تعددت الدوائر الانتخابية فتقلصت المشاركة وراوح التغيير

كرر البرلمان العراقي مخرجاته البائرة الدائرة في وعاء القوى السياسية المتنفذة، ولا غريب في ذلك، ودون مراعات لهموم ومصالح اوسع الفئات وبخاصة التي لم تنتفخ من السحت الحرام ولا من طائفة المحاصصة. ومنها الصغيرة بقواها التصويتية، والناشئة من الشباب الثائر، الذي يفتقر للتنظيم وللبرنامج السياسي. حينما اقر تعدد الدوائر الانتخابية، وان سميت متوسطة. اذ ان " رقم 83 " دائرة يعني متعددة غير انها مخففة. ان القوى التي تضررت ولم تؤخذ مصالحها بعين الاعتبار تعد الاغلب المشاركة والمفجرة لحراك التغيير الحقيقية. واذا ما وضعت مثل هذه الحواجز امامها فلا يعني ذلك غير التفاف مدثر. مستغلاً ما طرح من قبل بعض اوساط المتظاهرين لمطلب الدوائر المتعددة. الامر الذي يدعو الى التدقيق في هذه المفاهيم السياسية التي يكتنف تبنيها من قبل المتظاهرين الابهام. وعلى سبيل المثال وليس الحصر ، شعار " لا للاحزاب " دون تحديد ما بعد ذلك ، وشعار " الدوائر المتعددة " بلا معرفة لمصلحة اية جهة ستخدم، وما هي اضرارها المستقبلية، فضلاً عن تساؤلات هامة ما زالت تدور حولها.

حينما تفجرت التظاهرات منذ عام 2011 استنفرت الطغمة الحاكمة وجندت امكانياتها المادية والسياسية وعونها الخارجي، لمواجهة الحراك الجماهيري، سواء كان ذلك بالاساليب الناعمة الاعلامية او الشرسة القاتلة علنية او متخفية، كـ " الطرف الثالث " وسواه، الذي طال حياة اكثر من ستة مئة شاب شهيد، واكثر من عشرين الف جريح ومعوق. فكانت الحصيلة قد حولت التضحيات هذه الى عامل ناهض ومحرك لقوى الانتفاضة، مما زادها عنفواناً. هذه المفاعيل المتكالبة استهدفت الانتفاضة من خارجها. كما دفعت اعداء التغيير الفاسدين المتربعين على سدة السلطة ايضاً، الى اساليب التخريب الناسفة من داخلها. حيث تمظهرت بدس العناصر الشرسة المتهورة والشعارات المحبوكة التي تبدو في ظاهرها مشروعة غير ان مراميها وابعادها القريبة والبعيدة كانت لا تتلامس مع مصالح اوسع الجماهير، ولن تضع لبنة في جدار التغيير، انما اسست لفجوة تنطوي على اسباب هدم محتمل.

وهنا لابد من معاينة فاحصة للعوامل التي دفعت اوسط الحراك ان تتبنى شعارات ومطاليب غير مدروسة لابعادها اللاحقة . اولاً: كان الاندفاع المنطلق من تراكم الغضب وبهدف زاحة الظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي مضى الى العظم داخل الجسم اعراقي. قد اضعف التدقيق بالشعارات والمفاهيم السياسية التي طرحت ومازالت تطرح في الشارع. فماذا يعني شعار " لا للاحزاب " غير الدعوة لـ " قائد ضرورة " او للفوضى السياسية، و للاغلبية الطائفية. وليس لها اية صلة بالديمقراطية التي تعد من اهم مطاليب الانتفاضة.. واذا ماكان ثمة استفسار حيال ذلك فيطرح بالدرجة الاساس على الاطراف الواعية ذات الباع الطويل في النضال، التي يبدو لم تتمكن من معالجة هذا الاختلال بالرغم من درايتها به، تبدو المعالجات لم تكن متيسرة في شارع مفتوح للتدخل. وثالثاً: يكمن في نمط تفكير المنتفضين الذي كان ينحو باتجاه جعل الانتفاضة "ثورة كاسحة " منذ مراحلها الاولى دون ان يدركوا ان الانتفاضة لا تصنع ثورة. من غير استشراف اختمار عواملها، التي تتبنى مهمة ازاحة الطبقة المستبدة الحاكمة، بالطبقة المظلومة. ان مثل هذه المقدمات الضرورية للثورة غير متاحة راهناً. ولكن يمكن للانتفاضة ان توفر ممهدات الثورة حينما تهيء مستلزماتها الفاعلة، وفي المقدمة انضاج ظروفها الذاتية و الموضوعية.

ودمنا بصدد الحديث عن صواب الاختيارات او عدمه، فمن المهم ان يشار الى اختيار الدوائر المتعددة.التي بمثابة الثغرة التي ستهدم السد وبعده الطوفان كما يقال، والتي ستستغل من قبل الكتل المتنفذة للاستحواذ على اغلب المقاعد بحكم امتلاكها المال والسلاح والنفوذ والسبل "المحنكة" في تزوير نتائج الانتخابات. قصاد منتفضين شباب ناصعين لم تتولاهم اساليب الاحتيال والغدر السياسي والاجندات الاجنبية ولم يتلوثوا بالمحاصصة والفساد والطائفية والعرقية المقيتة، ناهيك عن كونهم ما زالوا غير راسين على " بلاتفورم" سياسي موحد

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 13-10-2020     عدد القراء :  104       عدد التعليقات : 0