ورقة الإصلاح المالي البيضاء بين إضاءات وإضافات
بقلم : د. أحمد عبد الرزاق شكارة
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

يقال بإن الفيل في الغرفة Elephant in the room كناية عن موضوع هام جداً وواضح وضوح الشمس في عليائها ولكنه بنفس الوقت جدلي ومثير للتداعيات الخطيرة وقد لايود أي من المهتمين به رغم معرفتهم به حق المعرفة وأطلاعهم على مجرياته واسراره أن يتكلم عنه أو حتى الاشارة إليه كون التفصيلات الناجمة عنه ستثير إحراجاً سواءً للاشخاص المعنيين به أو ربما قلقاً وإثارة لتطورات مجتمعية تحمل مخاطر وتحديات مستقبلية .

الرسالة إذن لن تقتصر على المسالة "المالية – الاقتصادية" بل ستناقش تداعياتها الشاملة على المجتمع والاقتصاد ومستقبل العراق . لاشك أن تأتي متأخراً خير من أن لاتأتي كلياً ، بمعنى أن إصدار الورقة البيضاء للاصلاح المالي ونشرها على أوسع نطاق من خلال شبكة الانترنت يعد أمراً إيجابياً. علما أن أوراقاً أخرى صدرت سابقاً عدت مهمة ولكنها تركت على الرفوف دون تطبيق . لايقلل ذلك أبداً من قيمتها الإيجابية كونها أكدت الحاجة الاستثنائية "الملحة" لترجمة الإصلاحات إلى خريطة عمل جديدة وبرنامج نهضوي يتم من خلاله إجراء الإصلاحات الإنسانية المتطلبة والمنتظرة. لعل من الحيوي التأكيد إلى أنه في حالة تطبيقها بصورة شاملة – موضوعية – واقعية وعلمية ستنعكس ولاشك نتائجها أوآثارها إيجاباً على حالة المواطنين وترفع من مستواهم النوعي - المعيشي . ضمن هذا السياق التفاؤلي الحذر برز تخوف مبرر لفريق الورقة "خلية الطوارئ" من أن هنالك إمكانية حقيقية من عدم إزدياد أسعار النفط للعام 2021 . علما بإن مصدر النفط والغاز الطبيعي (الوقود الاحفوري) مازال يمول الموازنة العراقية بحدود تصل إلى 95% مع كل التداعيات الخطيرة المتوقعة ستراتيجياً.

نصف الورقة خصص لتشخيص الخلل في الوضع العراقي الاقتصادي – المالي بهدف تحليل جذور وتداعيات الأزمة الاقتصادية – المالية التي تعصف بالبلاد والعباد. كل ذلك دون إغفال للفرص التي يمكن الاستفادة منها مستقبلاً لإنجاز الإصلاحات الضرورية بالتوافق مع إعادة هيكلة للمؤسسات والقطاعات التي تتصدر المشهد الاقتصادي – المالي . غطت الورقة أهم القطاعات الاقتصادية العراقية التي يفترض أن يجري من خلالها الإصلاح الاقتصادي (الزراعة ، الصناعة والنفط والغاز الطبيعي) . علماً بإن الورقة الاصلاحية تمر في مرحلة انتقالية أمدها 3 إلى 5 أعوام ستتبعها - عقب مرحلة حوار رسمي وشعبي مكثف - أخرى تنفيذية توضح ماهية الأدوات والآليات التطبيقية لترجمتها بشكل يتسم بمزيد من الدقة والاستدامة .. من أوائل النقاط المهمة التي اعترفت بها الورقة أن الدور الريعي للدولة وإتساعه أدى لتشويه للمجتمع وللاقتصاد العراقي مسألة لاتحتاج لتوضيح الكثير من تفصيلاتها التي طالما أثّرت على نوعية حياة المواطنين بل وهدّدت حياة مستقبلهم والحديث هنا خاصة عن الفئات الهشة المهمشة أو الضعيفة الدخل "المحرومون" التي تعيش على 1.90 دولار لليوم الواحد . لا يمكننا استبعاد التأثيرات السلبية أيضاً على ما يعرف ب"الطبقة الوسطى" التي تمثلها نخب عراقية واعية ومدركة لعواقب الأمور، حالة يضر استمرارها بناء دولة رصينة خاصة إذا ما إنتشر الفساد بطرق وأساليب مختلفة ومعقدة بل وتم إهدار المال العام أوالتخصيصات المالية للقطاعات الاقتصادية التقليدية (صناعة وزراعة وخدمات) وغير التقليدية (عالية التقنية من اقتصاد معرفي مبدع) التي يفترض أن تحقق في نهاية المطاف مستوى عال من الدخل وحالة رخاء ينعم بها كل مواطن ومقيم على أرض العراق في بلد يعد من أكثر البلدان النفطية غنى "وفرة – إحتياطاً وأنتاجاً وتصديراً".

