مكافحة آفة الفساد لابد أن تبدأ من أعلى قمة هرم السلطة
بقلم : د. أحمد عبد الرزاق شكارة
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

كما يقال أن تنظيف أدراج المكتب يبتدئ من الاعلى مرورا بكل الادراج وصولا الى الدرج النهائي وليس العكس ، بمعنى أن إستئصال الفساد في العراق برغم كونه جهدا إستثنائيا ضخما في خطورة تداعياته وفي التعقيد والحساسية الناجمة عنه ، إلا انه ممكن التحقق بشرط البدء به من قمة سلم السلطة السياسية وليس العكس.

إن التغافل عن محاسبة كبار حيتان او داينصورات الفساد لن يكون إجراء كافيا أو حاسما وفقا للمعايير السياسية والقانونية – العدلية "القضائية". من هنا ضرورة ترجمة إجراءات السلطة التنفيذية والقضائية وسلطة الاعلام إلى علامات مضيئة واضحة نهجا وقانونا في محاسبة المفسدين حسابا سياسيا – قضائيا عسيرا نظرا لإهدارهم المال العام دون حسيب او رقيب وكما يقال في المثل الدارج : "المال السائب يعلم السرقة".

ولكن أية سرقة؟ إنها من الطراز الثقيل جدا والذي من الصعب تتبعه وإسترجاعه لخزينة الدولة لإنه وضع من قبل كبار المفسدين في حسابات سرية الكثير منها تعد وهمية او أنها تحمل اسماءا أخرى لشخصيات يعرفها الفاسدون حق المعرفة ولكنها غير مشخصة جيدا للشعب العراقي بالنظر لكون الفساد يعمل في إطار شبكة من العلاقات البينية المعقدة والتي من الصعوبة بمكان كشفها .صحيح إن التكتلات الحزبية – السياسية في العراق تتمتع بإمكانية مالية – أقتصادية كبيرة جدا في ظل مكاتبها الاقتصادية ولكنها بذات الوقت لاتخضع للرقابة والمحاسبة الدقيقة اللهم إلا ما ندر او ما رحم ربي كما يقال. لست بوارد ذكر حجما معينا لقيم صفقات الفساد الضخمة ولكنها تصل وفقا لإراء الباحثين ومراكز الدراسات والابحاث إلى مليارات الدولارات خسرها العراق في الفترة بين 2003- 2020نتيجة لعقود غير رصينة أو "وهمية" تم عقدها مع شركات يفترض أن تتمتع بسمعة دولية أو إجيدة او رصينة ولكنها في حقيقة الامر لم تحسن إدارة الحوكمة . أو كونها مبالغ مالية كبيرة جدا ذهبت إلى جيوب فئات عديدة من مايعرف ب"الفضائيين" على المستويين المدني والعسكري. ضمن هذا السياق كشف مؤخرا عن مايعرف ب"الرواتب المزدوجة" التي تم أيقافها مؤقتا بأفتراض أن يتم استردادها لاحقا بغية تحويلها لخزينة الدولة ومن ثم توزيعها للفئات المحرومة "الفقيرة" المتعففة التي تستحقها. ترتيبا على ما تقدم تم إعلان قرار مهم هدفه إيقاف مؤقت لمزدوجي رواتب "رفحا"وفقا لقرار رقم 27 لمجلس الوزراء العراقي الذي وبرغم ذلك سمح "إقتصارها على شخص واحد فقط ولايتجاوز راتبه على مليون دينار" بشرط "ان يكون مقيما داخل العراق وربا لإسرة ولايوجد لديه أي راتب من الدولة". علما بإن إتخاذ مثل هذا القرار المهم عد جزءا من "حزمة أصلاحات أوسع نطاقا تهدف إلى ترشيد الانفاق وتخفيص التكاليف وتحقيق الانصاف ومعالجة التباينات في الانفاق العام". إنطلاقا من ذلك سعت حكومة الكاظمي بإتجاه مكافحة الفساد من خلال استخدام آليات مناسبة لمكافحة الفساد منها تاسيس الجنة الدائمة للتحقيق في قضايا الفساد (سبق وأن مثلها المجلس الاعلى لمكافحة الفساد) أما جهاز مكافحة الارهاب الذي واجه بكل شجاعة إرهاب داعش فقد كلف بالقاء القبض على رؤوس الفساد وفقا لقرارات قضائية تتمتع بالشفافية أخذت شكل : "مذكرات القاء قبض رسمية"وهو ما تم فعليا في الاونة الاخيرة حيث تم إعتقال عدد من الشخصيات التي تسنمت مواقع المدراء العامين . من هنا يمكن إعتبار مكافحة الفساد ظاهرة تعد صنوا للارآء القائلة بإمكانية نشوبها، حرب شاملة بانتظار أن تتسع دائرتها لتشمل جهات واشخاص يحتلون الجزء العلوي في أعلى سلم هرم السلطةالسياسية "التنفيذية" من وزراء ومسؤولين كبار سابقين . إن قرار مجلس الوزراء في ال12 من مايو الماضي (2020) الموجه لمكافحة الفساد اشار ايضا إلى مايلي :

