النافذ يتفق وفكر ورؤى السلطة القائمة آنذاك وجاء في أسباب مشروع القانون ( أصبح القانون المدني العراقي يضيق عن استيعاب الأسس والمبادئ الجديدة وما تقتضيه صياغة مفاهيم قانونية جديدة) وتم تشكيل لجنة في وزارة العدل آنذاك تولت إعداد هذه المسودة إلاأن ذلك المشروع لم ير النور بسبب الظروف التي حلت بالعراق وطبعت وزارة العدل مسودة المشروع في عام 1986 وهي طبعة محدودة التداول، وارى بان من حسن الأمور عدم صدور ذلك القانون لان فيه نكوص عن حرية الإرادة في الاختيار وتغليب إرادة الدولة على إرادة الفرد في المعاملات الحياتية اليومية وهو ما يتنافى ومبادئ الحرية في الاختيار، لذلك فان الاختفاء به هو احتفاء بالعراق وبتاريخه المعرفي الكبير وان نتغنى به مثلما نتغنى بمسلة حمورابي واينانا وغيرها مما كان في سالف الدهر والزمان ، وارى أن تتولى هذه المهمة الجهات الأكثر التصاقاً بهذا القانون وهي كليات الحقوق ونقابة المحامين واتحاد الحقوقيين وكذلك القضاء إذا ما توفر له الوقت، والأمل قائم بالالتفات إلى هذه الذكرى المهمة مع إننا نفتقد لمثل هذه السياقات الاحتفالية ، لان العهود السابقة لاتلتفت إلاللاحتفال بالسلطة ورموزها وشخوصها، وفي الختام عسى أن تكون الالتفاتة خطوة أولى في هذا المنهج مع إني سبق وان أشرت إلى ضرورة الاحتفاء بالدستور النافذ في ذكرى الاستفتاء عليه بتاريخ 15/10/2005، لذلك أتمنى أن يتحقق ذلك المطلب ولو باحتفالية موحدة لذكرى الاستفتاء على الدستور وذكرى صدور القانون المدني.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 28-09-2020     عدد القراء :  72       عدد التعليقات : 0