إنطلاقاً مما تقدم نشير إلى وجود عدد من الإشكالات والتحديات الحرجة الأساسية المترتبة على الاعتماد الكلي تقريباً على عوائد النفط ومنها تضخم موازنة الدولة التشغيلية على حساب الاستثمارية التنموية التي يفترض أن تحقق نقلة ونهضة إنسانية – حضارية للعراق مقارنة بإقرب جاراته من الدول العربية وغير العربية. من أبرز الإحصائيات المتعددة التي ذكرتها الورقة : أنه في الفترة (بين 2004 -2020 أرتفعت نفقات رواتب الموظفين والمتقاعدين بنحو 400 بالقيمة الحقيقية ، وارتفع العدد الاجمالي لموظفي القطاع العام بإكثر من ثلاثة أضعاف). ضمن هذا السياق ومع تصاعد حدة التحديات السكانية - الاقتصادية - المالية وإنعكاساتها مجتمعياً لايبدو أن أحداً يود أن يعترف بإن "الفيل في الغرفة" بمعنى أن فشل الدور الحكومي في إنعاش الاقتصاد الوطني على مدى 17 عاماً قد أضعف فرصاً حقيقية للتنمية الإنسانية المستدامة يتم من خلالها بلورة فلسفة – فكرية مرتبطة بتشكل نظام أقتصادي جديد له خصائص أصيلة ، ويتمتع بالرصانة والرقي والمدنية والاستدامة يمكن من خلاله بناء الإنسان العراقي عماد التنمية وجوهرها. الشيء المؤسف والذي نتخوف منه حقاً أن تكرر الأقوال الرنانة للإصلاح من قبل المسؤوليين دون ترجمة حقيقية إلى أفعال ملموسة . العراق وبرغم بعض التحسن الايجابي مؤخراً في القطاع الزراعي لم يخرج من طوق الإطار الاستهلاكي غير المنتج ولا المنظم للدولة وبالتالي لازال بعيداً جداً عن منجزات التنمية الإنسانية المستدامة . إن بناء مشروعات صغيرة – متوسطة وكبرى تفي بإحتياجات البلاد من موارد الزراعة والصناعة و من خدمات للبنى التحتية المعتمدة على أحدث الأساليب التقنية مسألة تستحق الاهتمام والمواكبة والمقاربة مع أحدث تجارب الدول المتقدمة أو التي تعد صاعدة في مجالات التنمية الانسانية الحديثة (ماليزيا ، سنغافورة ، نيوزلندة ، فنلندة ، أرلندة ، ايسلندة ، النروج ، السويد والدانمارك). إذ لو تم فعلياً التحرك مبكراً في تأسيس مشروعات حقيقية تلامس الواقع الإنساني للتنمية الإنسانية في العراق لكان موضوع ندرة السيولة المالية – المصرفية أمراً لايمكن توقعه اللهم إلا في أضيق الحدود الاستثنائية كتلك التي تخص ظواهر ومخاطر التغيير المناخي أو انتشار الأوبئة الخطيرة مثل كورونا – كوفيد -19. لاشك أنه وبما توفر للعراق من مصادر بشرية مؤهلة داخل وخارج البلاد بالتوافق مع عوائد نفطية وغيرها معدنية - زراعية – مائية يمكن أن يشكل نموذجاً تنموياً قد يضاهي الدول الأخرى في إقليم مينا MENA – Middle East North Africa أو خارج حدوده. الأمر الذي يقتضي مجابهة تحديات ذات طبيعة جيوسياسية مهمة خلقت حتى الآن مناخاً بيئياً طارداً للنمو وللتنمية معا من خصائصه: "التعقيد في السياسات الحكومية ، وضعف قدرة الدولة على فرض سيادة القانون ، وزيادة عسكرة المجتمع ، ونفوذ الجهات غير الحكومية في المؤسسات العامة". إذن نحن بصدد مواجهة حقيقية لآفيال وليس فيلاً واحداً فقط في الغرفة مايدعو إلى مراجعة شاملة كاشفة تقويمية لمناح ومناهج الفكر والسلوك والإدارة في المجالات السياسية – الأمنية – الاقتصادية والاجتماعية وغيرها مع إهتمام بتفاعل تنموي جدي مؤثر ومستدام مع المحيطين الداخلي والخارجي . كنتيجة لذلك إنني حذر جداً في درجة التفاؤل ولعلي أضرب مثلاً عن أهمية تنمية بعض شركات القطاع الخاص الصغيرة والصغيرة جداً والمتوسطة (اكثر من 90% من عمالة القطاع الخاص) التي يفترض إن توفرت لها الثقة المصرفية والمالية أن تلعب ادواراً إيجابية خلاقة مقارنة بغيرها في دول المينا MENA . حالياً لدينا عدد محدود جدا منها في مجال النفط والاتصالات و أخرى متنوعة متعددة في مجال الاقتصاد غير المنظم (أمثلة : تجارة البيع بالتجزئة والبناء والنقل، صناعة الأنسجة والأغذية والضيافة والهندسة والكيميائيات، الخ). إن الانتقال من حالة عدم النظام Disorderإلى النظام Order على مستوى الشركات المنتجة هو مايجب الاسراع به ومتابعة تنفيذه . هذا من المناسب الاشارة إلى أن مجموع قوة العمل في العراق تصل إلى 4 ملايين شخص أو أكثر تصل في تقارير متعددة مابين 6 إلى 8 ملايين بضمنهم فئة المتقاعدين ممن شملوا ببرامج الرعاية الاجتماعية، حجم ولاشك كبير جداً لا يتيح أية فرصة إيجابية لزيادة الإنتاج أو لأي درجة نمو مرتفعة للناتج المحلي طالما تعد الغالبية العظمى منهم "بطالة مقنعة" ولايزيد وقت العمل الفعلي لها يومياً عن 25 دقيقة بل وأقل من ذلك مايقارب ال(17 دقيقة). علماً بأنه لابد من التأكيد أيضا على أن ماتقدمه الدولة من خدمات للشعب وإن يكن دون المستوى إلا ان قيمته ماديا مفتقدة كنتيجة لفشل نظام الجبايات التقليدي من مستهلكي الكهرباء والماء وهو أمر متوقع . "الفيل في الغرفة" يفترض أن تكون المعادلة متوازنة بين ما يقدم من خدمات نوعية عالية الكفاءة والاستجابة الطوعية الملتزمة بدفع المترتبات المالية تجاهها.