إعادة دراسة مشاريع القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد ، وبما يفعل من إجراءات مكافحته ويقوي نجاحتها ، والتاكيد على تعزيز دور المؤسسات المعنية بذلك من هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية الاتحادي ، بالتنسيق مع الامانة العامة لمجلس الوزراء، والتأكيد على حرية تبادل المعلومات وحق الحصول عليها من خلال الاسراع بتشكيل قانون حق الحصول على المعلومة". لاشك أن الحصول على معلومات دقيقة عن الفاسدين والمفسدين الكبار والاخرين ممن سهلوا مهمة إهدار وإخفاء مليارات او ملايين الدولارات تم تسريب جزءا مهم منها عبر منافذ وملاذات خارجية سيمكن السلطات المعنية من تنفيذية – برلمانية – قضائية وإعلامية من لعب دور حيوي نشط يعزز من دور منظمات المجتمع المدني ما يسهم من متابعة استرداد اموال الدولة او على الاقل جزءا مهما منها كلما أمكن ذلك إعتمادا على توفر الفرص الملائمة. ترتيبا على ما تقدم ، منظور أخر سلطت حكومة الكاظمي الضوء عليه إلا وهو أجهزة المراقبة الامنية – الاستخبارية – التقنية "آلية الاتمتة" الفاعلة للمنافذ الحدودية التي تربط العراق بجيرانه ستمكن السلطات العراقية الحكومية من استرداد جزءا أخر مهم من اموال العراق التي أهدرت بسبب ضعف الرقابة على المنافذ الحدودية المشتركة في جنوب وشرق العراق . على أمل ان تنجح السلطة الاتحادية من تفعيل الحصول على مردودات أخرى من شمال العراق "اقليم كردستان" وفقا لأتفاق المناصفة من ايرادات المنافذ الرسمية. علما بإن المنافذ غير الرسمية هي الاخرى بحاجة للمزيد من المراقبة الدقيقة من قبل اجهزة مشتركة للسلطة الاتحادية المركزية وسلطة الاقليم ايضا نظرا لكون تهريب النفط عبر الصهاريج يتم من خلالها او من خلال المعابر او المنافذ الرسمية . السؤال الذي يرد إلى الذهن هو هل ستنجح مثل هذه الجهود المرحب بها أم أن الشخصيات المتنفذة التي من ورائها تكتلات حزبية – سياسية سوف لن تسمح بأن تتحقق نجاحات حقيقية على ارض الواقع؟؟ مع ذلك حدد السيد الكاظمي جانبا من التوجه الحكومي الاستراتيجي المراد إتباعه في مواجهة كلا من الفساد والسلاح المنفلت في قول واضح تردد مؤخرا من قبله : "لامكان في العراق لتحالف الفساد والسلاح المنفلت". هذا ومن المستجدات التي يجدر بنا ايضا الاشارة اليها ما أكدته مؤخرا لجنة النزاهة النيابية من أنها "تمتلك ملفات فساد بشأن جميع الوزارات العراقية ، وإنها ستقدمها للجنة المختصة لقضايا الفساد الكبرى والجرائم الاستثنائية". ضمن هذا السياق اشارت النائبة عالية نصيف إلى ما عرف بملفات"التسعينية" وهي كناية عن : "دفع اموال من الدولة بقيمة 90بالمئة من العقد و10 بالمئة فقط للتنفيذ ، فيتم عبر ذلك سرقة ال90 بالمئة وتهريب اموال الدولة".هذا جزء يسير من موضوع واسع متسع الابعاد والمظاهر جعل من آفة الفساد الخطيرة التي تنمو في جسد العراق بصورة واضحة ما جعل العراق يحتل مواقع متدنية جدا – ضمن أسوء عشر دول – من مجموع 180 دولة وفقا لمقياس منظمة الشفافية العالمية Transparency International للاعوام القليلة الماضية. إن ضعف الدولة الاقتصادي في ظل مؤشرات متدنية للناتج المحلي الانتاجي GDP- Gross Domestic Products تنتج بالتبعية تصاعدا في حالات الفساد واخيرا يمكن القول أن دولا عربية مثل العراق ، سوريا ، اليمن وليبيا والسودان إن أستمرت تعاني من حالة انفلات أمني سيترتب بالضرورة تصاعد في حالات الفساد في مختلف اجهزة الدولة التي لازالت تعاني من مظاهر مقلقة جدا من المحاصصة المقيتة بصورة لافتة ابعدت او ستبعد العراق لاحقا عن تاسيس حكم رشيد ننادي به كثيرا وينادي به ثوار الانتفاضة وآخرينممن لهم باع في الحركات المعارضة للامر الراهن status-quo. اقول كل ذلك لازال املا عسى ان يتحقق وإن يتم بصورة تدرجية تراتيبية تعزز من قوة اللحمة الوطنية لتنقل العراق بإتجاه دولة المواطنة الحقة ذات الفرص المتكافئة والتي تعطي لكل ذي حق حقه دون إفراط ولا تفريط في إطار معادلة متوازنة وضمن مناخ من سيادة العدالة الاجتماعية التي دونها ستتسع دائرة الفقر والبطالة . ما يمتن مستقبلا قوة وسيادة وهيبة الدولة الوطنية. إن الاعداد والتهيئة الجدية الجيدة لانتخابات مبكرة في يونيو القادم في ظل رقابة وإشراف مميز للامم المتحدة سيمكننا من الحصول على جرعة أو جرعات من التفاؤل النسبي الذي يستندعلى أسس مشروعة في ظل نظام ديمقراطي حقيقي يلبي الاحتياجات الاساسية لشعبنا الكريم ما يسهم ببناء عراق بعيدا عن محيط الفساد والعنف الذي ينتهي بالدولة العراقية إلى دمار شامل. أخيرا ليس عيبا الاستفادة من دروس الماضي الناجعة ومن تجارب الدول الاخرى الناجحة في مجال مكافحة الفساد ، الارهاب ، والسلاح المنفلت.

  كتب بتأريخ :  الخميس 01-10-2020     عدد القراء :  112       عدد التعليقات : 0