الفيل في الغرفة يدعو السلطات المختصة لتحمل واجباتها تجاه فئة الشباب رواد حركة الثورة "الاحتجاج" التشرينية التي تشكل الشريحة الأكبر من المجتمع العراقي الذي لاتزيد أعمارهم عن 30 عاماً. المرحلة القادمة تتطلب الانفتاح على المجتمع الدولي من أجل الحصول ليس فقط على 88 مليار دولار "استثمارات" لإعادة إعمار المناطق المحررة التي قدرت اضرارها الجسيمة بنحو 46 مليار دولار من "البنى التحتية والممتلكات" بل وبما هو أكثر من ذلك مستقبلاً تأميناً للأمن الوطني في مختلف قطاعات الدولة (طالما لازالت مواجهة عصابات داعش مستمرة بقوة في مناطق مختلفة من العراق) . علماً بأن ما وصل من تعهدات تقدر ب"30 مليار دولار" في مؤتمر الكويت لم يفعل حتى الآن. "الفيل في الغرفة" يؤكد ضرورة الاهتمام بذوي الدخول المتدنية وبرواتب المتقاعدين إجمالاً وعدم المساس بها كونها "خطا أحمر" إن تم تجاوزه سيدخل العراق نفقاً مظلماً بحق يعمق من الفجوة بين الدولة والمواطنين الأمر الذي لايتمناه أي عراقي.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 26-10-2020     عدد القراء :  120       عدد التعليقات : 0